ثقافة

فنانون يخرجون من أنقاض الموصل لاستعادة الحياة الثقافية العراقية

الأربعاء 2018.10.31 12:25 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 330قراءة
  • 0 تعليق
فنانون يخرجون من أنقاض الموصل لاستعادة الحياة الثقافية العراقية

فنانون يخرجون من أنقاض الموصل لاستعادة الحياة الثقافية العراقية

أول شيء فعله عازف العود العراقي المعروف فاضل البدري، بعد طرد تنظيم داعش الإرهابي، من مدينته الموصل، هو البحث عن آلاته الموسيقية. 

وكان "البدري" مطلوبا من جانب تنظيم داعش الإرهابي، الذي كان يُحرّم الفن أثناء فترة سيطرته على المدينة، التي استمرت 3 سنوات بين 2014 و2017، وكان يعاقب ويقتل الموسيقيين والشعراء، حيث اختبأ بعد أن أخفى آلاته الموسيقية. 

وبعد هزيمة تنظيم داعش الإرهابي على يد القوات العراقية والكردية وتحالف بقيادة الولايات المتحدة، استخرج "البدري" آلاته وعانقها وقبّلها كما لو كانت أولاده، وعزف وسط الأنقاض أغنية خاصة للموصل. 

وقال عازف العود العراقي: "طلعت الآلات الموسيقية، أجيت عليهم، دوزان (ضبط) مال الآلات نزل الدوزان، طلعت العود بوستهم (قبلتهم)، حضنتهم كأنهم أطفالي، فأول شيء حتى اللي كانوا موجودين معي قالوا لي معقولة هذا الشوق للموسيقى؟. قلت هذه روحي وحياتي. طلعت الآلات الموسيقية، دوزنت (ضبطت) الكمان وعزفت مقطوعة موسيقية، وعزفتها خاصة لمدينة الموصل. مقطوعة موسيقية كانت جميلة جداً بس بها تحمل شجن وحزن وآلام اللي قضيتها بذيك (بتلك) الفترة عبرت بها بهاي المقطوعة الموسيقية". 


ويوم السبت 28 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، حضر البدري وموسيقيون ونشطاء آخرون أول حفل تحييه أوركسترا في المدينة الواقعة شمال العراق منذ هزيمة المتشددين بها قبل أكثر من عام. 

ولاقى آلاف حتفهم في تلك المعركة، بينما فر عشرات الآلاف من المدينة، وبينهم "البدري" نفسه الذي فر لفترة. 

وعزف الموسيقيون في حديقة كان المسلحون يدربون فيها أطفالا ليصبحوا جنوداً. وتردد صوت الموسيقى، التي كانت مزيجا من موسيقى كلاسيكية غربية وأخرى عراقية، على ضفاف نهر دجلة. 

وقاد الحفل الفنان كريم وصفي، القائد السابق لفرقة أوركسترا بغداد، حيث عزفت فرقة فارابي أوركسترا الزائرة إلى جانب موسيقيين محليين. ويرأس وصفي مؤسسة السلام من خلال الفن. 


وقال كريم وصفي: "من خلال الموسيقى والقوى الناعمة نتمكن أن تجاوز مؤثرات هذه الملمات، وهذه العقبات التي أثرت بشكل مباشر على الحياة المدنية، وعلى الحياة الفكرية، وعلى الحياة الثقافية ، حتى الحياة الاقتصادية العادية". 

ويحتفى بالموصل منذ فترة طويلة كمركز للثقافة العراقية، لكن تلك الحياة تغيرت حتى قبل إعلان تنظيم داعش الإرهابي سيطرته عليها عام 2014. فقد فرض تنظيم القاعدة حظراً على الموسيقى في المدينة في أعقاب الغزو الذي قادته الولايات المتحدة في عام 2003، ولا يكاد أحد يتذكر متى سمع آخر مرة موسيقى حية تُعزف في الموصل. 

وأوضح علي البارودي، الأستاذ في كلية الآداب بجامعة الموصل، أن تنظيم داعش الإرهابي واصل حملة القمع الثقافي في الموصل ففجر التماثيل ودمر الآثار. 

وقال: "لم يبق من الثقافة في الموصل إلا اسمها أو على الأقل بشكل علني، لأننا كنّا نمارس الثقافة بشكل سري، هناك فرق موسيقية كانت تتمرن على الموسيقى تحت داعش بشكل سري، تبادل الكتب والأفلام والموسيقى، هذه الأمور لم ننقطع عنها وإن كانت هناك مخاطرة ليست بالهينة، ولكن نحن نتنفس الثقافة والموسيقى وشتى صنوف الأدب". 

وأضاف البارودي: "الموصل فقدت هويتها، فقدت معالمها، فقدت الآلاف من أبنائها، والبعض منهم لا يزال تحت الركام. هذه الحملات تعطينا بصيص أمل، حتى لا أُبالغ، هذه الحملات لن تقوم بحل جميع المشاكل بين عشية وضحاها، ولكن على الأقل نشعر بأننا لسنا وحدنا في الطريق، وأن هناك ضوءا في آخر النفق". 

وينتمي "البارودي" لمجموعة من الفنانين والناشطين الذين تحدوا المخاوف بشأن التعرض لهجمات جديدة، ونظموا أسواقا أسبوعية للكتب ومعارض تصوير فوتوغرافي ورسموا جداريات في حركة نهضة للثقافة بالمدينة. 

وفي العام الماضي، أسهم في إطلاق حملة كتاب دولية لتعويض مليون كتاب أحرقها تنظيم داعش الإرهابي في مكتبة جامعة الموصل، وهي واحدة من أهم المكتبات بالمنطقة. 

وافتُتح مركز ثقافي جديد، هو مقهى قنطرة الثقافي، في شرق الموصل في مارس/ آذار، الذي يرحب بالرجال والنساء، وبه مكتبة عامرة بالكتب وينظم ورش قراءة وعروضا موسيقية. 

وتعرض على جدرانه لوحات وصور فوتوغرافية لتاريخ الموصل الثري ودمارها حديثا. ويصور أحد الجدران جرائم تنظيم داعش الإرهابي، ويعرض بذلة صفراء من التي يرتديها المعتقلون، فضلاً عن أصفاد وصحيفة وبطاقة هوية. 

ولم تشهد كل المؤسسات الثقافية في الموصل نهضة جديدة. 


فقد كانت المكتبة المركزية في جامعة الموصل، وهي مركز أبحاث يضم مخطوطات نادرة بينها سجلات حكومية يعود تاريخها إلى العصر العثماني، هي الوحيدة التي لم يلحقها أذى تنظيم داعش الإرهابي، رغم أنها كانت تستخدم كقاعدة. 

وأخفى أمناء المكتبة النصوص الأكثر قيمة، وأُلقي بعدد 20 ألف كتاب في الطابق السفلي. وبعد تحرير شرق الموصل، تمكن موظفو المكتبة من إنقاذ ما استطاعوا من هذه لكتب وتكديسها على رفوف مؤقتة. 

لكن نظراً لعدم وجود نوافذ ووجود ثقوب في السقف، لا تزال المكتبة مغلقة، وأصبحت قاعاتها التي كانت تعج بالباحثين من الطلاب، مغطاة بالغبار الآن. 

وقال مدير مكتبة الموصل المركزية، جمال أحمد، إن أرصدة مالية خُصصت لإصلاح المكتبة لكن جهود الإصلاح الحكومية توقفت. 

وأضاف: "قامت جهات من محافظة نينوى بترميمها، والترميم ما كمل، يعني بقت كتير من الشغلات ما تم إكمالها، بقي العمل غير مكتمل. حاليا المكتبة بحاجة إلى ترميم من أي جهة كانت، سواء كانت منظمة أو أي جهة حكومية، وبحاجة إلى تغيير الخزانات أو الدواليب التي تضم الكتب، الرفوف نسميها".

تعليقات