هناك أماكن يجمعها الجوار، وأماكن يجمعها التاريخ، لكن الخليج العربي يبدو من تلك الأماكن التي جمعها الإنسان أولًا.
فحين نتأمل هذه المنطقة، لا نجد أن ما يربطها هو البحر وحده، بل حياةٌ كاملة تشكلت على ضفافه؛ حياة تعلم فيها الناس أن الرزق رحلة، وأن الجار امتداد، وأن القرب لا يُقاس بالمسافات، بل بما يتركه الناس في بعضهم من أثر.
ولعل أكثر ما يلفت في هذه التجربة أن ما جمع أهل الخليج العربي لم يبدأ بقرار، ولا بصياغة اتفاق، بل بدأ بالحياة نفسها. فالإنسان يحتفظ بما هو أبقى من الوقائع؛ باللهجات التي يألفها، والعادات التي يعيشها، والوجوه التي تتكرر في ذاكرته، حتى يصبح الشعور بالألفة جزءًا من تكوينه.
ويخبرنا علم الإنسان أن الهوية ليست فكرةً تُولد دفعةً واحدة، بل تراكمٌ طويل تصنعه الحياة اليومية؛ تصنعه الأسواق، والقبائل، والمصاهرة، والأسفار، واللغة، والعادات، والذكريات الصغيرة، حتى تكتشف الأجيال أنها أصبحت جزءا من شخصيتها.
فلم تكن القبيلة في الخليج العربي رابطة نسب فحسب، بل فضاءً تُبنى فيه الثقة، وتُنقل عبره القيم، وتمتد من خلاله الروابط من واحة إلى أخرى، ومن ساحل إلى آخر. ولم تكن الأسواق أماكن للبيع والشراء وحدهما، بل فضاءات تتبادل فيها الأخبار، والأفكار، والثقافات.
فالخليج، في جوهره، ليس إقليمًا جغرافيًا فحسب، بل حالة إنسانية تشكلت عبر قرون من السفر والتجارة والبحر والترحال. وربما كانت أثمن حمولة خرجت من البحر ليست اللؤلؤ، بل شعورًا عتيقًا بأن الضفة الأخرى ليست بعيدة، مهما ابتعدت. فالسفن حملت البضائع والكلمات، والأغاني، واللهجات، والحكايات، والعادات، حتى غدت مدن الخليج العربي محطاتٍ في رواية واحدة. وحين ننظر إليه اليوم، فإننا لا ننظر إلى ست دول متجاورة، بل إلى بيت كبير تعددت غرفه، وبقي سقفه واحدًا.
ولعل هذا ما يفسر لماذا، حين يزور الخليجي بلدًا آخر في الخليج العربي، نادرًا ما يشعر بالغربة. ليس لأن كل شيء متشابه، بل لأن ما يجمع الناس أعمق من مظاهر الاختلاف. فاللهجات تتقارب، والمجالس تحمل الروح نفسها، وكأن الذاكرة سبقته إلى المكان؛ لأن ما يجمع البشر لا يُبنى في يوم، بل يتراكم حتى يصبح جزءًا من الفطرة الاجتماعية.
والخليج لا يحتاج إلى أن يتشابه كي يبقى واحدًا. فلكل دولة شخصيتها، وتجربتها، وإنجازاتها التي تفخر بها. لكن جمال هذه المنظومة أنها لم تبنِ وحدتها على التطابق، بل على احترام الاختلاف داخل الهوية الواحدة. وكما لا تتشابه أمواج البحر، لكنها جميعًا تنتمي إليه، كذلك دول الخليج؛ لكل منها لونها الخاص، لكنها جميعًا تنتمي إلى البحر ذاته.
وحين يسبق الإنسان المؤسسة بسنوات طويلة، تصبح المؤسسة اعترافًا بحقيقة، لا محاولةً لصناعتها.
ومن هنا، على أرض الإمارات العربية المتحدة، شكّلت قمة أبوظبي عام 1981 لحظةً فارقة في التاريخ الخليجي الحديث، انتقلت فيها الروابط التي نسجها الإنسان الخليجي عبر قرون من التلاقي، والتجارة، والمصاهرة، ووحدة المصير، إلى إطار مؤسسي يحفظها ويفتح أمامها آفاق المستقبل.
لقد جسّد تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية رؤية المغفور له، بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، وإخوانه قادة دول الخليج العربية، الذين أدركوا أن ما جمع شعوب المنطقة عبر القرون يستحق مؤسسةً تحمله إلى المستقبل. ولهذا جاء المجلس امتدادًا لذاكرة سبقته، وتجسيدًا لواقع عاشه الناس طويلًا قبل أن يجد تعبيره المؤسسي.
ولعل ما أشار إليه معالي الدكتور أنور قرقاش، حين استحضر البيت الشعري الشهير:
تأبى الرِماحُ إذا اجتَمَعنَ تكسُّرًا ... وإذا افترقنَ تكسَّرتْ آحادًا
يختصر جانبًا من هذه الفكرة؛ فالقوة تنمو عندما يجتمع المختلفون حول هدف واحد، مع احتفاظ كل منهم بخصوصيته. وهذا ما منح التجربة الخليجية فرادتها؛ فقد وسّعت مساحة ما يجمع، دون أن تُلقي ما يميز.
وأنا أنتمي إلى جيلٍ كان يردد أغنية «خليجنا واحد» قبل أن يدرك معناها الكامل. ومع مرور السنوات، اكتشفت أن الأغنية لم تكن تصنع شعورًا جديدًا، بقدر ما كانت تمنح صوتًا لشعور عاشه أهل الخليج العربي قبل أن يُكتب في كتاب، أو يُوثق في مؤسسة، أو يُردد في نشيد.
فبعض الأغاني لا تصنع الشعور، وإنما تمنحه صوتًا.
واليوم، ونحن نشهد ما حققته دول الخليج العربية من حضور اقتصادي، وثقافي، وعلمي متقدم، قد تبدو الإنجازات أول ما يلفت الانتباه. غير أن الإنجاز الأعمق يتمثل في حفاظ الإنسان الخليجي على شعورٍ بالانتماء نما مع الزمن، ولم تُبدده التحولات المتسارعة.
فالهوية لا تُقاس بما نقوله عنها، بل بما يبقى منها عندما تتغير الظروف. ومن هنا، يصبح السؤال: كيف نجعل وحدتنا أكثر عمقًا؟ كيف نبني جيلًا يرى في نجاح الدولة الخليجية الأخرى امتدادًا لنجاحه؟ وكيف نحافظ على الذاكرة المشتركة في زمن تتسارع فيه التحولات؟
الوحدة تبدأ في الإنسان، ثم في الأسرة، والمدرسة، والإعلام، والثقافة، وفي كل كلمة تزرع الانتماء بدل المقارنة، والجسور بدل الحواجز. ومسؤوليتنا لا تقتصر على الاحتفاء بأن خليجنا العربي واحد، بل تمتد إلى صون القيم التي جعلته كذلك؛ الثقة، والاحترام، ومعرفة الآخر، والإيمان بأن ما يجمع الإنسان أعمق من كل اختلاف.
ولعل أجمل ما في الخليج أنه لم يكن يومًا اسمًا على الخارطة فحسب، بل قصة شعب عرف أن البحر، مهما اتسع، لا يفصل بين من اعتادوا أن ينظروا إلى الأفق ذاته.
فالوحدة في الخليج العربي لم تكن يومًا شعارًا، بل طريقةً في العيش؛ ليست أجمل ما ورثناه عن الماضي فحسب… بل أثمن ما ينبغي أن نورثه للمستقبل.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة