توقع بنك «غولدمان ساكس» أن يواصل الجنيه المصري تحقيق مكاسب أمام الدولار الأمريكي خلال الفترة المقبلة.
ورجح البنك تراجع سعر العملة الأمريكية إلى 49 جنيهًا خلال الأشهر الثلاثة المقبلة، ثم إلى 48 جنيهًا خلال ستة أشهر، وصولًا إلى 46 جنيهًا خلال الاثني عشر شهرًا المقبلة.
ووفقًا لتقرير صادر عن البنك الأمريكي بشأن اقتصادات وعملات منطقة وسط وشرق أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا، فإن القيمة العادلة للجنيه المصري تقترب من مستوى 43 جنيهًا للدولار، استنادًا إلى تقديرات سعر الصرف الفعلي الحقيقي ومقارنته بمتوسطاته التاريخية.
وأوضح "غولدمان ساكس" أن مستوى 43 جنيهًا يمثل تقديرًا للقيمة العادلة للعملة المصرية، وليس توقعًا مباشرًا لسعر الدولار خلال الاثني عشر شهرًا المقبلة، إذ حدد فريق استراتيجية العملات الأجنبية بالبنك مستهدفه الفعلي عند 46 جنيهًا للدولار خلال عام.
الجنيه أقل من قيمته العادلة
وذكر "غولدمان ساكس" أن سعر الصرف الفعلي الحقيقي للجنيه لا يزال أقل بصورة ملحوظة من متوسطه التاريخي، معتبرًا أن العملة المصرية مقومة بأقل من قيمتها العادلة بنسبة تتراوح بين 13% و15%.
وأشار البنك إلى أن الفارق بين القيمة العادلة المقدرة عند 43 جنيهًا وتوقعه لسعر الدولار عند 46 جنيهًا خلال عام يوفر مساحة إضافية أمام الجنيه للتحسن، دون التأثير سلبًا، وفق تقديراته، على القدرة التنافسية للاقتصاد المصري أو وضع القطاع الخارجي.
وعزا "غولدمان ساكس" المكاسب الأخيرة التي حققها الجنيه إلى تمديد اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، وما تبعه من توقف الأعمال العدائية في منطقة الخليج واستئناف حركة التجارة عبر مضيق هرمز.
وبحسب التقرير، ارتفع الجنيه بأكثر من 4% أمام الدولار منذ الإعلان عن الاتفاق في 14 يونيو/حزيران 2026، كما حقق مكاسب تجاوزت 9% مقارنة بأدنى مستوياته المسجلة خلال فترة النزاع.
وأضاف البنك أن الجنيه أصبح على بعد نحو 6% من مستواه السابق لاندلاع الحرب، عندما كان الدولار يتداول قرب 46.8 جنيه، متوقعًا استمرار استفادة العملة المحلية من تحسن آفاق التمويل الخارجي على المدى المتوسط.
وقال الخبير الاقتصادي الدكتور محمد فؤاد، في تصريحات لـ"العين الإخبارية"، إن مفهوم السعر العادل للدولار لا يرتبط برقم ثابت، وإنما يتغير وفقًا للأوضاع الاقتصادية والمالية وتوقعات المستثمرين وتدفقات النقد الأجنبي.
وأوضح فؤاد أن سعر الصرف يتأثر بحجم المعروض والطلب على العملات الأجنبية، إلى جانب أسعار الفائدة العالمية، وحركة رؤوس الأموال، والتوترات الجيوسياسية والإقليمية.
ووصف فؤاد التحركات الحالية في سعر الدولار مقابل الجنيه بأنها "طبيعية تمامًا"، معتبرًا أنها تأتي في إطار سياسة سعر الصرف المرن التي يتبعها البنك المركزي المصري.
وأضاف أن الأسواق شهدت خلال الفترة الأخيرة ارتفاعًا في معدلات التقلب نتيجة عوامل خارجية، في مقدمتها التوترات الإقليمية والدولية وتحركات الاستثمارات الأجنبية.
وشدد فؤاد على ضرورة عدم اعتبار كل ارتفاع أو انخفاض في سعر الدولار أزمة أو قفزة غير مبررة، مؤكدًا أن تحركات العملة صعودًا وهبوطًا تخضع لقواعد العرض والطلب في سوق الصرف.
وحدد فؤاد الحالات التي تستوجب تدخل البنك المركزي في حدوث اضطراب حاد داخل السوق، أو اختفاء السيولة الأجنبية، أو ظهور فجوة كبيرة بين سعر الدولار الرسمي في البنوك والسوق الموازية.
احتياطيات وسيولة أجنبية
وأشار تقرير "غولدمان ساكس" إلى أن احتياطيات النقد الأجنبي تمثل أحد عوامل دعم الجنيه، موضحًا أن إجمالي الاحتياطيات، عند احتساب احتياطي الذهب والاحتياطيات الثانوية وودائع النقد الأجنبي المحلية لدى البنك المركزي، بلغ نحو 61 مليار دولار بنهاية مايو/أيار 2026.
وقدر البنك صافي الأصول الأجنبية لدى البنوك بما يزيد قليلًا على 8 مليارات دولار خلال مايو/أيار، ليرتفع إجمالي سيولة النقد الأجنبي داخل النظام النقدي المصري إلى نحو 70 مليار دولار.
وأوضح "غولدمان ساكس" أن هذا المستوى يقل عن الذروة التي سجلتها السيولة الأجنبية قبل الحرب والبالغة نحو 80 مليار دولار، لكنه يظل، وفق التقرير، أعلى من المتوسطات التاريخية المسجلة قبل اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير/شباط 2022.
وقال رئيس قطاع البحوث في شركة الأهلي فاروس، هاني جنينة، إن تقديرات السعر العادل للدولار مقابل الجنيه تتراوح بين 45 و50 جنيهًا، وفقًا لنماذج التقييم المختلفة والمؤشرات الاقتصادية الحالية.

وأضاف جنينة أن الاقتصاد المصري يمتلك مصادر تمويل خارجية يمكن اللجوء إليها عند الحاجة، سواء من المؤسسات الدولية أو الشركاء، وهو ما يدعم قدرة السوق على التعامل مع الاحتياجات التمويلية.
وأشار جنينة إلى أن تطورات أسعار الطاقة تمثل أحد العوامل المؤثرة في تقديرات سعر الصرف، موضحًا أن انخفاض أسعار النفط والغاز يقلل الضغوط على الاقتصادات المستوردة للطاقة، ومن بينها الاقتصاد المصري.
وقال إن تراجع أسعار العقود الآجلة لمعظم السلع مقارنة بالأسعار الفورية يعكس اطمئنانًا نسبيًا لدى المستثمرين بشأن عدم استمرار الصدمات الجيوسياسية لفترات طويلة.
وأضاف أن زيادة المعروض العالمي من الطاقة، قد تساهم في استقرار أسعار النفط وتقليل تكلفة الواردات المصرية.
وتوقع مدير مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية، الدكتور عبد المنعم السيد، أن يتحسن أداء الجنيه تدريجيًا مع انحسار التوترات العالمية وعودة تدفقات النقد الأجنبي، معتبرًا أن الضغوط التي تعرضت لها العملة المحلية ذات طبيعة مؤقتة.
وكان وزير المالية المصري أحمد كجوك قد قال إن الوزارة اعتمدت سعرًا تقديريًا للدولار عند 47 جنيهًا في مشروع موازنة العام المالي 2026-2027، موضحًا أن هذا المستوى كان يمثل السعر السائد وقت إعداد الموازنة.
وتوقع "غولدمان ساكس" أن يشهد التمويل الخارجي لمصر تراجعًا تدريجيًا على المدى الطويل، بالتزامن مع انخفاض عجز الحساب الجاري وتراجع احتياجات التمويل.
ورجح البنك ظهور فجوة تمويلية مؤقتة اعتبارًا من الربع الرابع من عام 2026، متوقعًا تمويلها من خلال السحب من الأصول الأجنبية لدى البنوك، وليس من الاحتياطيات الرسمية للبنك المركزي.
كما توقع البنك أن تبلغ الاحتياطيات الأجنبية ذروتها خلال الربع المقبل، قبل أن تنخفض بصورة تراكمية بنحو 7 مليارات دولار بحلول النصف الثاني من عام 2027.
ووفقًا لتقرير "غولدمان ساكس"، يبلغ السعر المستهدف للدولار 49 جنيهًا خلال ثلاثة أشهر، و48 جنيهًا خلال ستة أشهر، و46 جنيهًا خلال عام، بينما قدر البنك القيمة العادلة النظرية عند نحو 43 جنيهًا.