«كير» والتمويل الفيدرالي.. معركة أمريكية جديدة في مواجهة الإخوان (خاص)
تحركات وملاحقات مستمرة من الإدارة الأمريكية لجماعة الإخوان، جاء آخرها عبر تحقيق فتحه وزير الصحة والخدمات الإنسانية الأمريكي روبرت إف. كينيدي جونيور بشأن تمويلات مرتبطة بالتنظيم.
التحقيق الذي أطلقته وزارة الصحة والخدمات الإنسانية الأمريكية بشأن مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية «كير»، وفتح الباب أمام مراجعة رسمية لاستخدام أموال المنح الفيدرالية، لخدمة أجندات مرتبطة بالإخوان وحماس، بحسب ما أوردته مجلة «كاريزما» الأمريكية.
- استراتيجية أمريكا 2026.. هل اقترب تصنيف الإخوان تنظيما إرهابيا شاملا؟
- «ثنائي الدم والنار» تحت ضغط أمريكا.. الإخوان وسلطات بورتسودان بين العزلة والمحاسبة (خاص)
وتزامناً مع هذا التحقيق، سلطت صحيفة «واشنطن إكزامينر» الضوء على شراكة مثيرة للجدل بين فرع المنظمة في كاليفورنيا وإحدى المناطق التعليمية، وسط انتقادات تتعلق بنشاطها داخل المدارس وارتباطها بجماعة الإخوان وحركة حماس.
تحركات اعتبرها خبير في شؤون الجماعات الإسلامية تحدثت إليه «العين الإخبارية»، بمثابة خطوة عملية فعلية ضد البنية المالية والتنظيمية المرتبطة بالإخوان داخل الولايات المتحدة تفضي إلى تجفيف أحد أهم مصادر تمويل الإخوان، وتقود نحو تصنيف شامل للجماعة إرهابية على المستوى الفيدرالي، بما يتيح ملاحقة شبكات التمويل والأنشطة المرتبطة بها بصورة أكثر فاعلية.
مراجعة شاملة
وأعلن كينيدي، في تصريحات نقلتها مجلة «كاريزما»، أن وزارة الصحة والخدمات الإنسانية بدأت مراجعة بشأن استخدام أموال المنح الفيدرالية من قبل مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية وفرعيه في كاليفورنيا وواشنطن.
وقال: «يستحق الأمريكيون شفافية كاملة عندما تكون أموال دافعي الضرائب محل اهتمام».
وأكد أن الوزارة ستتخذ الإجراءات اللازمة إذا ظهرت أدلة على احتيال أو إساءة استخدام أو صلات بمنظمات إرهابية مصنفة.
وجاءت الخطوة بعد رسالة بعث بها النائب الجمهوري عن ولاية تكساس تشيب روي إلى كينيدي في أبريل/نيسان الماضي، طالب فيها بإجراء تحقيق كامل بشأن امتثال المنظمة لشروط المنح الفيدرالية، والتحقق من علاقاتها بحماس والإخوان.
وأكد كينيدي أنه نقل هذه المخاوف إلى وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، داعياً إلى «مراجعة شاملة لأي معلومات ذات صلة بالقضية»، مشدداً على أن «حماية نزاهة البرامج الفيدرالية تمثل مسؤولية لا يمكن التهاون فيها».
ورحب روي بقرار فتح التحقيق، معتبراً أن «دافعي الضرائب الأمريكيين لا ينبغي أن تُستخدم أموالهم لدعم منظمات تدعم الإرهاب أو تسهله»، داعياً إلى محاسبة أي جهة يثبت تورطها في إساءة استخدام الأموال العامة.
ولم تقتصر الضغوط على وزارة الصحة، إذ سبق أن طالب أعضاء في الكونغرس، بينهم النائبة الجمهورية إليز ستيفانيك والسيناتور الجمهوري توم كوتون، بفتح تحقيقات في أنشطة «كير»، مستندين إلى تأكيدات تتعلق بصلاتها مع حماس وتنظيمات أخرى.
كما دعا كوتون سابقاً مصلحة الضرائب الأمريكية إلى مراجعة الوضع القانوني للمنظمة باعتبارها جهة معفاة من الضرائب، في ضوء تلك الاتهامات.
بداية التنفيذ العملي
وتعليقا على هذه التطورات، قال الخبير في شؤون الحركات الإسلامية هشام النجار، في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن فتح التحقيق يمثل أول خطوة عملية لترجمة ما وصفه بسلسلة القرارات والتقارير والمواقف التي صدرت خلال الأسابيع الأخيرة بشأن جماعة الإخوان.
وأوضح أن هذه الخطوة تنقل التعامل مع الملف من مرحلة البيانات والتقارير إلى مرحلة التنفيذ العملي، معتبراً أن مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية يعد، أحد أهم أنشطة الإخوان داخل الولايات المتحدة.
وأضاف أن المجلس يحصل على تمويلات ومخصصات من الحكومة الأمريكية ومن مؤسسات وهيئات مختلفة تحت عناوين تتعلق بخدمة المسلمين وحقوق الإنسان والأنشطة الدينية، مشيراً إلى أن تقارير غربية وأمريكية تحدثت منذ سنوات عن توظيف الأموال لصالح أنشطة التنظيم الدولي للإخوان، وأن المجلس يُنظر إليه باعتباره أحد الأذرع الرئيسية للتنظيم داخل الولايات المتحدة.
ورأى النجار أن التحقيق الحالي يمثل بداية عملية لتجفيف مصادر تمويل التنظيم، لا سيما في فرعه الأمريكي، معتبراً أن هذه الخطوة تحمل أهمية خاصة لأنها تستهدف أحد الملفات الأكثر حساسية بالنسبة للإخوان.
وأشار إلى أن الجماعة باتت تعتمد بصورة متزايدة على مصادر التمويل الموجودة في الولايات المتحدة وأوروبا بعد تراجع مصادرها المالية في الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة.
وأضاف أن الانتقال من مرحلة القرارات النظرية إلى مرحلة التنفيذ الفعلي بهذا الشكل يمثل تطوراً مقلقاً بالنسبة للجماعة لأنه يمس بصورة مباشرة البنية المالية التي تعتمد عليها في إدارة أنشطتها المختلفة.
شراكة تعليمية مثيرة للجدل
وفي سياق متصل، نشرت صحيفة «واشنطن إكزامينر» تحقيقاً استقصائياً تناول العلاقة بين منطقة سان خوان التعليمية الموحدة في ولاية كاليفورنيا وفرع «كير» في الولاية.
وأشار التقرير إلى أن المنطقة التعليمية حصلت على أكثر من 175 ألف دولار من المنظمة خلال السنة المالية 2024، خُصصت لتمويل أجهزة حاسوب وبرامج تعليمية وشراكات موجهة للطلاب اللاجئين.
واعتبر التقرير أن القضية تتجاوز مسألة التمويل لتشمل طبيعة العلاقة بين مؤسسة تعليمية عامة ومنظمة مرتبطة بالإخوان وحماس.
وكشفت وثائق ورسائل إلكترونية، حصلت عليها منظمة «الدفاع عن التعليم» عبر طلبات سجلات عامة، عن مشاركة ممثلين لـ«كير» في فعاليات مدرسية واجتماعات تخطيط داخل المنطقة التعليمية.
كما أظهرت المراسلات تنفيذ برنامج قيادي للطلاب استمر ستة أسابيع داخل إحدى المدارس التابعة للمنطقة، إلى جانب مشاركة طلاب في ورش عمل نظمتها المنظمة خلال عام 2024.
وانتقد التحقيق استمرار التعاون مع المنظمة رغم الجدل المحيط بها، متسائلاً عن تأثير ذلك على البيئة التعليمية وعلى الطلاب والمجتمع.
وعلّق النجار على هذه النقطة بالقول إن الحديث عن الأنشطة التعليمية المرتبطة بمجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية ليس جديداً، مشيراً إلى أنه سبق أن أعد دراسة قبل نحو 12 عاماً تناولت قضية حظر جماعة الإخوان في الولايات المتحدة، واستندت إلى تقارير ومعطيات صادرة عن مسؤولين وسياسيين أمريكيين وتحركات قادها نواب جمهوريون داخل الكونغرس.
وأضاف أن تلك التقارير تحدثت عن قيام الجماعة، عبر مؤسساتها المختلفة، بالحصول على أموال من هيئات وبرامج ومؤسسات داخل الولايات المتحدة، ثم توظيفها في دعم أنشطتها وتحركاتها خارج الحدود الأمريكية.
وأشار إلى أن الاتهامات المتعلقة باستخدام التمويلات والبرامج التعليمية أو المجتمعية لا ترتبط بالولايات المتحدة فقط، وإنما تندرج ضمن ما وصفه بنمط أوسع من توظيف الموارد المالية المتاحة لدعم أنشطة الجماعة في مناطق مختلفة من العالم.
نحو تصنيفها إرهابية
وفي أبريل/نيسان الماضي، قدم النائب الجمهوري عن ولاية تكساس تشيب روي مشروع قانون في الكونغرس تحت عنوان «تصنيف المنظمات التابعة لحماس في أمريكا لعام 2026»، لتصنيف مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية «كير» كامتداد لحماس واعتباره كياناً «إرهابياً عالمياً».
وبحسب ما ورد في مشروع القانون، فإنه يهدف إلى تصنيف مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية وفروعه كـ«كيانات إرهابية عالمية مصنفة بشكل خاص»، وتجميد أصول المجلس ومنع المواطنين الأمريكيين من التعامل معه، إضافة إلى إلغاء وضعه كمنظمة غير ربحية معفاة من الضرائب.
وينص المشروع على توجيه وزارة الخزانة الأمريكية لإدراج المجلس ضمن قائمة «الإرهابيين العالميين المصنفين»، ومنع أي تعامل رسمي أو مالي معه داخل الولايات المتحدة.
وأشار المشروع إلى إدانات وأحكام سابقة بحق عدد من الأفراد المرتبطين بفروع مختلفة للمجلس، إضافة إلى إدراجات وتصنيفات دولية وقرارات صادرة عن بعض الولايات الأمريكية ودول عربية.
كما لفت إلى أن المجلس «أقام علاقات مع منظمات بما في ذلك حماس وجماعة الإخوان وجماعات متطرفة أخرى، في حين كان يعمل تحت ستار منظمة غير ربحية، مستفيداً من وضعه الضريبي».
وفي هذا السياق، رأى النجار أن نجاح أي تحرك أمريكي في هذا الاتجاه يتطلب تنسيقاً كاملاً بين المؤسسات والهيئات الأمريكية المختلفة، سواء على المستوى التشريعي أو التنفيذي أو القانوني.
وأضاف أن تصنيف جماعة الإخوان تنظيماً إرهابياً على المستوى الفيدرالي يمثل خطوة أساسية لا غنى عنها، نظراً لما يترتب عليه من آثار قانونية تتيح للسلطات تنفيذ إجراءات لاحقة بصورة أكثر فاعلية.
وأوضح أن أي قرارات تستهدف مؤسسات أو كيانات مرتبطة بالإخوان قد تواجه محاولات اعتراض أو طعوناً قانونية من جانب الجماعة أو حلفائها داخل الولايات المتحدة، وهو ما يستدعي وجود إطار قانوني وتشريعي متكامل يساند هذه الإجراءات.
وأشار إلى أن الجماعة تمتلك شبكة من الحلفاء والداعمين داخل عدد من المؤسسات والمنظمات الأمريكية، الأمر الذي قد يدفعها إلى استخدام الأدوات القانونية والسياسية المتاحة لمحاولة تعطيل أو إبطاء تنفيذ أي قرارات تستهدفها.
وختم النجار بالتأكيد على أن ما يجري حالياً يمثل بداية مرحلة جديدة عنوانها الانتقال من النقاشات والتقارير إلى إجراءات عملية تستهدف مصادر التمويل والبنية التنظيمية المرتبطة بالإخوان داخل الولايات المتحدة.