سياسة

قاعدة المحروسة

الأربعاء 2017.7.26 12:34 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 1239قراءة
  • 0 تعليق

ادخلوا مِصرَ إِنْ شَاءَ الله آمنين".. عظيمةٌ هذه الآية وتحمل الكثير من الأمان والطمأنينة، فما هو مدى هذا الأمن الذي قاله ربُّ العِزّة من فوق سبع سماوات في القرآن -الذي سيبقى يُتلى إلى يوم القيامة؟ فعندما تسود الفوضى أيَّة دولة وتتبطّح بُؤر الفساد مُرتدية العار فإنَّه من واجب الشعب ألّا يخضع لخفض الرأس والرضوخ لهذا الواقع المُؤلم، بل يُساند بعضه البعض ويُحدث ثورة لخدمة مصلحة الوطن والشعب، فعندما تتحطم أرضية أي بلد بفعل خيانات من كل مكان لا بُدَّ من بناء حُلم جديد له، لا يتحقّق هذا الحلم إلا بوجود سيادة كاملة كأي وطن حُر.

مصر هي قاعدة أمان للشرق الأوسط، فمن أراد أن يحمي بلده لا يلجأ للدول الأجنبية؛ بل يحتمي في ظل الله ثم جيرانه العرب‎

وما يحدث على أرض الكِنانة "أم الدنيا" مصر نابع من حرص القادة الأحرار على وجود الأمن القومي للسيادة العربية في الوطن العربي، ولقد أظهرت الأزمة التي يمرُّ بها الخليج أن القوة النابذة التي أدَّت لتفاقم الأزمة وتعقيدها هي الابتعاد عن الوحدة العربية التي نادى بها أكبر قادة العرب زعامة وقوة، وشهدت مصر افتتاح أكبر قاعدة عسكرية في الشرق الأوسط، حيث افتتح الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي بحضور وليّ عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان هذه القاعدة العسكرية، وسُميت باسم قاعدة محمد نجيب الذي سنعرف من يكون وما هو دوره السياسي في تطور مصر، هذه القاعدة بمثابة التحدي والتصّدي لأي خطر قد يُهددّ أمن مصر، مما يعني أمن واستقرار الوطن العربي بأكمله.

وتعتبر هذه القاعدة واحدة من أهم ما قدمته مصر في المجال العسكري، وهي إنجاز استراتيجي في المنطقة يعكس التطور الذي آلت إليه الجهود المبذولة في تحديث التطور الشامل للقوات المسلحة، بالإضافة للدعم الإداري والفني، وذلك باعتبار القاعدة السدّ المنيع ضد أي هجوم عسكري من الخارج، وجاء هذا الافتتاح مُتضامنًا مع احتفالات مصر بذكرى ثورة يوليو، ولقد مضى أكثر من ستين عامًا على هذه الثورة في مصر والتي كانت بقيادة أكثر من شخصية سياسية، على رأسها اللواء أركان حرب محمد نجيب الذي سُميت القاعدة باسمه، حيث رافق محمد نجيب أعظم زعماء العرب في تاريخ مصر والعالم العربي ألا وهو الزعيم الراحل جمال عبدالناصر، وكان الأخير من أشّد المُتمسكين بجهود نجيب تجاه مصر خاصة وأنه أول من عُيّن رئيسًا لمصر كجمهورية عربية.

لقد كان اللواء محمد نجيب قائدًا للضباط الأحرار في الجيش المصري آنذاك وهو الذي قاد الثورة للسيطرة على مرافق الدولة الحيوية وإبطال نظام الحُكم الملكي، حيث تمَّت هذه الثورة بنجاح، فقد كان اللواء نجيب قائدًا لجيش الضباط حيث أدَّى دوره على أكمل وجه لخبرته العسكرية ولثقته بالجيش المصري.

ربما يستغرب البعض ممن لم يقرؤوا تاريخ مصر، لِمَ الفخر والاعتزاز بهذه الثورة التي يُوهم اسمها بأنها شيء ضد الوطن مقارنة بالثورات المدمرة للأوطان في وقتنا هذا، لكن الحقيقة وراء هذه الثورة هي أهداف ومبادئ خُفيت عن الجميع في البداية، عدا المهتمين بأمر مصر آنذاك وما خططوا له من تغيير في سياسة مصر الجديدة حيث كانت الثورة هي الحل الأمثل.

كانت مصر في تلك الحقبة تمر بأشبه ما يكون بالعصور الوسطى لأوروبا في الظلام والجهل والاستبداد والظلم، وأراد نجيب أن يُخرج هذا البلد ويحوله إلى صورة أجمل بالقضاء على المبادئ السائدة من النشاطات الحيوية التي سيطرت على اقتصاد مصر وأضرّت بالشعب مثل الإقطاع ووجود الاستعمار والرأسمالية المُسيطرة على الحكم، وتعامل نجيب مع الموقف بناء على نظرته إلى مصر وهي "أم الدنيا" وبلاد الحضارات وموطن الأنبياء، فسخّر كل طاقاته للحصول على جيش وطني قومي حُرّ لا يحيد عن حب الوطن ولا تُنازعه نفسه عليها، بالإضافة إلى العدالة الاجتماعية والحياة الديمقراطية التي تفتقدهما مصر وشعبها في ظل حكم الملك فاروق.

ترأس نجيب الثورة وتزّعمها عبد الناصر وكانت هناك أسماء قوية شاركت فيها مثل المُشير عبدالحكيم عامر وزير الحربية وقائد القوات المسلحة للجيش المصري في عهد عبدالناصر، وأيضاً الرئيس محمد أنور السادات الذي ترأس مصر بعد وفاة عبد الناصر، وكانت هذه الثورة تهدف لمحاربة الفساد الإداري الذي رافق المسؤولين وهدمَ الاقتصاد وزعزع استقرار الحكم وظهرت آثاره واضحة في نكسة عام 67 مع إسرائيل وبسبب تآمر الخونة على الجيش الذي أحاطته فئة من الخونة المُفسدين بالرشاوى والخداع، وانتكست الأوضاع وصار لا بد من حدوث الثورة لإعادة إعمار مصر .

لقد تطهَّر الجيش المصري من الخونة مُعلنًا الولاء للوطن، وهذا كان أهم إنجاز حققته الثورة وهو تكوين جيش مصري قومي، وعلى الصعيد السياسي يُحسب لقادة الثورة الأبطال، واستعاد الجيش حرية وكرامة المواطن المصري من الاستعمار وسيطرة الحكم الملكي وإعلان مصر العروبة جمهورية عربية، وكانت أهم القرارات المُتخذة هو هذا الإعلان الذي حفظ لمصرَ كرامتها وعروبتها القومية بعد التخلص من نظام الملك فاروق، وكذلك توالت الإنجازات المُتتابعة للثورة المصرية في مجالات أُخرى مثل المجال الثقافي والذي أدى إلى افتتاح وإنشاء مراكز ثقافية وأكاديمية ومعاهد للفنون والمسرح والأوبرا العالمية، بالإضافة إلى الاهتمام الثقافي بفن العمارة والمتاحف والآثار خاصة وأن مصر تاريخها مليء بحضارة الفراعنة ومعالمها التاريخية، حيث أدخلتها هذه الآثار تاريخ الحضارات القديمة لتُصبح أُمًّا للدنيا بأكملها يقصدها ملايين الزوار سنويًا.

ولن ننسى الانفتاح على التعليم كمفتاح لثقافة وحضارة مصر وإتاحة الفرصة للشباب في التعليم وكسب المعارف والعلوم الحديثة بإنشاء الجامعات الراقية والتي رفعت من مكانة مصر ثقافيًا وعلميًا، كما أحدثت الثورة انقلابًا واسع النطاق في مجال الاقتصاد بعد معاناة الشعب المصري من الظلم والاستبداد والإقطاعيات والاحتكار والرأسمالية المتطرفة، كما وجدت الثورة طريق الحرية للقضاء على هذه المعتقدات التي هدمت العدالة الإنسانية وسحقت كرامة البشر، فأصبح من حق كل مواطن امتلاك الأراضي، ثم تبعته بعد ذلك الأوامر التي ألغت نظام الطبقات والألقاب التي تُفرّق بين الغني والفقير، ولن ننسى أهم حدث اقتصادي في الثورة التي أعلنها الراحل زعيم الأمة العربية عبدالناصر في خطابه بتأميم قناة السويس، وتتابعت إنجازات الثورة على الصعيد العربي في توحيد الجمهورية وتكاثف الحشود العربية وتحررّت الطاقات لصالح القوة والثبات على الوحدة العربية وأن القوة بالاتحاد وأن الاُسس السليمة يجب أن يُبنى عليها قوامها لإقامة الصف العربي الواحد والوحدة العربية وهذا هو الواجب الذي يتحتم على كل عربي شريف يحب الحرية والاستقلال ألّا ينساه.

إنَّ الذين كانوا يتحدثون عن مصر وكيف للعالم العربي وخاصة الخليجي أن يثق بها! هذا هو الرد في قاعدة محمد نجيب العسكرية، القاعدة التي تضم أكثر من أحد عشر ألف مبنى وإنشاءات جديدة تتسع لأكثر من 500 ناقلة حديثة لتأمين المناطق الحيوية وتوسعة نطاق الأفواج المتمركزة وإعادة تجميعها، وهذا الحشد من الدبابات والذخائر كلها تجعل من مصر قاعدة أمان للشرق الأوسط فمن أراد أن يحمي بلده لا يلجأ للدول الأجنبية بل يحتمي في ظل الله ثم جيرانه العرب، وقد تّم رفع علمي الإمارات والمملكة السعودية في أكبر قاعدة عسكرية في الشرق الأوسط وإفريقيا وهذه أقوى رسالة تُوجّه للخونة صُنّاع الإرهاب.

إذن من بلد الأمان مصر يدخل الجميع مُطمئنا لا يخاف بل يُنزع الخوف من قلبه، في مصر التقى عمالقة الخليج ليقفوا صفًا واحدًا لتُهزم قوى الشر والإرهاب بوجودها، حفظ الله مصر وسائر بلاد المسلمين لتكون حِصنًا حصينًا ودِرعًا متينًا للأمة العربية والإسلامية.

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات