التحليلات

وثيقة أبوظبي للأخوة الإنسانية.. دلالات عالمية

الثلاثاء 2019.2.5 11:07 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 635قراءة
  • 0 تعليق
شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب وقداسة البابا فرنسيس

شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب وقداسة البابا فرنسيس

حلت سريعاً بركات أول قداس باباوي في تاريخ منطقة الخليج العربي بمدينة زايد الرياضية، الذي ترأسه قداسة البابا فرنسيس، بابا الكنيسة الكاثوليكية، وظهرت جلية دعوات فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف في مسجد الشيخ زايد.

ما بين بركة البابا، ودعوات شيخ الأزهر على أراضي الإمارات العربية المتحدة، جاءت ولادة "وثيقة الأخوة الإنسانية ضد التطرف"، التي وقعها بابا الفاتيكان وشيخ الأزهر في أبوظبي في 4 فبراير الجاري.

وقد ركزت الوثيقة على عدد من النقاط المهمة؛ أبرزها ‏التأكيد على أن الأديان "لم تكن قط مثيرة للعنف وإراقة الدماء، كما أكدت ضرورة الدعوة للسلام العالمي والعيش المشترك، وتبني ثقافة الحوار طريقاً، والتعارف المتبادل نهجاً وطريقاً. كما دعت الوثيقة قادة العالم، وصناع السياسات الدولية، والاقتصاد العالمي إلى اعتماد فلسفة في الحكم والإدارة ترتكز على نشر روح التسامح، وثقافة الاختلاف، والسلام، والتدخل الفوري لإيقاف سيل الدماء، ووقف الحروب والصراعات والتراجع المناخي، والانحدار الثقافي والأخلاقي. 

كما تطرقت إلى عدد من القضايا والمشكلات، التي يعاني منها العالم اليوم، ‏مثل التشدد والإرهاب والفقر، ‏داعية العالم أجمع إلى ‏التكاتف من أجل التوصل إلى حلول. وطالبت الوثيقة بوقف استخدام الأديان في تأجيج الكراهية والعنف والتطرف والتعصب، ناهيك عن المصالحة والتآخي بين جميع المؤمنين بالأديان.

وثيقة "الأخوة الإنسانية" استثنائية بتوقيت الزمن كونها تأتي في وقت يشهد بيئة خصبة لنمو التوجهات المتطرفة في قطاع واسع من المجتمعات العربية والغربية، ففي الأولى تسعى التنظيمات الإرهابية إلى تعميق الانقسام داخل مجتمعاتها، من خلال تشكيل هالة حول المنتسبين إليها والسمو على الشعوب الأخرى، ويرتبط هذا بالنظرة الإقصائية للطرف الآخر دينياً وثقافيا وشيطنته، إضافة إلى سعي هذه التنظيمات إلى التحكم في جميع جوانب حياة الفرد والمجتمع، فهي ترفض التنوع وتزدري أنماط الحياة البديلة.

 في المقابل، تتصاعد محفزات التطرف في بعض المجتمعات الغربية بفعل صعود اليمين المتطرف إلى صدارة المشهد، ومحاولاته تكريس خطاب شعبوي متطرف، يعتمد نهجاً حادا وسلبيا تجاه "الآخر"، بالاستناد إلى مقولات أيديولوجية تعيد إنتاج التعصب والانغلاق.

كذلك تبدو وثيقة "الأخوة الإنسانية" استثنائية بمحل الميلاد والتوقيع، وهي دولة الإمارات العربية المتحدة التي صنفها البعض بأنها دولة "النموذج الحلم"، ليس فقط استناداً إلى علامات ثقافية رائدة ومشاريع سياحية جاذبة، وإنما إلى كون الإمارات الدولة الأولى في العالم التي نجحت في نقل ثقافة التسامح من إطار نظري، ومفهوم أكاديمي إلى نموذج معيش على أرض الواقع، فصكت قانونياً ودستورياً سلسلة إجراءات وسياسات تعزز من قيمة وثقافة الانفتاح على الآخر وقبوله، كان من أبرزها تأسيس وزارة التسامح في فبراير 2016، واعتبار عام 2019 عاماً للتسامح في الإمارات.

