سياسة

الشيعة بين نعيم الخليج وجحيم إيران

الإثنين 2016.7.4 12:13 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 451قراءة
  • 0 تعليق
راشد العريمي

في سعيها إلى فرض مصالحها وإرادتها وانتزاع الإقرار بهيمنتها على المنطقة، تزعم إيران أنها تدافع عن مصالح الشيعة العرب، وتحميهم مما يتعرضون له من «ظلم واضطهاد».

تجتهد طهران وتابعوها في اختلاق مظاهر في دول الخليج العربية، وتنشر دعاية مذهبية سوداء تقوم على الشحن الطائفي وإثارة الكراهية في نفوس من تستطيع التأثير فيهم من الشيعة العرب، مستعينة بأذناب نذروا أنفسهم لبث الفتنة واصطناع المشكلات وتغذية الاحتقان الطائفي في دول الخليج.

وينساق وراء هؤلاء الأذناب فئات من المتعصبين والسُّذج والمغرر بهم، ولكن أحداً لم يتوقف ليسأل نفسه السؤال المبدئي:

هل تهتم إيران بالشيعة العرب أو بسواهم من الشيعة في أنحاء العالم حقاً، أم إنهم جميعاً مجرد رصاصات في بندقيتها تطلقها وقتما تحتاج إلى ذلك؟

إن «اهتمام» إيران بالشيعة العرب يعني، عقلاً ومنطقاً، أنها تحرص على أن يعيشوا حياة كريمة لائقة، يحصلون فيها على فرص عمل ذات دخل جيد، وخدمات راقية تشمل التعليم والصحة والإسكان والبنية التحتية الجيدة، تقدمها لهم حكومات جيدة وفاعلة تحترم القانون وتطبقه، وتستطيع حمايتهم وضمان حقوقهم في أي مكان من العالم، وتضمن لهم ممارسة شعائرهم الدينية بحرية تامة.

وبناءً على ذلك، فإن اهتمام إيران بالشيعة العرب يعني حرصها على ضمان استقرار وأمن الدول التي يحظى فيها الشيعة العرب بكل هذه المميزات والمكاسب التي لا تتوافر في إيران ذاتها. وسعي إيران الدائم إلى التخريب في هذه الدول إنما ينطوي على إلحاق الضرر بالشيعة الذين تدعي أنها تحرص عليهم وتحميهم، وهذا هو أوضح الأدلة على أن ادعاءات الدفاع عن الشيعة العرب إنما هي محض كذب وتدليس لا ينطلي على ذي عقل، وأن إيران هي العدو الذي يجب على الشيعة العرب الحذر منه.

سنكتفي هنا بالمقارنة بين إيران ودولتين خليجيتين تحتضنان مواطنيهما منذ مئات السنين من دون تفرقة، وهما البحرين والكويت، اللتين تعانيان التدخلات الإيرانية الكريهة، في بعض المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية ليتضح البون الشاسع بين ما توفره الدولتان لمواطنيهما وما توفره إيران لمواطنيها.

فوفقاً لإحصاءات الأمم المتحدة، يزيد معدل دخل الفرد سنوياً في الكويت (عام 2013) على 52 ألف دولار، ويقارب 25 ألف دولار في البحرين، فيما يبلغ 6300 دولار في إيران. ويعني ذلك أن دخل الفرد الكويتي يزيد على ثمانية أضعاف دخل الفرد الإيراني، ودخل الفرد البحريني يبلغ أربعة أضعاف الفرد الإيراني.

والأرقام الحقيقية أعلى من ذلك بكثير، لأن معدل الدخل يُحتسب على أساس عدد سكان الدولة، وباعتبار أن معدل دخل المواطنين الكويتيين والبحرينيين أعلى بكثير من المقيمين، فإن الرقم الحقيقي لدخل المواطن الكويتي والبحريني يفوق الرقمين المذكورين بكثير.

ومن حيث توافر فرص العمل، ذكر البنك الدولي في تقرير له أن معدل البطالة في البحرين 3.9 في المئة، وفي الكويت يبلغ معدل البطالة 2 في المئة، وفقاً لتقرير لمجلة «غلوبال فاينانس» العالمية. أما في إيران، فيبلغ معدل البطالة 13.5 في المئة في أحسن التقديرات.

وقال مركز أبحاث البرلمان الإيراني في دراسة نشرتها وكالة أنباء «مهر» الإيرانية، إن معدل البطالة في إيران سيرتفع إلى 15.9 في المئة عام 2020 على أحسن تقدير، وإذا لم يصل معدل النمو إلى 5 في المئة سنوياً فإن معدل البطالة سيتجاوز 18 في المئة.

ويعني ذلك انضمام ملايين الإيرانيين إلى فئة العاطلين عن العمل بما ينطوي عليه ذلك من مشكلات.

وفيما قضت البحرين والكويت تماماً على مشكلة الفقر بين مواطنيهما، لتصبح من ذكريات الماضي البعيد، فإن 20 في المئة تقريباً من الإيرانيين يعيشون تحت خط الفقر، وفقاً لما قاله النائب الإيراني موسى ثروتي خلال اجتماع حكومي في آذار (مارس) 2014، أوردت وقائعه وكالة «فارس» الإخبارية الإيرانية.

وقال ثروتي إن إحصاءات رسمية تشير إلى أن 15 مليون إيراني يعيشون تحت خط الفقر، وإن «سبعة ملايين من هؤلاء لم يحصلوا على أي دعم من الأجهزة الحكومية، ولم تقدم لهم أي خدمات لتحسين وضعهم المعيشي».

فضلاً عن ذلك يقرع ملف المخدرات ناقوس الخطر الذي يهدد إيران، فوفقاً لإحصائية أصدرتها لجنة مكافحة المخدرات في إيران سنة 2015، هناك نحو مليون مدمن للمخدرات، في حين ذكر تقرير لصحيفة «فاينشال تايمز» البريطانية في أيار (مايو) 2015 أن عدد المدمنين في إيران يزيد على ستة ملايين شخص.

وفي المقابل فإن دول الخليج جميعها، ومنها البحرين والكويت، تقدم أشكالاً متنوعة من الرعاية الاجتماعية، سواء في تقديم أراضٍ ومساكن على شكل منح، أو توفير أعلى مستويات الرعاية الصحية، بما في ذلك فرص العلاج في الخارج. وعلى سبيل المثال تنفق الكويت على علاج مواطنيها في الخارج ما يزيد على 1.3 بليون دولار، وفقاً لتقرير شركة «بيتك للأبحاث» المحدودة التابعة لمجموعة «بيت التمويل الكويتي». وفي البحرين يقترب الرقم من 50 مليون دولار. وهذه المبالغ تُعد كبيرة جداً، إذا أُخذ في الاعتبار عدد السكان في الدولتين.

وفيما قضت البحرين والكويت على الأمية بشكل شبه كلي، فإن معدلات الأمية في إيران تبدو مرعبة. ففي تقرير لليونيسكو بعنوان «التعليم للجميع» صدر عام 2015، ورد أن البحرين حققت نسبة 100 في المئة في الالتحاق بالتعليم الابتدائي، وقضت تقريباً على التسرب في الدراسة الابتدائية.

وتُقدّر نسبة الأمية في البحرين بـ 2.4 في المئة، وهي تقل تدريجياً بفعل تركز الأمية في الأجيال الأكبر سناً.

وفي الكويت تبلغ نسبة الأمية 3.8 في المئة بحسب التقرير الوطني الصادر عن «اللجنة الوطنية الكويتية للتربية والعلوم والثقافة» عام 2015.

أما في إيران، فقد صرح مساعد وزير التربية والتعليم علي باقر زاده، في آب (أغسطس) 2015، بأن 9 ملايين و700 ألف إيراني، أي 13 في المئة تقريباً من عدد السكان أميون تماماً، فيما أكد الرقم مسؤول إيراني آخر هو عطاء الله سلطاني، عضو لجنة التعليم في البرلمان الإيراني، الذي أضاف أن هناك أيضاً 11 مليون شبه أمي في إيران التي يقارب عدد سكانها 78 مليوناً.

لقد باتت المؤشرات السلبية تخيم بظلالها على كثير من مفاصل الحياة في إيران، ولم يعد الانتقاد حكراً على معارضي النظام في الداخل فحسب، بل وصل الخوف والقلق من مستقبل المجتمع الإيراني حداً جعل مساعد خامنئي الخاص بمراقبة الفساد، علي أكبر ناطقي، يجاهر بالتحذير مما ستؤول إليه الأوضاع إذا استمرت وتيرة الفساد بالتصاعد، قائلاً إن «مسار النظام تقهقر على مدى الـ37 عاماً الماضية في قضايا كثيرة»، مؤكداً «أن النظام الإيراني لا يمكنه ادعاء تقديم نموذج إلى الآخرين».

إن الإحصاءات السابقة مجرد أمثلة يمكن إيراد عشرات النماذج الأخرى لها في كل المجالات. ويتمتع المواطنون في الكويت والبحرين شيعة وسنّة بكل هذه الامتيازات، وتظللهم ثمارها وخيراتها. ولو أن إيران كانت حريصة على الشيعة العرب فعلاً، لكان أول ما تبادر إليه هو تعزيز الأمن والاستقرار في هذه الدول التي تقدم لمواطنيها نوعية حياة تفوق ما يحصل عليه الإيرانيون بمراحل.

بدلاً من أن تحافظ إيران للشيعة العرب على هذه المكاسب التي يحظون بها في البحرين والكويت (كمثال فقط) فإنها توظف كل أدواتها لتقويض الاستقرار والأمن، غير عابئة بأن الشيعة العرب سيكونون من الخاسرين، لأنها لا تكترث بهم أصلاً، ولا تعبأ بما يمكن أن يترتب على خططهم من مآسٍ وكوارث سيعاني منها من تزعم أنها تدافع عنهم.

الغريب أن مزاعم إيران المتهافتة عن حماية الشيعة العرب تجد من ينخدع بها في دول الخليج العربية برغم تهافتها ومجافاتها للمنطق. والمخدوعون والمُغرَّر بهم يصبحون وقوداً يحترق في ماكينة التآمر الإيرانية، مدفوعين بتحريض صريح ومستمر من جانب قلة من زعماء دينيين يحملون توجهات طائفية بغيضة، ويتآمرون على أوطانهم وعلى مواطنيهم.

 

*نقلا عن جريدة "الحياة

 

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات