"توم وجيري" هل يُعلِّمان أطفالنا العنف؟
هل تحمل المسلسلات الكارتونية في طياتها العنف والإرهاب، أم أنها فكرة لا تمت بصلة للواقع؟
لم يكن يتصور المهندس الشاب "أحمد سامح" أن يستيقظ، ليقرأ خبرًا، يُتهم فيه "توم وجيري"، مسلسله المفضل منذ قرابة عقدين ونصف، بالوقوف وراء الإرهاب الذي تعاني منه بلاده، وما زاد حيرته، أن ذلك الاتهام وجهه مسؤول مصري، في تصريحات تداولها، نشطاء، عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
وبين مؤيد للمسؤول، وآخر معارض، أخذ أحمد يقلب نظريه بين الآراء المدونة على "فيسبوك"، كأنه يفكر أيهما على صواب؟ ترى هل فعلًا المسلسلات الكارتونية تحمل في طياتها العنف والإرهاب أم أنها فكرة لا تمت بصلة للواقع وإلا كانت سلاحف النينجا (مسلسل كارتوني) متهمة هي الأخرى، بالعنف، بحسب قول أحد النشطاء.
لكن الشاب الثلاثيني، سرعان ما اتخذ طريقه، وقرر كعادته، أن يتبين من حقيقية التصريحات أولًا، فأخذ يبحث عنها عبر موقع "يوتيوب"، كاتبًا كلمات مفتاحية "توم وجيري" و"الإرهاب"، لتظهر له تصريحات رئيس هيئة الاستعلامات المصرية، وسط عشرات المقاطع التي تجسد الصراع بين القط توم والفأر جيري.
ويبدأ المقطع، بقول صلاح عبد الصادق، مدير الهيئة العامة للاستعلامات المصرية: "توم وجيري وخلافه.. شوفوا العنف اللي فيها (انظروا إلى العنف الذي تحتويه).. كوميدية وفكاهية إلا أنه يرسخ أمامه (يقصد الطفل) أنه من الممكن أن أضرب وأفجر وما شابه.. ويطلع في دماغه أنه ده طبيعي (ويعتقد أن هذا الأمر طبيعي)".
ثم تابع المسؤول المصري، خلال مؤتمر حمل عنوان "الإعلام وثقافة العنف" نظمته كلية الإعلام بجامعة القاهرة، الثلاثاء الماضي: "لدينا مثلًا ألعاب الفيديو.. أصبح من العادي جدًّا أن يستغرق شاب ساعات طويلة يلعب فيديو جيمز (ألعاب فيديو) ليقتل ويسفك الدماء وهو مسرور وسعيد، فإذا أتى عليه الضغوط المجتمعية التي تجعله يلجأ إلى العنف فبالتالي يتقبله بسهولة جدًا وليس عليه من حرج".
تنتهي تصريحات رئيس الهيئة العامة للاستعلامات المصرية، ولا تنتهي حيرة أحمد، الذي يجد نفسه يتصفح حلقات من توم وجيري، على ذات الموقع، فيجد أن توم يحاول أن يمسك بجيري لكي يأكله، لكن جيري يهرب تارة، ويراوغ تارة، ودائمًا ما يقع توم في مأزق، ليصطدم بشيء أو يكسره، فتتعالي ضحكات أحمد، متجاهلًا ذلك الجدل الذي كان يبحث عن نهايته.
وبعكس المهندس الشاب، لم تتجاهل وسائل الإعلام الغربية، تصريحات المسؤول المصري، بل وجدتها مادة إعلامية ثرية تُضم إلى أخبار المنوعات، مثل صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية التي تساءلت عما إذا كانت الحكومة المصرية بصدد الرقابة على "توم وجيري"، فيما تناولت صحيفة "فورين بولسي" الأمريكية التصريح بعنوان "توم وجيري إرهابيا عالم الكارتون".
أما صحيفة "ديلي ميل" البريطانية فقالت إن المسؤول المصري ألقى باللوم على المسلسل الكارتوني في تسببه في ظهور داعش، مدعيًا أنه يشجع على التطرف ويعلم الأطفال كيف يفجرون أنفسهم، على حد قولها.
ورغم حالة الجدل التي أثارتها تصريحات رئيس الهيئة بشأن الكارتون الشهير "توم وجيري"، هناك مئات الدراسات التي أجريت عن تأثير الكارتون على حوادث العنف بين الأطفال، واحتمالية اتسام الأطفال بعدوانية شديدة في مرحلة لاحقة من طفولتهم.
من جانبها، قالت الدكتورة منال عاشور أستاذ علم النفس في جامعة حلوان لبوابة "العين" الإخبارية، إن "الطفل يعيش في الخيال ولا يتركه بسهولة ويحاول محاكاة ما شاهده على شاشة التلفاز ويستعيره لحل مشاكله.
وحذرت عاشور من أن "ألعاب الحاسوب والفيديو أسوأ وكارثة تحدق بمستقبل الطفل، ونبهت إلى وفاة أطفال في أواخر السبعينيات سقطوا من الشرفات عندما حاولوا محاكاة كارتون فرافيرو" على حد قولها.
في الاتجاه ذاته، أوضحت الدكتورة بثينة عبد الرؤوف رمضان خبيرة تربوية لبوابة "العين" الإخبارية أن هناك دراسات أجريت على كارتون (مازنجر - أفروديت) وخلصت لعلاقته بوقوع حوادث عنف بين الأطفال فضلًا عن تأثيرات سلبية تسببها الصراعات والعنف بين الأشرار والخيرين وأدوات التغلب على الآخر والقتل.
فيما رأت هالة حماد استشاري طب نفسي الأطفال أن ألعاب الفيديو والكارتون تجعل مركز الإبداع في المخ في حالة خمول ومع مرور الوقت، واعتياد الطفل ألعاب الفيديو والكارتون يفقد إحساسه بالابتكار والإبداع ويتحول إلى إنسان نمطي.
واتفقت الباحثات على ضرورة تنمية مركز الإبداع بعقل الطفل عن طريق تحفيزه نحو اكتشاف الطبيعة، واستكشاف هوايته ودعمها، بالإضافة إلى تحفيزه نحو رياضة يمارسها ويرتبط بها نفسيًّا وتجذبه وترتقي بمشاعره.