سياسة

أنقرة – واشنطن: رأب الصدع؟

الأربعاء 2018.11.7 07:10 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 321قراءة
  • 0 تعليق
د. سمير صالحة

شهدت العلاقات التركية الأمريكية في الأشهر الأخيرة أكثر من اختبار في مسألة الولاء والوفاء لمتطلبات الشراكة والالتزام بالتعهدات المعلنة منذ مطلع الخمسينيات في إطار أكثر من حلف سياسي وعسكري واقتصادي.

ملفات خلاف وتضارب مصالح ثنائية وإقليمية كثيرة باعدت بين أنقرة وواشنطن، وحولت النقاشات إلى هجمات وحملات سياسية وإعلامية متبادلة. الأزمة السورية وتشعباتها كانت وما زالت تحظى بحصة الأسد في التوتر خصوصاً أنها مرتبطة بأكثر من ملف إقليمي ودولي يعني البلدين. واشنطن تصر على الوصول إلى ما تريده في سوريا سياسياً وأمنياً خصوصاً في شمال وشرق البلاد، حيث يسيطر حليفها المحلي الكردي على ربع مساحة سوريا ويتحكم بأهم مصادر الطاقة السورية ويجلس أمام نقاط الحدود السورية التركية والسورية العراقية. وأنقرة تقول إن خياراتها وبدائلها هناك ما زالت كثيرة مع روسيا وإيران، وإشراك فرنسا وألمانيا في قمة إسطنبول الأخيرة. مصطلح "الشراكة النموذجية" الذي روج له الأتراك والأمريكيون في علاقاتهم، اصطدم بمقولة "الرد الاستباقي" التركي في سوريا في العامين الأخيرين فتحولت المسألة إلى اصطفافات واصطفافات مضادة ما زالت قائمة حتى اليوم.

بدأت أنقرة تقتنع أكثر فأكثر أن مصير علاقاتها بواشنطن في سوريا مرتبط مباشرة بالتفاهمات الأمريكية الروسية وليس بتفاهماتها هي مع أمريكا. وأنقرة أيضا بدأت تقبل حقيقة أن تنظيم القمم واللقاءات شيء ومسألة رسم خارطة سوريا السياسية والدستورية والأمنية الجديدة شيء آخر.

باختصار الذي تعاني منه تركيا الآن هو تمسك الإدارة الأمريكية بكل خياراتها السورية وعدم التخلي عن حلفائها هناك رغم كل ما يقال في أنقرة عن التحول في الموقف الأمريكي، وبدء عودة العلاقات إلى سابق عهدها بشكل تدريجي. دوريات تركية – أمريكية مشتركة في إطار تفاهمات مدينة منبج تنطلق قبل أيام، وفي الوقت نفسه تفاجئ واشنطن الأتراك بدوريات أمنية ثنائية تشرف عليها هي بالتنسيق مع قوات سوريا الديمقراطية في المنطقة.

الإعلام التركي يردد يومياً أن التقارب الأخير بين الرئيسين الأمريكي والتركي سيكون مقدمة لصفحة جديدة من العلاقات لكن واشنطن تقول إن أنقرة هي التي أعطتها ما تريده في موضوع الإفراج عن القس برانسون، وقبلت أن تتعامل مع الأمر الواقع دون صفقات أو مساومات، فالمصرفي التركي هاقان أتيللا الذي تطالب به أنقرة ما زال سجيناً، وفتح الله كولن وجماعته ما زالا يحظيان بالرعاية والحماية الأمريكية، وترامب وفريق عمله لن يتراجعا كما يبدو عن قرار التمسك بقوات سوريا الديمقراطية كرأس حربة في خططهما السورية.

بين الحقائق أيضاً هو استغلال البعض لحالة التجاذب السياسي والحزبي الداخلي الذي تعيشه تركيا والذهاب في شهر مارس/آذار المقبل لانتخابات محلية تهدد قوة حزب العدالة والتنمية وتفرده في السلطة، حيث تخلى حليفه وشريكه حزب الحركة القومية عنه، وقرر خوض الانتخابات منفرداً مما يقلب حسابات الرئيس التركي رأساً على عقب.

 تركيا التي تخلت عن سياسة عدم الانجرار إلى تدخل عسكري مباشر في سوريا نراها اليوم تضع السياسة الأمريكية في مقدمة الأهداف الواجب مواجهتها في شمال وشرق سوريا، ونراها تردد كل يوم أن حملتها العسكرية في شرق الفرات باتت جاهزة باتجاه تل أبيض وعين عرب، فهل من المعقول أن تسمح واشنطن بعملية عسكرية تركية من هذا النوع في مركز ثقلها العسكري والسياسي وضد حليفها الكردي؟

أنقرة تقول إن طبول الحرب التركية التي تقرع مجدداً على مقربة من الخط الحدودي الفاصل بين تركيا وسوريا في شرق الفرات هدفها حليف واشنطن في سوريا، وواشنطن تقول إنها لن تسمح بعرقلة خطة الحرب على تنظيم داعش حتى ولو كان المعني حليفها التركي.

أنقرة تصر على تعطيل أي مشروع أمريكي في شمال سوريا لكنها تتجاهل ما تقوله واشنطن حول الملف السوري ومسار الحلول والقمم الأخيرة، وألا تفريط بحساباتها ومصالحها السورية خصوصاً أن أنقرة لا تريد أن تتراجع عن منظومة التحالفات التي بنتها مع روسيا وإيران في سوريا.

لا يمكن لتركيا أن تلوح بخارطة تحالفات إقليمية جديدة خارج النفوذ والدور الأمريكي، وأن تظل تردد أن علاقاتها بواشنطن هي محمية منذ عقود ومن الصعب زعزعتها.

بدأت أنقرة تقتنع أكثر فأكثر أن مصير علاقاتها بواشنطن في سوريا مرتبط مباشرة بالتفاهمات الأمريكية الروسية وليس بتفاهماتها هي مع أمريكا. وأنقرة أيضاً بدأت تقبل حقيقة أن تنظيم القمم واللقاءات شيء ومسألة رسم خارطة سوريا السياسية والدستورية والأمنية الجديدة شيء آخر.

أنقرة لم تغادر أزمة الوقوف أمام خيارين صعبين في سوريا إعطاء واشنطن الكثير مما تريده في سوريا مقابل انتزاع بعض المطالب، أو إرضاء موسكو بشكل دائم في سوتشي والأستانة حتى لا تخرج من العرس بلا قرص.  

قمة إسطنبول لم تسجل أي خرق سياسي حقيقي في الملف السوري، رغم كل ما قيل حول خروجها ببيان ختامي يتحدث عن توافقات وتصورات باتجاه الحل في سوريا.

قد تكون أنقرة نجحت في إصدار بيان ختامي في قمة إسطنبول، يؤكد أهمية الحل السياسي للأزمة السورية. وقد تكون تركيا حصلت في موضوع إدلب على دعم أمريكي واضح، للوصول إلى ما تريده هناك. لكن هناك من يرى في تركيا أن ترامب حسم أمره بالبقاء في سوريا، بعد اختيار جيمس جيفري مبعوثاً خاصاً هناك. والأخير حدد 3 أهداف رئيسية لواشنطن في سوريا هي القضاء على تنظيم داعش، وعدم التخلي عن الحليف المحلي "قسد" بمثل هذه السهولة، وإخراج القوات الإيرانية والمليشيات التي تدعمها من سوريا. ما تريده واشنطن يتعارض في العمق مع ما تقوله أنقرة، والحديث عن تفاهمات تركية أمريكية جديدة في سوريا سابق لأوانه.

 عرضت الكثير من محطات التلفزة برنامجاً صباحياً للأطفال بهدف اكتشاف المواهب بين عمر الثالثة والسابعة. فكرة المسابقة الترفيهية هي أن يرفع الأطفال المشاركون لوحة خشبية تعطي علامة للمتسابقين بين واحد وعشرة. المشكلة الوحيدة في المسابقة أن اللوحات كلها كانت مجهزة بالرقم عشرة فقط. شهر العسل التركي الأمريكي أمام امتحان حقيقي صعب لن يقبل أحد أن يكون على مسافة واحدة من الآخرين وهو يريد حصته التي يستحقها دون نقصان.

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات