لوكسمبورغ تواجه تحديا غير مسبوق مع شيخوخة السكان
بين النمو الاقتصادي الهائل والتطور المالي المذهل، تواجه لوكسمبورغ تحديًا ديموغرافيًا، وهو تضاعف عدد كبار السن خلال العقود المقبلة.
ورسم تقرير جديد صادر عن منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية صورة دقيقة للوضع الصحي في هذه الدولة الصغيرة، ويكشف نقاط القوة والضعف في مواجهة التحديات القادمة.
وأصدرت منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية مؤخرًا تقريرها السنوي للصحة لعام 2025، الذي يشمل 31 دولة عضوًا، من بينها لوكسمبورغ.
ويشير التقرير إلى أن الدوقية الكبرى، التي تستقطب يوميًا نحو 120 ألف عامل حدودي من منطقة لورين الفرنسية، ستشهد تضاعف عدد سكانها فوق سن 65 عامًا بحلول عام 2050، وهو ما يمثل تحديًا حقيقيًا على صعيد الصحة العامة.
وقالت محطة "فرانس 3" إن لوكسمبورغ ليست غريبة على المفارقات الديموغرافية، فقد أكد التقرير أن السكان الحاليين يتمتعون بواحدة من أصغر نسب كبار السن في أوروبا، إذ يمثل من تجاوزوا 65 عامًا نحو 15% فقط من السكان في 2024.
وأضافت: "مع ذلك، ستتضاعف هذه النسبة في العقود المقبلة، في حين يعتمد النظام الصحي في البلاد كليًا على أطباء وإخصائيين من دول أوروبية مجاورة، إذ لا توجد كليات طب كافية لتغطية الطلب المحلي، ما يجعل لوكسمبورغ يعتمد على المهارات الأجنبية لضمان استمرارية الرعاية الصحية".
ورغم هذه التحديات، يتمتع النظام الصحي في لوكسمبورغ بأداء جيد مقارنة بمتوسط دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية فقد بلغ متوسط العمر المتوقع 83.4 عام، أي أعلى بمقدار 2.3 سنة من المتوسط، كما أن النظام يحقق أداءً أفضل من المتوسط في 6 من أصل 10 مؤشرات رئيسية تقيس جودة وإمكانية الوصول إلى الرعاية الصحية.

ومع ذلك، تبقى نفقات الصحة أقل من المتوسط، حيث تمثل 6% من الناتج المحلي الإجمالي مقارنة بـ9% في المتوسط بين دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، ما يجعل النظام هشًا في حال حدوث أي توترات على مستوى توافر الأطباء من دول الجوار.
وتشير التقارير المحلية، مثل "بابرجام"، إلى أن هذا النموذج حافظ على استمرارية الخدمات الصحية في الظروف العادية، لكنه يجعل الدولة عرضة لأي تطورات خارجة عن سيطرتها، خصوصًا أن الدول المجاورة تواجه ضغوطًا مماثلة فيما يتعلق بالكوادر الطبية، مما يزيد المنافسة على الأطباء والممرضين.
وإضافة إلى ذلك، تسجل لوكسمبورغ انخفاضًا ملحوظًا في الإنفاق على الرعاية الوقائية، حيث تراجع من 7% من إجمالي النفقات الصحية في 2021 إلى 3% في 2023.
ويعزى هذا الانخفاض إلى ضعف التنسيق وغياب جهة مسؤولة واحدة عن الميزانية الوقائية، ما يجعل استدامة البرامج طويلة الأمد أمرًا صعبًا عند تغيّر أولويات الدولة.
من ناحية الصحة العامة، يبرز التقرير مخاوف أخرى: استهلاك الكحول أعلى من متوسط منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية بمعدل 10.7 لتر للفرد، مقارنة بـ8.5 لتر في المتوسط، فيما تبلغ نسبة التدخين اليومي 15.1% بما يتوافق تقريبًا مع المتوسط الأوروبي البالغ 14.8%. كما أشار التقرير إلى ارتفاع معدلات السمنة لدى الشباب، حيث يُعاني نحو واحد من كل خمسة شباب من الوزن الزائد.
وعلى الرغم من هذه التحذيرات، يتمتع لوكسمبورغ بمركز مالي قوي يدعم النظام الصحي، مع تمويل عام يغطي نحو 85% من نفقات المرضى، فيما يشكل المبلغ المتبقي نحو 10% فقط، وهو ما يُعد أدنى نسبة في أوروبا.
والنمو السكاني في البلاد، الذي بلغ 81% بين 1981 و2024، مدفوع بالتحول الاقتصادي من الصناعة الثقيلة إلى القطاع المالي والمصرفي، ما جذب نسبة كبيرة من المقيمين الأجانب الذين يشكلون اليوم نحو 47% من السكان، ويأتون بنسبة 90% من دول الاتحاد الأوروبي للعمل في وظائف بأجور أعلى من بلدانهم الأصلية.
في المجمل، يوضح تقرير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية أن لوكسمبورغ، رغم امتيازه بنظام صحي متقدم نسبيًا وموارد مالية قوية، يواجه تحديًا هيكليًا خطيرًا مع شيخوخة السكان واعتماده الكبير على الكوادر الطبية الأجنبية، ما يستدعي التخطيط الاستباقي لتعزيز الوقاية وضمان استدامة الرعاية الصحية على المدى الطويل.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuMjE0IA== جزيرة ام اند امز