«وادي الوريعة» بقائمة اليونسكو.. رحلة ملهمة تعزز ريادة الإمارات
إنجاز عالمي حققته دولة الإمارات بإدراج محمية وادي الوريعة بالفجيرة في قائمة التراث العالمي لليونسكو.
إنجاز يرسخ مكانة الفجيرة والإمارات كوجهة رائدة للسياحة المستدامة، ويعزز مكانة وادي الوريعة كمختبر طبيعي مفتوح للأبحاث البيئية والجيولوجية.
يأتي هذا الاعتراف الدولي من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو" تقديرًا للأهمية الدولية لمحمية وادي الوريعة بإمارة الفجيرة، كموقع طبيعي مهم بين مواقع التراث الطبيعي العالمي.
وتم اعتماد إدراج محمية وادي الوريعة بالفجيرة في قائمة التراث العالمي لليونيسكو خلال في الدورة الـ48 للجنة التراث العالمي التي تتواصل أعمالها في مدينة بوسان بكوريا الجنوبية خلال الفترة من 19 إلى 29 يوليو/تموز الجاري.
كنز طبيعي
ولا يُعد"وادي الوريعة" مجرد محمية طبيعية، بل منظومة بيئية متكاملة تمتد على مساحة 220 كم2.
ويحتضن الوادي تنوعاً أحيائياً هو الأغنى في دولة الإمارات، إذ يضم مئات الأنواع من النباتات والحيوانات، من بينها أنواع نادرة ومتوطنة لا توجد في أي مكان آخر في البلاد.
بلغة الارقام، تضم المحمية أكثر من 1099 نوعا من الكائنات الحية، موزعة بين 216 نوعا من النباتات، و883 نوعا من الحيوانات، لتشمل 20 نوعا من الثدييات، و114 نوعا من الطيور، و27 نوعا من الزواحف، ونوعين من البرمائيات، ونوعين من أسماك المياه العذبة، وأكثر من 700 نوع من اللافقاريات.
ويمثل الوادي محطة مهمة للبحث العلمي، إذ أسهمت الدراسات البيئية في إعادة اكتشاف أنواع نادرة من الكائنات الحية، وتوثيق وجودها داخل المحمية وسميت باسمها بعد اكتشافها، بما يعزز مكانة الوادي بوصفه مختبراً طبيعياً لدراسة التنوع الحيوي في المنطقة.
وتنتشر في أرجاء الوادي أنواع نباتية نادرة مثل السحلبية البرية Epipactis veratrifolia، التي تُعد الوحيدة المسجلة في دولة الإمارات، إلى جانب نباتات مائية مثل Cladium mariscus، وهي من الأنواع المهددة بالانقراض عالمياً.
وعلى مستوى الحياة البرية، يعتبر الوادي موطناً للطهر العربي المهدد بالانقراض، إضافة إلى حيوانات الوشق العربي، وثعلب بلانفورد، وعدد من الطيور الجبلية النادرة، فضلاً عن أسماك المياه العذبة المتوطنة في مجاري الوديان مثل Garra barreimiae التي تعيش فقط في بيئات جبال الحجر.
ولا تقتصر القيمة العلمية للمحمية على الثراء الحيوي، بل تتجاوزه إلى الخصائص الجيولوجية الفريدة ضمن سلسلة جبال الحجر، حيث تسهم التكوينات الصخرية والأودية والينابيع الدائمة في تغذية المياه الجوفية وتنظيم الدورة الهيدرولوجية.

وتحافظ المحمية على أكثر من 69 موطنا دائما للمياه العذبة موزعة على تسعة أنواع من الأراضي الرطبة، لتوفر ملاذات بيئية مستقرة تدعم استدامة العمليات البيئية وتبرز أهمية النظم البيئية الجبلية الجافة في مواجهة تحديات التغير المناخي والحفاظ على موارد المياه.
يتربع الوادي في عمق جبال الحجر الشرقية شمال إمارة الفجيرة، على بُعد نحو 45 كيلومتراً من المدينة، كأحد أبرز الكنوز الطبيعية في دولة الإمارات، حيث تلتقي الينابيع والجداول (القنوات) المائية، بالتنوع الحيوي الفريد، في مشهد يجسد ثراء البيئة الإماراتية ويعكس التزامها الراسخ بحماية التراث الطبيعي.
ويتميز الوادي بشلاله الطبيعي الدائم وعيونه المائية، التي شكّلت على مدى قرون مصدراً للحياة في هذه المنطقة الجبلية، وأسهمت في تكوين نظام بيئي استثنائي، ويحتضن نباتات نادرة، من أبرزها زهرة الأوركيد البرية (إبيباكتيس فيراتريفوليا)، التي تُعد الوحيدة من نوعها في دولة الإمارات.
ويُعد الوادي أول محمية جبلية وطنية في الدولة، وأحد أبرز المواقع الطبيعية على مستوى منطقة الخليج العربي نظرا لما يتمتع به من خصائص نادرة تجمع بين التضاريس الجبلية القاسية والمياه العذبة الجارية على مدار العام.

أهمية تاريخية وثقافية
ولا تقتصر أهمية الوادي على قيمته البيئية، بل يمتد حضوره إلى البعد التاريخي والثقافي، إذ ارتبط عبر مئات السنين بحياة المجتمعات المحلية، ويجاور عدداً من المعالم التاريخية البارزة، من بينها مسجد البدية، أقدم مسجد قائم في دولة الإمارات، في صورة تعكس العلاقة المتجذرة بين الإنسان والطبيعة في الفجيرة.
ويبرز هذا الإرث الطبيعي والعلمي والبيئي اليوم في صدارة الاهتمام الدولي، مع إدراج وادي الوريعة رسميا على قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو، باعتباره موقعاً طبيعياً ذا قيمة عالمية استثنائية.
الرحلة لليونسكو
تم إدراج محمية وادي الوريعة الوطنية في عام 2022 كأول محمية جبلية وأول متنزه وطني على مستوى الدولة ضمن القائمة التمهيدية لمواقع التراث العالمي في دولة الإمارات، لتبدأ بذلك مرحلة الترشيح الرسمي التي تسبق إعلان الإدراج الرسمي.
وتقدّمت دولة الإمارات العربية المتحدة بملف ترشيح وادي الوريعة لإدراجه على قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو، باعتباره موقعاً طبيعياً ذا قيمة عالمية استثنائية، في خطوة تعكس التزام دولة الإمارات وإمارة الفجيرة بحماية التراث الطبيعي، وتعزيز حضوره على الساحة الدولية، وترسيخ مكانة وادي الوريعة بوصفه موقعاً ذا قيمة عالمية استثنائية يستحق الإدراج على قائمة التراث العالمي.
وارتكز ملف الترشيح بصورة رئيسية على المعيار التاسع (ix)، الذي يُعنى بتمثيل العمليات البيئية والبيولوجية المستمرة ذات الأهمية العالمية، وذلك لما يجسده الوادي من تكامل فريد بين التكوينات الجيولوجية، والينابيع العذبة الدائمة، والموائل الطبيعية التي حافظت على استمراريتها عبر آلاف السنين، في واحد من أبرز النظم البيئية الجبلية الصحراوية في شبه الجزيرة العربية.
واستند الملف إلى سلسلة من الاعترافات الوطنية والدولية التي حظي بها الوادي، ومن أبرزها:
- تم إعلانه محمية طبيعية عام 2009.
- في عام 2010، تم إدراج وادي الوريعة ضمن قائمة "رامسار" للأراضي الرطبة ذات الأهمية الدولية، ليصبح ثاني موقع من نوعه في دولة الإمارات يحصل على هذا التصنيف خلال فترة الإدراج.
- أصبح أول متنزه وطني في دولة الإمارات عام 2013.
- في عام 2018، اعتمدت منظمة اليونسكو الوادي محمية للمحيط الحيوي ضمن شبكة "الإنسان والمحيط الحيوي" MAB.
وتشارك وزارة الثقافة وحكومة الفجيرة في اطار متابعة ملف ترشيح محمية وادي الوريعة للادراج ضمن قائمة التراث الطبيعي العالمي التابعة لليونيسكو في أعمال الدورة الـ48 للجنة التراث العالمي التابعة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة "اليونسكو"، التي تُعقد حاليا في مدينة بوسان بجمهورية كوريا، بمشاركة ممثلي الدول الأعضاء والخبراء المختصين في مجالات التراث الطبيعي والثقافي.
وتوجت تلك الرحلة بالنجاح في تحقيق هدفها، بإدراج محمية وادي الوريعة بالفجيرة في قائمة التراث العالمي لليونسكو .
محطة فارقة
وعقب إعلان هذا الإنجاز، أكّد الشيخ محمد بن حمد الشرقي، ولي عهد الفجيرة، سفير ملف وادي الوريعة في اليونيسكو، أن هذا الإنجاز التاريخي يعدّ محطةً فارقة تضاف إلى إنجازات دولة الإمارات، وإمارة الفجيرة، ولحظة استثنائية في مسيرة الدولة وحضورها العالمي الذي يعكس جهودها في حفظ وصون مواقعها الطبيعية وفق المعايير الدولية التنافسية.
وقال ولي عهد الفجيرة، إنّ هذه اللحظة المليئة بالفخر والاعتزاز تجسد رؤية حكومة الفجيرة بقيادة الشيخ حمد بن محمد الشرقي، عضو المجلس الأعلى حاكم الفجيرة، للحفاظ على هذا الموقع لأهميته الإنسانية الكبيرة، وثرائه الثقافي والطبيعي عبر التاريخ، ليكون اليوم نموذجًا عالميًا يحظى بالتقدير والاهتمام الدولي، وإضافة هامة لاسم دولة الإمارات على مستوى العالم.
من جانبه، قال الشيخ سالم بن خالد القاسمي، وزير الثقافة ورئيس اللجنة الوطنية لدولة الإمارات للتربية والثقافة والعلوم: "يمثل إدراج وادي الوريعة في قائمة التراث العالمي لليونسكو إنجازًا وطنيًا إستراتيجيًا يعزز المكانة الرائدة لدولة الإمارات في حماية التراث الطبيعي وصون التنوع البيولوجي، ويجسد رؤيةً وطنيةً تجعل من التراث ركيزةً للهوية الوطنية، ومحركًا للتنمية المستدامة، ومسؤوليةً مشتركة تجاه الإنسانية والأجيال القادمة. كما يعزز هذا الإدراج الذي يجعل وادي الوريعة، ثالث موقع إماراتي على القائمة، وأول موقع يُعتمد لقيمته الطبيعية الاستثنائية، حضور دولة الإمارات على خريطة التراث العالمي، ويعكس نجاح نهجها القائم على الموازنة بين حماية الموارد الطبيعية والاستفادة منها معرفيًا وعلميًا وتنمويًا".
وأضاف: "جاء هذا الإنجاز نتيجة عمل وطني متكامل، أدّت فيه اللجنة الوطنية للتربية والثقافة والعلوم دورًا محوريًا في تنسيق الجهود بين وزارة الثقافة وهيئة الفجيرة للبيئة، والجهات الوطنية والمحلية المعنية، وتعزيز التعاون مع منظمة اليونسكو، في نموذج يعكس تكامل الجهود الوطنية ويؤكد القيمة العالمية الاستثنائية لوادي الوريعة".

إنجاز عالمي
وبهذا الإنجاز يرسخ إدراج محمية وادي الوريعة الوطنية ضمن قائمة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو" مكانة دولة الإمارات العربية المتحدة وإمارة الفجيرة كوجهة رائدة للسياحة المستدامة، ليمثل هذا الإنجاز اعترافا علميا وعالميا بالقيمة البيئية والجيولوجية الاستثنائية للموقع.
ويعزز هذا الاعتراف جاذبية الفجيرة كوجهة للسياحة المستدامة، بفضل مقوماتها الطبيعية التي تجمع بين الجبال والأودية والمياه العذبة، ليغدو وادي الوريعة نموذجا عالميا للتوازن بين حماية الموارد وتنمية السياحة المسؤولة.
كما يعزز هذا الإدراج العالمي مكانة وادي الوريعة كمختبر طبيعي مفتوح للأبحاث البيئية والجيولوجية، فاتحا آفاقا أوسع للتعاون العلمي الدولي في مجالات التنوع الحيوي، والتغير المناخي، والهيدرولوجيا، واستعادة الأنواع المهددة.
كما يؤكد هذا الإنجاز أن المحافظة على الإرث الطبيعي تعد استثمارا علميا وإستراتيجيا يسهم في تطوير المعرفة البيئية، ودعم السياسات الوطنية لحماية النظم البيئية وتحقيق الاستدامة للأجيال المقبلة.