العين والفاية ووادي الوريعة.. 3 مواقع إماراتية على قائمة اليونسكو
بإدراج محمية وادي الوريعة بالفجيرة في قائمة التراث العالمي لليونسكو، ارتفعت عدد المواقع الإماراتية بالقائمة إلى 3 مواقع.
وتعد محمية وادي الوريعة التي تم السبت الإعلان عن إدراجها في قائمة التراث العالمي لليونسكو، ثاني موقع تنجح الإمارات في إدراجه للقائمة خلال عام بعد إدراج "جبل الفاية" في نفس الشهر من العام الماضي، الأمر الذي يعكس جهود دولة الإمارات في حفظ وصون مواقعها الطبيعية وتراثها الثقافي وفق المعايير الدولية التنافسية.
كما يعد ثالث موقع إماراتي ينضم لقائمة اليونسكو، بعد مواقع "العين" المدرجة عام 2011.
ويعد هذا الإدراج يشكل محطة تاريخية لدولة الإمارات، كونه يمثل أول موقع طبيعي للتراث العالمي في الدولة، فيما سبق انضام "العين" و"جبل الفاية" ضمن فئة التراث الثقافي.
والتراث هو الإرث الذي ورثناه من الماضي، والذي ننعم به اليوم، والذي ننقله إلى أجيال الغد، ويُعتبر تراثنا الثقافي والطبيعي نبع حياة وإلهام لا بديل له.
تُقرّ اتفاقية حماية التراث العالمي الثقافي والطبيعي، التي اعتمدتها اليونسكو في عام 1972، "بالأهمية العالمية الاستثنائية" لبعض المواقع على كوكب الأرض، وانتمائها إلى تراث البشرية المشترك.
تسعى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) جاهدة إلى تشجيع تحديد مواقع وعناصر التراث العالمي الثقافي والطبيعي وحمايتها وصونها في جميع أنحاء العالم نظراً إلى قيمتها الاستثنائية بالنسبة للبشريّة.
وتستثمر الإمارات إدراج مواقعها الطبيعية والثقافية على قائمة التراث العالمي لليونسكو، بإطلاق المزيد من المبادرات وأعمال البحث والتنقيب التي ترسخ أهمية ومكانة تلك المواقع.
ضمن أحدث تلك الإنجازات، أعلنت دائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي 16 يوليو/تموز الجاري عن اكتشاف مقبرة تعود إلى حقبة وادي سوق والعصر البرونزي المتأخر (نحو 2000–1300 قبل الميلاد)، ضمن موقع قطارة الأثري في منطقة العين، الأمر الذي يسهم في تعزيز فهم الإرث الحضاري العريق لمنطقة العين، ويؤكد مكانتها بوصفها موقعاً مدرجاً على قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو، اضطلع بدور محوري في نشأة الحضارات وتطورها عبر آلاف السنين.
محمية وادي الوريعة.. الطبيعة تبوح بأسرارها
تم اعتماد إدراج محمية وادي الوريعة بالفجيرة في قائمة التراث العالمي لليونيسكو خلال الدورة الـ 48 للجنة التراث العالمي التي تتواصل أعمالها في مدينة بوسان بكوريا الجنوبية خلال الفترة من 19 إلى 29 يوليو/تموز الجاري.
يأتي هذا الاعتراف الدولي من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو" تقديرًا للأهمية الدولية لمحمية وادي الوريعة بإمارة الفجيرة، كموقع طبيعي هام بين مواقع التراث الطبيعي العالمي.
ولا يُعد"وادي الوريعة" مجرد محمية طبيعية، بل منظومة بيئية متكاملة تمتد على مساحة 220 كم2.
ويحتضن الوادي تنوعاً أحيائياً هو الأغنى في دولة الإمارات، إذ يضم مئات الأنواع من النباتات والحيوانات، من بينها أنواع نادرة ومتوطنة لا توجد في أي مكان آخر في البلاد.
بلغة الارقام، تضم المحمية أكثر من 1099 نوعا من الكائنات الحية، موزعة بين 216 نوعا من النباتات، و883 نوعا من الحيوانات، لتشمل 20 نوعا من الثدييات، و114 نوعا من الطيور، و27 نوعا من الزواحف، ونوعين من البرمائيات، ونوعين من أسماك المياه العذبة، وأكثر من 700 نوع من اللافقاريات.
ويمثل الوادي محطة مهمة للبحث العلمي، إذ أسهمت الدراسات البيئية في إعادة اكتشاف أنواع نادرة من الكائنات الحية، وتوثيق وجودها داخل المحمية وسميت باسمها بعد اكتشافها، بما يعزز مكانة الوادي بوصفه مختبراً طبيعياً لدراسة التنوع الحيوي في المنطقة.
وتنتشر في أرجاء الوادي أنواع نباتية نادرة مثل السحلبية البرية Epipactis veratrifolia، التي تُعد الوحيدة المسجلة في دولة الإمارات، إلى جانب نباتات مائية مثل Cladium mariscus، وهي من الأنواع المهددة بالانقراض عالمياً.
وعلى مستوى الحياة البرية، يعتبر الوادي موطناً للطهر العربي المهدد بالانقراض، إضافة إلى حيوانات الوشق العربي، وثعلب بلانفورد، وعدد من الطيور الجبلية النادرة، فضلاً عن أسماك المياه العذبة المتوطنة في مجاري الوديان مثل Garra barreimiae التي تعيش فقط في بيئات جبال الحجر.
ولا تقتصر القيمة العلمية للمحمية على الثراء الحيوي، بل تتجاوزه إلى الخصائص الجيولوجية الفريدة ضمن سلسلة جبال الحجر، حيث تسهم التكوينات الصخرية والأودية والينابيع الدائمة في تغذية المياه الجوفية وتنظيم الدورة الهيدرولوجية.
وتحافظ المحمية على أكثر من 69 موطنا دائما للمياه العذبة موزعة على تسعة أنواع من الأراضي الرطبة، لتوفر ملاذات بيئية مستقرة تدعم استدامة العمليات البيئية وتبرز أهمية النظم البيئية الجبلية الجافة في مواجهة تحديات التغير المناخي والحفاظ على موارد المياه.
يتربع الوادي في عمق جبال الحجر الشرقية شمال إمارة الفجيرة، على بُعد نحو 45 كيلومتراً من المدينة، كأحد أبرز الكنوز الطبيعية في دولة الإمارات، حيث تلتقي الينابيع والجداول (القنوات) المائية، بالتنوع الحيوي الفريد، في مشهد يجسد ثراء البيئة الإماراتية ويعكس التزامها الراسخ بحماية التراث الطبيعي.
ويتميز الوادي بشلاله الطبيعي الدائم وعيونه المائية، التي شكّلت على مدى قرون مصدراً للحياة في هذه المنطقة الجبلية، وأسهمت في تكوين نظام بيئي استثنائي، ويحتضن نباتات نادرة، من أبرزها زهرة الأوركيد البرية (إبيباكتيس فيراتريفوليا)، التي تُعد الوحيدة من نوعها في دولة الإمارات.
ويُعد الوادي أول محمية جبلية وطنية في الدولة، وأحد أبرز المواقع الطبيعية على مستوى منطقة الخليج العربي نظرا لما يتمتع به من خصائص نادرة تجمع بين التضاريس الجبلية القاسية والمياه العذبة الجارية على مدار العام.
ولا تقتصر أهمية الوادي على قيمته البيئية، بل يمتد حضوره إلى البعد التاريخي والثقافي، إذ ارتبط عبر مئات السنين بحياة المجتمعات المحلية، ويجاور عدداً من المعالم التاريخية البارزة، من بينها مسجد البدية، أقدم مسجد قائم في دولة الإمارات، في صورة تعكس العلاقة المتجذرة بين الإنسان والطبيعة في الفجيرة.
ويبرز هذا الإرث الطبيعي والعلمي والبيئي اليوم في صدارة الاهتمام الدولي، مع إدراج وادي الوريعة رسميا على قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو، باعتباره موقعاً طبيعياً ذا قيمة عالمية استثنائية.
وبهذا الإنجاز يرسخ إدراج محمية وادي الوريعة الوطنية ضمن قائمة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو" مكانة دولة الإمارات العربية المتحدة وإمارة الفجيرة كوجهة رائدة للسياحة المستدامة، ليمثل هذا الإنجاز اعترافا علميا وعالميا بالقيمة البيئية والجيولوجية الاستثنائية للموقع.
ويعزز هذا الاعتراف جاذبية الفجيرة كوجهة للسياحة المستدامة، بفضل مقوماتها الطبيعية التي تجمع بين الجبال والأودية والمياه العذبة، ليغدو وادي الوريعة نموذجا عالميا للتوازن بين حماية الموارد وتنمية السياحة المسؤولة.
كما يعزز هذا الإدراج العالمي مكانة وادي الوريعة كمختبر طبيعي مفتوح للأبحاث البيئية والجيولوجية، فاتحا آفاقا أوسع للتعاون العلمي الدولي في مجالات التنوع الحيوي، والتغير المناخي، والهيدرولوجيا، واستعادة الأنواع المهددة.
كما يؤكد هذا الإنجاز أن المحافظة على الإرث الطبيعي تعد استثمارا علميا وإستراتيجيا يسهم في تطوير المعرفة البيئية، ودعم السياسات الوطنية لحماية النظم البيئية وتحقيق الاستدامة للأجيال المقبلة.

موقع الفاية.. عمق تاريخي وحضاري
يأتي هذا الإنجاز بعد عام من تسجيل دولة الإمارات العربية المتحدة إنجازًا تاريخياً آخر في مسيرتها لصون التراث الثقافي بعد أن اعتمدت لجنة التراث العالمي في دورتها الـ47 يوليو/تموز 2025 قرارًا جماعيًا بإدراج "الفاية" في إمارة الشارقة ضمن قائمة اليونسكو للتراث العالمي.
وحظيت "الفاية" التي تقع في المنطقة الوسطى من إمارة الشارقة بهذا الاعتراف لما تتمتع به من "قيمة عالمية استثنائية" كونها تحتفظ بأحد أقدم وأطول السجلات المتواصلة لوجود الإنسان في البيئات الصحراوية والتي تعود إلى أكثر من 200 ألف عام.
ويُعد موقع "الفاية" نموذجًا متكاملًا لما يُعرف بـ"المناظر الصحراوية" حيث يُمثل قدرة الإنسان على التكيّف والاستيطان في الصحارى إذ شكلت، رغم ما تتميز به من قسوة وظروف بيئية بالغة الصعوبة، محطة محورية في تاريخ تطوّر الإنسان وهو ما منح إدراج "الفاية" على قائمة التراث العالمي بُعدًا علميًا وإنسانيًا فريدًا.
وتحت فئة "مواقع التراث الثقافي" كان ملف الترشيح الدولي "المشهد الثقافي لعصور ما قبل التاريخ في الفاية" هذا العام الترشيح العربي الوحيد الذي نظرت فيه لجنة التراث العالمي ما منح هذا الإدراج أهمية خاصة لدولة الإمارات والشارقة والمنطقة العربية بأسرها ويجعل من هذا الحدث لحظة تاريخية فارقة في مسيرة الحفاظ على التراث الإنساني في المنطقة.
وخلال أكثر من ثلاثين عامًا من أعمال التنقيب الدقيقة التي قادتها هيئة الشارقة للآثار بالتعاون مع فرق دولية تم الكشف عن 18 طبقة جيولوجية متعاقبة في موقع الفاية يُوثق كل منها فترة زمنية مختلفة من النشاط البشري ما يمنح الموقع قيمة علمية استثنائية في رسم مسار تطور الإنسان في البيئات القاحلة.
وأُثري هذا المسار البحثي بشراكات علمية مع جامعات ومؤسسات دولية مرموقة أبرزها جامعة توبنغن الألمانية المتخصصة في علم آثار ما قبل التاريخ وقسم دراسات البيئة القديمة بجامعة أوكسفورد بروكس البريطانية ما أتاح تنفيذ دراسات متقدمة تعمّقت في فهم البيئات القديمة التي عاش فيها الإنسان الأوّل.
ويؤكد إدراج ملف الترشيح الدولي "المشهد الثقافي لعصور ما قبل التاريخ في الفاية" على مكانة الشارقة والإمارات كمهد للتاريخ البشري المبكر ويعزز من حضورها في سجل الحضارات الإنسانية العريقة.
ويسجل لـ"الفاية" أنه الموقع الصحراوي الأول الذي يوثق لحقبة العصر الحجري المسجل في قائمة التراث العالمي ما يجعل هذا الاعتراف علامة فارقة في فهم تطور الإنسان إذ تشكل الصحارى نحو 20% من المواطن البيئية على سطح الأرض وتقع في مواقع محورية على خارطة استيطان الإنسان للكوكب ويجسّد استقرار الإنسان فيها فصلاً حاسمًا من فصول التاريخ البشري.
إنجاز يرسخ مكانة الإمارات كمهد للتاريخ البشري المبكر ويعزز من حضورها في سجل الحضارات الإنسانية العريقة.
ومنذ إدراجه وحتى اليوم، أطلقت إمارة الشارقة -خلال عام واحد- سلسلة من المبادرات المؤسسية والعلمية شملت إنشاء مكتب متخصص للتراث العالمي وإطلاق برنامج "منحة الفاية للبحوث" بقيمة مليوني درهم واستقطاب مشاريع بحثية من جامعات ومراكز علمية دولية إلى جانب تطوير تجربة الزوار وتعزيز التعاون الدولي والإدارة المستدامة للموقع.
وتعكس هذه المبادرات رؤية الشارقة التي تتعامل مع إدراج الفاية بوصفه بداية مرحلة جديدة في تاريخ الموقع تواصل من خلالها الاستثمار في المعرفة وتطوير أدوات الحماية والإدارة بما يضمن استمرار الفاية في الإسهام في الدراسات العالمية المتعلقة بتاريخ الإنسان وترسيخ مكانته بوصفه مرجعاً علمياً دولياً في أبحاث عصور ما قبل التاريخ.

العين.. أول موقع إماراتي يقائمة اليونسكو
أما أول موقع إماراتي تم إدراجه على قائمة التراث العالمي للبشرية، فهو مدينة العين في إمارة أبوظبي.
جاء اختيار مدينة العين لتميز المواقع الثقافية فيها وبشكل خاص الأهمية الجيولوجية والأثرية والتاريخية لجبل حفيت وحضارة هيلي وبدع بنت سعود ومناطق الواحات ونظام الأفلاج والتي تعطيها الكمالية والتنوع التي يصعب تواجدها في مواقع أخرى من هذا النوع في العالم.
قرار الإدراج جاء خلال الاجتماع الـ35 للجنة التراث العالمي باليونسكو في باريس يونيو/حزيران 2011، بمشاركة الدول الأعضاء في اللجنة والذي أجمعوا على أحقية إدراج المنظمة لهذه المدينة العريقة التي حافظت على مستوى عال من الأصالة بالرغم من خطوات التطور السريعة التي تشهدها دولة الإمارات العربية المتحدة.
وجاء في توصيف لجنة التراث العالمي باليونسكو ان المواقع الثقافية لمدينة العين تشكل إرثا تسلسليا يشهد على حالة حضرية قديمة انطلاقا من العصر الحجري الحديث في بيئة صحراوية تضم آثاراً من ثقافات ما قبل التاريخ ونجد بين هذه الآثار الفريدة أضرحة دائرية الشكل مصنوعة من حجارة ( 2500 سنة قبل الميلاد)، وآبارا ومجموعة مباني من الطوب تتوزع على مساكن وأبراج وقصور ومراكز إدارية ونعثر في موقع هيلي على أقدم نماذج من الأفلاج وهي نظام معقد للري يرقى إلى العصر البروزنزي ويشهد على انتقال المنطقة من ثقافة الصيد والقطاف إلى الحالة الحضرية.
وفي إنجاز جديد يعزز المكانة التاريخية والقفافية للموقع، أعلنت دائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي يوليو / تموز الجاري عن اكتشاف مقبرة تعود إلى حقبة وادي سوق والعصر البرونزي المتأخر (نحو 2000–1300 قبل الميلاد)، ضمن موقع قطارة الأثري في منطقة العين، مما يفتح آفاقا جديدة لفهم التحولات الاجتماعية والثقافية التي شهدتها المنطقة خلال عصور ما قبل التاريخ.
ويقدم هذا الاكتشاف الأثري المهم رؤى معمقة حول استمرارية الممارسات الثقافية وقدرة المجتمعات القديمة في شبه الجزيرة العربية على التكيف والابتكار، كما يسهم في تعزيز فهم الإرث الحضاري العريق لمنطقة العين، ويؤكد مكانتها بوصفها موقعاً مدرجاً على قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو، اضطلع بدور محوري في نشأة الحضارات وتطورها عبر آلاف السنين.
ويُعد موقع قطارة الأثري، المعروف بغناه الاستثنائي وشواهده التاريخية المتنوعة، من أبرز المواقع الأثرية في دولة الإمارات العربية المتحدة، إذ شهد على مر العقود سلسلة من الاكتشافات المهمة التي تعود إلى فترات تاريخية متعددة، من بينها مدافن جماعية من حقبة وادي سوق، ومدافن برجية من فترات لاحقة.
ويتميّز الاكتشاف الأخير بحالة حفظه الفريدة وطرازه المعماري الاستثنائي، حيث شُيّد باستخدام كتل حجرية أُعيد توظيفها من منشآت جنائزية أقدم تعود إلى حضارة أم النار (نحو 2700–2000 قبل الميلاد).
ويعزز هذا الاكتشاف البارز التزام دائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي بمهمتها الرامية إلى حماية التراث الثقافي لإمارة أبوظبي وصونه والتعريف به، ويرسخ مكانة منطقة العين بوصفها مركزاً حضارياً عريقاً أسهم في صياغة تاريخ المنطقة عبر آلاف السنين.
