يمكن النظر إلى إيران باعتبارها دولة هامشية يمكن عزلها عن معادلات الشرق الأوسط؛ فهي تتمتع بعمق تاريخي، وموقع جغرافي استراتيجي، وثقل سكاني واقتصادي، وتطل على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.
ولذلك، تبدو إيران، بحكم الجغرافيا لا بحكم سياسات نظامها، طرفاً لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات أمنية أو سياسية مستقبلية في المنطقة.
لكن المشكلة لم تكن يوماً في وجود إيران أو في مكانتها الطبيعية، بل في النظام الذي اختطف الدولة ووظّف إمكاناتها في مشروع أيديولوجي تصادمي. لقد تحولت دولة كان يمكن أن تكون شريكاً رئيسياً في التنمية والاستقرار إلى مصدر دائم للأزمات، حتى بدا النظام الإيراني كمرض سياسي خبيث تمددت آثاره في أكثر من دولة عربية عبر المليشيات والسلاح والخطابات الطائفية.
من هنا تبرز المفارقة إيران بحكم موقعها وثقلها دولة لا بد من التعامل معها، لكن نظامها أصبح شراً لا بد من ردعه واحتوائه. فالعلاقات الدولية لا تُبنى على الرغبات أو الانطباعات، وإنما على توازنات المصالح الوطنية. ولهذا يتأرجح التعامل الإقليمي والدولي مع طهران بين الردع الاستراتيجي من جهة، والمساعي الدبلوماسية لمنع الانفجار واحتواء الأزمات من جهة أخرى.
وفي قلب هذه المعادلة يقف الحرس الثوري الإيراني، فالحرس بالنسبة إلى النظام ليس مجرد مؤسسة عسكرية، ولا خياراً يمكن الاستغناء عنه، بل ضرورة وجودية وضمانة أساسية لاستمرار السلطة. إنه العمود الذي لا يستطيع النظام التخلي عنه، لأنه لا يحمي حدود الدولة بقدر ما يحمي بنية الحكم، ولا يدافع عن المصالح الوطنية بقدر ما يدافع عن المشروع الأيديولوجي للنظام.
وتقوم هذه المنظومة على خطاب أيديولوجي تصادمي لا يخدم السلم الإقليمي، بل يحتاج دائماً إلى عدو خارجي وإلى حالة مستمرة من التوتر لتبرير وجوده ونفوذه. ولذلك لا يتعامل الحرس الثوري مع دول المنطقة بوصفها دولاً ذات سيادة ومصالح مشروعة، وإنما بوصفها ساحات نفوذ أو أوراق ضغط في مواجهة خصومه.
الأخطر من ذلك هو تعامل النظام مع مضيق هرمز باعتباره ملكية سياسية أو عسكرية خاصة، وليس ممراً مائياً دولياً ترتبط به مصالح العالم. فقد أعلنت طهران إغلاق المضيق أمام السفن غير المصرح لها، في وقت استُخدمت فيه الهجمات البحرية والتهديدات لإرباك حركة الملاحة والضغط على المجتمع الدولي. هذا السلوك لا يشبه نهج دولة تبحث عن حلول سياسية، بل أقرب إلى أسلوب جماعة مسلحة تحتجز الممرات الدولية وتستخدم الاقتصاد العالمي رهينة لتحقيق مكاسب تفاوضية.
إن السيطرة الجغرافية على ضفة من مضيق هرمز لا تمنح النظام الإيراني حق التحكم في إرادة الدول أو ابتزاز السفن التجارية. كما أن امتلاك الصواريخ والمسيّرات لا يمنحه شرعية تحويل دول الخليج إلى ساحات لتصفية حساباته مع الولايات المتحدة أو غيرها. فالدولة المسؤولة تحمي الممرات الدولية، بينما تهددها العصابات المسلحة وتستخدم أمن المدنيين والتجارة والطاقة أدوات للضغط.
المعضلة الحقيقية إذن ليست في إيران بوصفها دولة عريقة وكبيرة، وإنما في سلطة الحرس الثوري التي اختزلت الدولة في مشروع عسكري عابر للحدود. وما دام الحرس يرى أمن النظام أهم من أمن المنطقة، ويعتقد أن الصواريخ والمليشيات وإغلاق الممرات البحرية أدوات مشروعة في السياسة، فستبقى إيران جزءاً من المشكلة بدلاً من أن تكون جزءاً من الحل.
المنطقة تحتاج إلى إيران مستقرة ومسؤولة، لا إلى نظام يقتات على الأزمات. وتحتاج إلى دولة تحترم سيادة جيرانها، لا إلى حرس ثوري يبني نفوذه فوق أنقاض الدول العربية. فإيران، بحكم الجغرافيا والتاريخ، حقيقة لا يمكن تجاوزها، أما سلوك النظام والحرس الثوري فليس قدراً محتوماً، ولا شراً ينبغي القبول به، بل خطر يجب ردعه حتى تعود الدولة إلى موقعها الطبيعي، وتتحرر المنطقة من منطق المليشيات والابتزاز.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة