الذكاء الاصطناعي في قلب السيادة الدفاعية لفرنسا.. شراكة مع «ميسترال»
في خطوة تعكس طموح فرنسا لترسيخ استقلالها التكنولوجي في المجالات السيادية الحساسة، أعلنت السلطات الفرنسية شراكة استراتيجية غير مسبوقة بين شركة ناشئة وطنية رائدة في الذكاء الاصطناعي ووزارة الجيوش.
اتفاق طويل الأمد يضع الذكاء الاصطناعي التوليدي في صلب منظومة الدفاع، ويؤسس لمرحلة جديدة من التفوق الرقمي والسيادة الوطنية.
وأعلنت الوكالة الوزارية للذكاء الاصطناعي الدفاعي توقيع عقد إطار يمتد لعدة سنوات مع شركة ميسترال إيه آي، بهدف تعزيز الاستقلال التكنولوجي الفرنسي ونشر حلول الذكاء الاصطناعي التوليدي داخل منظومة الدفاع الوطني. ولم يتم الكشف عن القيمة المالية لهذا الاتفاق.
ويأتي هذا التعاون في سياق سعي فرنسا إلى ترسيخ سيادتها الرقمية في مجال الذكاء الاصطناعي المطبق على الدفاع، و"ضمان السيادة والتميّز التكنولوجي للدفاع الفرنسي"، بحسب ما ورد في البيان الرسمي، بحسب محطة "بي.إف.إم" التلفزيونية الفرنسية.
ويهدف الاتفاق إلى تسهيل وتسريع اعتماد نماذج وبرمجيات وخدمات الذكاء الاصطناعي التوليدي التي تطورها ميسترال إيه آي، لصالح جميع فروع القوات المسلحة، ومديريات وخدمات وزارة الجيوش الفرنسية، إضافة إلى الهيئات الخاضعة لوصايتها.
ومن بين هذه الهيئات: المفوضية الفرنسية للطاقة الذرية والطاقات البديلة، والمكتب الوطني للدراسات والأبحاث الجوية والفضائية، وكذلك خدمة الهيدروغرافيا والمحيطات التابعة للبحرية الفرنسية. وستستخدم حلول ميسترال إيه آي لدعم المهام الإدارية، فضلا عن تحسين الاستخدامات المرتبطة مباشرة بالاحتياجات العملياتية للقوات المسلحة.
مرحلة جديدة في استراتيجية الدفاع الرقمي
وسيتم الإشراف على تنفيذ العقد من قبل الوكالة الوزارية للذكاء الاصطناعي الدفاعي. وأكدت شركة ميسترال إيه آي أن حلولها «سيتم نشرها على بنى تحتية فرنسية، بما يضمن تحكما كاملا في البيانات والتقنيات الحساسة»، مع تكييف النماذج خصيصا اعتمادا على بيانات دفاعية، لتلبية المتطلبات العملياتية.
ويستند هذا الاتفاق إلى مذكرة تعاون سابقة بين وزارة الجيوش وميسترال إيه آي، تم الإعلان عنها في مارس/ آذار 2025. وبهذا الصدد، صرّح برتران روندبيير، مدير الوكالة، قائلا: "من خلال دمج أكثر حلول ميسترال إيه آي تطورا، نعزز موقعنا ونُعدّ القوات المسلحة لمواجهة تحديات المستقبل".
اختبار وتطوير في بيئة سيادية آمنة
من جانبها، ترى ميسترال إيه آي أن هذا العقد الإطاري سيمكنها من اختبار حلولها على تطبيقات واقعية، وتخصيص نماذجها باستخدام بيانات الجيش ضمن بيئة مؤمنة بالكامل. أما وزارة الجيوش، فهي تمتلك منذ سبتمبر/ أيلول 2025 حاسوبا فائقا قادرا على معالجة بيانات مصنفة وسرية على نطاق واسع، في إطار استراتيجيتها للذكاء الاصطناعي الدفاعي التي أُطلقت في مارس/ آذار 2024، والتي أسفرت أيضا عن إنشاء الوكالة الوزارية للذكاء الاصطناعي الدفاعي.
أكثر من دعم إداري.. نحو استخدامات قتالية متقدمة
وتوضح الوكالة أن الاتفاق يشمل مجالات مثل النسخ الصوتي، والترجمة، والمساعدة في تحليل الوثائق، وتحسين النماذج القائمة. غير أن الطموحات تتجاوز ذلك بكثير، إذ تسعى الوكالة إلى تطوير أدوات للحرب الصوتية تتيح تمييز السفن التجارية عن القطع العسكرية أو الطائرات المسيّرة، إضافة إلى تحسين توجيه القذائف التي تطلقها مدافع «قيصر» ذاتية الحركة.
الهدف المعلن واضح، فإنه إذا كان الذكاء الاصطناعي قادرا على تعزيز أداة أو استخدام عسكري، فإن الوكالة تعتزم استكشافه وتطويره.
رهان على بطل وطني في الذكاء الاصطناعي
وتعد ميسترال إيه آي، بحسب وزارة الجيوش، من بين الشركات الرائدة عالميا في مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي، وتستند إلى فريق بحثي "من بين الأفضل في العالم".
وتشدد الوزارة على أن الشراكة مع شركة فرنسية تضمن تحكما سياديا كاملا في الأدوات التكنولوجية الحساسة، وتستجيب لمطلب الاستقلال الوطني في مجال التقنيات الدفاعية، رغم ارتباطات ميسترال إيه آي ببعض الفاعلين الدوليين مثل شركة إنفيديا.
وبهذه الخطوة، تؤكد فرنسا، بقيادة مؤسساتها الدفاعية، عزمها الانتقال إلى مرحلة متقدمة من السيادة الرقمية، حيث يصبح الذكاء الاصطناعي عنصرا حاسما في معادلة الأمن والدفاع الوطني.