الإمارات الدولة المسلمة، تمتلك تاريخاً عريقاً في التعايش بين الأديان وحرية ممارسة الشعائر الدينية، فقد تأسست أول كنيسة كاثوليكية في الدولة بأبوظبي في عام 1965، ووجد علماء الآثار بقايا كنيسة ودير على جزيرة صير بني ياس يرجع تاريخها للقرن السابع ميلادي. وحول المساجد الإماراتية، تنتشر 76 كنيسة ودار عبادة للديانات والعقائد المختلفة بعضها تبرعت لها الدولة بأراضٍ لإقامتها.

اختيار الإمارات لتوقيع "وثيقة الأخوة الإنسانية" يأتي لاعتبارها نموذجا فريدا للتعايش بين عدد معتبر من الجنسيات والثقافات المتنوعة، فعلى أرضها نحو 200 جنسية من مختلف دول العالم، يعتنقون ديانات سماوية وغير سماوية، يعيشون بتناغم وتجانس، وهو ما يعد واحدا من مسارات عدة انتهجتها الحكومة الإماراتية بهدف مكافحة الفكر المتطرف الذي يمعن في تقطيع أوصال الدول والناس. كما تسعى الإمارات بفاعلية لا تخطئها عين في بناء خطاب ديني معتدل، وتقديم صورة ذهنية رائقة للشريعة الإسلامية المعروفة بثرائها ونقائها وعادلتها، إضافة إلى إيمان صانع القرار الإماراتي بأهمية "صناعة الإنسان" ليس فقط في المجتمع الإماراتي، وإنما عالمياً.

ولعل الرصيد التقليدي لتجربة الإمارات في تحقيق السعادة والتسامح عالمياً يسجل ارتفاعاً في أسهمه، كشفت عنه إشادة مفوض لجنة الولايات المتحدة للحريات الدينية الدولية بوثيقة "الأخوة الإنسانية"، معتبراً الإمارات "منارة الانفتاح والحرية والتسامح في العالم"، وأن جهدها في تحقيق التآخي الإنساني يستحق انتباه جائزة نوبل.

لم تكن وثيقة "الأخوة الإنسانية" برغم أهميتها الاستثنائية، هي الأولى من نوعها التي تحتضنها الإمارات في سياق دعمها للتسامح، والتعايش مع الآخر، فقد أسهمت الإمارات في سنوات مبكرة في الجهود الدولية الرامية إلى مكافحة التطرف، وتعزيز التسامح الديني عالمياً عبر مشاركتها في رئاسة مجموعة العمل المعنية بمكافحة التطرف العنيف والتابعة للمنتدى الدولي لمكافحة الإرهاب. كما تستضيف المركز الدولي للتميز في مكافحة التطرف العنيف "هداية". وفي أبريل 2015، استضافت أبوظبي "المنتدى الثاني لتعزيز السلم في المجتمعات المسلمة"، وفي 19 يوليو 2014، أعلنت الإمارات العربية المتحدة إنشاء "مجلس حكماء المسلمين"، وهو عبارة عن هيئة دولية مستقلة تتألف من أربعة عشر عالماً من علماء المسلمين يهدف إلى تعزيز القيم والممارسات المتسامحة التي تشكل جوهر عقيدة الإسلام.  


تحمل "وثيقة الأخوة الإنسانية" بين طياتها عدة دلالات؛ أولها أنها جاءت كاشفة عن الوجه الإنساني الحضاري لدولة الإمارات العربية المتحدة، وحرصها على رعاية التعددية والحوار بين أتباع الأديان في المجتمعات كافة، وكان بارزاً، هنا، تصريح الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس دولة الإمارات رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، خلال توقيع الوثيقة، حيث قال "باسم حكومة وشعب دولة الإمارات، والمقيمين على هذه الأرض الطيبة، وفي هذا اليوم التاريخي، سنواصل معكم حمل راية الأخوة الإنسانية، ونتعهد بمواصلة دعم الجهود الرامية إلى جعل المنطقة والعالم مكاناً أكثر سلاماً وتسامحاً".

وثانيها أن الوثيقة جاءت لتؤكد استمرار نهج الإمارات في رعاية كل ما يخص دعم أواصر المحبة والسلام، وينبذ العنف والتطرف، فقد أولت الدولة اهتماماً مستمراً غير متقطع بقضايا السلام العالمي منذ تأسيسها في الثاني من ديسمبر من عام 1971، حيث تسير الإمارات على مبدأ إحلال السلام ونشر المحبة والخير في دول العالم كافة. ويعد مبدأ التسامح الذي أرساه مؤسسها المغفور له الشيخ زايدبن سلطان آل نهيان حاكماً لمبادئ وتوجهات السياسة الخارجية، وما زالت تسير على نهجه القيادات الإماراتية الراهنة في تأكيد هذا البعد وتعميقه وتطويره عبر مساهمات محلية ودولية، كان في الصدارة منها اللقاء التاريخي الذي جمع البابا فرنسيس وشيخ الأزهر لأول مرة على أرض الخليج.

خلف ما سبق، أكدت نصوص الوثيقة والأطراف الموقعة عليها عالميتها فالبابا يمثل القارة الأوروبية، وشيخ الأزهر ينتمي إلى مصر الدولة الأفريقية، بينما تقع الإمارات في قلب قارة آسيا، وهذه دلالة على إقرار الوثيقة بأن الأخوة بين البشر لا يحدها مكان أو زمان أو عقيدة أو لون.

أما الدلالة الرابعة، فهي أن الوثيقة شكلت في جوهرها وتوقيتها، فرصة جيدة لبث ونشر رسالة عالمية لعموم الناس من جميع الديانات تدعوهم للسلام، والتعايش والاندماج، فعلى سبيل المثال رفضت الوثيقة اعتماد مفهوم الأقلية باعتباره مصطلحا يدعو للتهميش ويوفر بيئة خصبة لنمو التطرف والعنف، وإنما دعت إلى اعتماد مفهوم المواطنة العالمية، والتأكيد على أن الجميع مواطنون في عالم واحد.

وترتبط الدلالة الخامسة، بترسيخ الوثيقة أساساً وأفكاراً غير تقليدية لتحقيق التعاون الإنساني والسياسي والمجتمعي بين دول العالم، وبما يحفظ للناس دينهم وحريتهم وحقوقهم، ويتماشى مع القيم السمحة للأديان السماوية، وبما ينسجم مع مبادئ القانون الدولي، فعلى سبيل المثال، حذرت الوثيقة من استخدام اسم الله لتبرير الكراهية والبطش وأعمال القتل ضد الآخر، فضلاً عن تأكيدها على حماية أرواح الناس وعقائدهم ودور عبادتهم من جرائم الإرهابيين. كما أكدت أن الأديان الإلهية بريئة من الحركات والجماعات المسلحة المسماة "الإرهاب"، إضافة إلى التحذير من بوادر حرب عالمية ثالثة بسبب التطرف الديني. 


وتكشف الدلالة السادسة عن حرص الوثيقة على توظيف القوة الناعمة للمجتمعات في مواجهة التطرف والعنف، حيث أشارت الوثيقة في نصوصها إلى ضرورة حث المفكرين والإعلاميين والفنانين على إعادة اكتشاف قيم السلام. وتعد الإمارات واحدة من أهم الدول التي تمكنت من توظيف قوتها الناعمة في مواجهة قضايا التطرف والعنف، من خلال مد أذرعها الثقافية والفنية والسياحية التي تراهن على تأثيرها الثقافي في حياة الشعوب.

تأكيد "وثيقة الأخوة الإنسانية" على الاستثمار في القوة الناعمة، هي انعكاس في الحقيقة للروح التي تعمل بها الإمارات التي باتت رأس مثلث قاعدته الأزهر والفاتيكان، حيث تتلاقى أضلاع المثلث على إيمان بأن قوة الدول لا تُقاس بمساحتها ولا بعدد سكانها، وإنما بمدى ما تحدثه من تأثير في الحياة، وما تحققه من إنجازات في خدمة البشرية وتطورها.

القصد أن وثيقة أبوظبي للأخوة الإنسانية جاءت لتؤكد عمق الدور الإماراتي والمؤسسات الدينية العالمية في تأمين حياة إنسانية ترتكز على قواعد الحوار والعيش المشترك والمساواة، ونبذ العنف والتطرف، وإنهاء المتاجرة بالأديان وباسم الله. كما أن الوثيقة التي انطلقت للعالم من أبوظبي هي بوصلة لصناعة السلام عبر نشر ثقافة التسامح، وتعزيز ثقافة الاختلاف، واحترام الآخر.

تعليقات