في إحدى المحاضرات الأكاديمية حول مناهج البحث، طرحت أستاذة سؤالًا على طلبة الدراسات العليا: لماذا نطلق وصف «السوداء» على كل ما هو خارج عن القانون أو العرف الاجتماعي، مثل القائمة السوداء والسوق السوداء؟
أجاب أحد الطلبة بأن الأمر يعود إلى ما يحمله اللون الأسود من رمزية الغموض وانعدام الرؤية في الظلام، وهو ما يثير بطبيعته مشاعر الريبة والخوف لدى الإنسان. ومن هنا درجت مجتمعات كثيرة على ربط هذا اللون بالسلوكيات السلبية أو الأفعال غير المشروعة.
غير أن من الحكمة اليوم مراجعة هذه المصطلحات لما قد تحمله من إيحاءات غير مقصودة تسهم في ترسيخ صور نمطية أو دلالات عنصرية. ولعل استبدالها بتعابير أكثر حيادًا — كاللون الرمادي مثلًا — ينسجم مع قيم العدالة اللغوية والثقافية المعاصرة. وانطلاقًا من هذا المعنى الرمزي المرتبط بالغموض وصعوبة الرؤية، يمكن فهم جانب من النظرة الدولية إلى القارة الأفريقية، التي ما تزال تواجه تحديات معقدة في مسار التنمية الشاملة وسط تنافس دولي محتدم.
لا خلاف على أن أفريقيا أصبحت عنصرًا مؤثرًا في السياسة الدولية، بفضل ما تمتلكه من موارد طبيعية هائلة، وأراضٍ زراعية واسعة، وكتلة سكانية شابة ومتنامية. ومع ذلك، لا تزال القارة تعاني مشكلات مزمنة، مثل النزاعات الداخلية، وضعف مؤسسات الدولة، وتحديات الفقر والبنية التحتية والصحة، مما يجعلها ساحة مفتوحة للتنافس بين القوى الكبرى.
هذا التنافس لا يقتصر على الاقتصاد والاستثمار، بل يمتد إلى الأبعاد الثقافية والنماذج التنموية. فكثير من الحكومات الأفريقية باتت تقارن بين أنماط الشراكة المختلفة؛ إذ يُنظر إلى الصين بوصفها شريكًا يركز على البنية التحتية والتنمية الاقتصادية مع قدر أكبر من تقبّل الخصوصيات الثقافية، بينما ترتبط الدول الغربية بخطاب سياسي يركز على الديمقراطية وحقوق الإنسان، وإن كان تاريخ ممارساتها في مناطق أخرى يكشف أحيانًا عن براغماتية سياسية واضحة.
وفي هذا السياق، تحاول الدول الأفريقية تحقيق توازن دقيق بين القوى المتنافسة، سعيًا إلى تعظيم مكاسبها التنموية. فلم تعد الشعوب الأفريقية تقبل بدور المصدّر للمواد الخام فحسب، بل تطمح إلى بناء صناعات وطنية، وتطوير رأس المال البشري، وتعزيز القدرات التقنية والإدارية.
ومن مظاهر التنافس الدولي على أفريقيا أيضًا ما يتعلق بالملفات المالية والنقدية. فقد اضطرت بعض الحكومات الأفريقية، مثل غانا، إلى مراجعة اتفاقيات قروض مع الصين كانت تُسدَّد عبر الموارد الطبيعية كالنفط، وذلك تحت ضغط قوى المجتمع المدني، مما دفع بكين إلى تقديم تسهيلات وخفض بعض الفوائد. ويعكس هذا المثال تزايد وعي الدول الأفريقية بضرورة تحقيق شروط أكثر عدالة في شراكاتها الاقتصادية.
وفي المقابل، يمتد النفوذ الفرنسي في القارة إلى جذور تاريخية عميقة، أبرزها النظام النقدي المرتبط بالفرنك الأفريقي، الذي ظل لسنوات طويلة مرتبطًا بالعملة الفرنسية ثم باليورو. وقد أتاح هذا النظام لباريس نفوذًا اقتصاديًا مستمرًا، إذ تستفيد من تدفقات التجارة والاحتياطيات النقدية لبعض الدول الأفريقية، إلى جانب حضورها القوي في الأسواق والموارد الطبيعية. ومع تصاعد الوعي السيادي داخل القارة، تتزايد الدعوات إلى إعادة النظر في هذه الترتيبات النقدية باعتبارها إحدى بقايا مرحلة ما بعد الاستعمار.
كما تلعب المواقع الجغرافية الاستراتيجية للقارة دورًا مهمًا في جذب الاهتمام الدولي، خاصة في الممرات البحرية الحيوية والموانئ التجارية. ويواكب ذلك حضور متزايد للشركات متعددة الجنسيات، إلى جانب الشركات المدعومة حكوميًا من قوى دولية صاعدة، وهو ما يعكس تداخل الاقتصاد بالسياسة في معادلة النفوذ العالمي.
أما النفوذ التاريخي لبعض القوى الاستعمارية السابقة، فقد بدأ يتراجع تدريجيًا مع اتساع خيارات الدول الأفريقية وتزايد وعيها بأهمية تنويع الشراكات. وقد أسهم هذا التحول في إعادة تشكيل موازين التأثير الدولي داخل القارة، حيث أصبحت الدول الأفريقية أكثر قدرة على التفاوض وتحقيق شروط أكثر عدالة في الاتفاقيات الاقتصادية والاستثمارية.
وفي المحصلة، تقف أفريقيا اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فهي، من جهة، ساحة تنافس عالمي محتدم، ومن جهة أخرى تمتلك فرصًا حقيقية لصياغة نموذج تنموي مستقل قائم على بناء الدولة الوطنية، وتعزيز المؤسسات، والاستثمار في الإنسان والمعرفة. ويبقى نجاح هذا المسار مرهونًا بقدرة القارة على إدارة علاقاتها الدولية بحكمة، وترسيخ مفهوم الدولة القومية، وتحويل التنافس الخارجي إلى رافعة حقيقية للتنمية المستدامة.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة