لم تعد الجغرافيا وحدها كافية لحماية الدول؛ صار على السياسة أن تحمي الجغرافيا من الصواريخ، والميليشيات، وحروب الوكالة، ومشروعات تفكيك الدولة الوطنية.
ومن هذه الزاوية، تكتسب العلاقة بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة معناها الأعمق: فهي لم تعد مجرد علاقة بين دولتين شقيقتين، بل إحدى البنى التي يقوم عليها توازن الخليج وقدرة النظام العربي على حماية نفسه.
صنعت الجغرافيا بين البلدين مجالًا واحدًا، ورسخت الروابط الاجتماعية والتاريخية معنى الأخوة، ثم نقلت القيادتان هذه الروابط من الوجدان إلى المؤسسة، ومن حسن الجوار إلى الشراكة الاستراتيجية. لذلك لا تُختصر العلاقة في موقف عابر، ولا تهتز باختلاف في تقدير ملف. فالدول الكبرى قد تتباين في الوسائل، لكنها لا تفقد اتجاهها؛ لأن قوة العلاقة لا تُقاس بانعدام الاختلاف، بل بقدرتها على إبقائه داخل سقف المصير المشترك.
ومن يترقب كل تباين بين الرياض وأبوظبي بحثًا عن قطيعة، يقرأ الخبر ولا يقرأ التاريخ. قد يفرح بعض العابرين عندما يعطس أحد الأخوين، فيظنون أن المسيرة انتهت، غير أن العلاقات الحية لا تسقط عند أول اختبار؛ بل تستعيد توازنها وتستأنف طريقها بوعي أكبر. فما بناه الأجداد، ورعاه الآباء، ورسخته المصالح والمؤسسات، لا تهدمه حملات إعلامية ولا رهانات عواصم تستثمر في الفجوات لتعويض عجزها عن إنتاج نفوذ إيجابي.
ولم تكن حرب الثامن والعشرين من فبراير مجرد مواجهة عسكرية؛ كانت لحظة كاشفة أعادت تعريف مفهوم الأمن في الخليج. فقد أثبتت أن المجال الخليجي لا يواجه دولة تقليدية فحسب، بل مشروعًا عابرًا للحدود يوظف الدولة والميليشيا والإعلام والأذرع الأيديولوجية داخل منظومة واحدة. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد أمن أي دولة خليجية يُقاس بقدرتها المنفردة، بل بقدرة الإقليم كله على حماية سمائه وموانئه وممراته الحيوية.
هنا يظهر جوهر ما يمكن وصفه بـ«دولة الفقيه العابرة للحدود». فهي لا تكتفي بحدودها السياسية، بل تمد نفوذها عبر ما تسميه «جبهات الإسناد»، حيث تتوزع الوظائف بين الحوثيين في اليمن، وحزب الله في لبنان، وفصائل من الحشد الشعبي في العراق، وغيرها من الأذرع. ليست هذه الجبهات ساحات متفرقة، بل بنية ضغط واحدة: إنهاك الدولة الوطنية، وتشتيت الردع، وتهديد الملاحة، وتحويل المدن والممرات البحرية إلى أوراق ابتزاز.
وبمحاذاة السلاح، تتحرك جماعات الإسلام السياسي بخطاب ينازع الدولة الوطنية شرعيتها، ويستثمر الانقسامات، وينقل الولاء من الوطن إلى الجماعة أو المرجعية العابرة للحدود. ولا يجمع هذه التيارات تحالف تنظيمي واحد مع الميليشيات الطائفية، لكن بعضها يلتقي معها وظيفيًا في إضعاف الدولة، وتشويش الثقة، وفتح المجال أمام الفوضى.
في هذه اللحظة، اختارت المملكة المغربية وضوح الموقف. أدانت العدوان على دول الخليج والأردن، ولم تحتمِ باللغة الرمادية، بل ساهمت في تعزيز قدرات الدفاع الجوي والتعاون العسكري مع أشقائها الخليجيين. كما أثبتت المملكة الأردنية الهاشمية أن موقعها ليس هامشًا بين الخليج وبلاد الشام، بل عقدة استراتيجية في منع تمدد الميليشيات وتهريب السلاح وإعادة تشكيل الإقليم بالقوة.
وهنا تتجاوز المسألة التضامن الظرفي إلى سؤال أعمق: من يحمي الدولة الوطنية؟ ومن يرفض تحويل الميليشيا إلى شريك فوق الدولة؟ ومن يدرك أن الاعتداء على دولة عربية ليس شأنًا محليًا، بل اختبارًا لمعنى الأمن المشترك؟
ولا تُقاس قيمة التوافق السعودي–الإماراتي بما تضيفه دولة إلى أخرى، فكلتاهما ركيزة قائمة بذاتها، تمتلك ثقلًا سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا وحضورًا عربيًا ودوليًا مؤثرًا. وإنما تكمن قيمة هذا التوافق في أن اجتماعهما يصنع مجالًا استراتيجيًا عربيًا أكثر مناعة، ويمنح الخليج قدرة أوسع على حماية مصالحه، ويحول دون تحوله إلى فراغ تتنافس على ملئه القوى الإقليمية ومشروعات الميليشيات. فالقوة هنا ليست حاصل جمع دولتين، بل ثمرة إدراك مشترك لمعنى الدولة والسيادة والتنمية والأمن.
تدخل المنطقة زمن الكتل الكبرى، لا زمن الدول المنعزلة. وفي هذا الزمن، يصبح التوافق بين الرياض وأبوظبي أكثر من شراكة؛ يصبح خط دفاع عن فكرة الدولة، وعن أمن الخليج، وعن حق العرب في أن يصنعوا خريطتهم بدل أن ترسمها لهم الصواريخ وجبهات الإسناد.
كتبت الجغرافيا الفصل الأول من العلاقة، ومنحها التاريخ عمقها، وأعطتها الدولة الحديثة مؤسساتها، ثم جاءت تحديات الإقليم لتثبت ضرورتها. ولذلك لم يعد التوافق السعودي–الإماراتي شأنًا يخص دولتين شقيقتين فحسب، بل أصبح أحد أعمدة الاستقرار العربي؛ لأن الفراغ الذي قد ينشأ من غيابه لن تملأه الدول، بل ستملؤه الميليشيات والمشروعات العابرة للحدود.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة