تغييرات بسيطة في نمط حياتك تمنع 4 أنواع سرطان
كشفت دراسة جديدة للوكالة الدولية لأبحاث السرطان ومنظمة الصحة العالمية، أنه يمكن تجنب أكثر من 7 ملايين إصابة بالسرطان عبر الوقاية.
هل يمكن تخيل عالم خالٍ من السرطان؟
ورغم أن هذا الهدف يبدو أقرب إلى الطموح المثالي، فإن عددًا متزايدًا من العلماء والمختبرات البحثية يأمل في الوصول خلال العقود المقبلة إلى عالم يخلو من السرطانات غير القابلة للعلاج، وفقاً لصحيفة "لوفيجارو الفرنسية.
ويشهد هذا المجال بالفعل طفرة علمية كبيرة، مع ظهور علاجات جديدة قد تُحدث تغييرًا جذريًا في أساليب العلاج المعتمدة حاليًا.
وأوضحت الصحيفة الفرنسية أن هامش التقدّم لا يقتصر على تطوير أدوية جديدة أو استراتيجيات مناعية مبتكرة، إذ تُظهر الأبحاث أن الوقاية لا تزال أحد أكثر الأسلحة فاعلية.
فبحسب دراسة حديثة شملت 36 نوعًا من السرطان في 185 دولة، أجرتها الوكالة الدولية لأبحاث السرطان ومنظمة الصحة العالمية، فإن ما يقارب أربعة من كل عشرة أنواع من السرطان حول العالم ترتبط بعوامل خطر معروفة وقابلة للتعديل. وقد نُشرت نتائج الدراسة في إحدى المجلات الطبية العلمية في الثالث من فبراير 2026.
وعند إسقاط هذه النسبة على العدد الإجمالي للإصابات الجديدة، الذي يبلغ نحو 19 مليون حالة سرطان سنويًا عالميًا، يتبيّن أن أكثر من سبعة ملايين إصابة يمكن نظريًا تفاديها عبر سياسات وقائية فعّالة.
السرطان… بين الصدفة والعوامل القابلة للتحكم
ومن الناحية البيولوجية، يمكن تشبيه السرطان بـ«يانصيب قاتم». ففي كل لحظة، تنقسم خلايانا ويتضاعف الحمض النووي، وقد تحدث أخطاء خلال هذه العملية. وغالبًا ما تمر هذه الأخطاء دون عواقب، لكن بعضها قد يساهم، مع مرور الوقت، في تحوّل الخلايا الطبيعية إلى خلايا سرطانية تتكاثر وتُخلّ بوظائف الجسم.
ومع التقدم في العمر، تتراكم هذه التغيرات الجينية، فيزداد خطر الإصابة. غير أن الصدفة ليست العامل الوحيد في هذه المعادلة. فليست جميع الأفراد متساوين في نقطة الانطلاق؛ إذ يتمتع بعض الأشخاص، بسبب تركيبتهم الوراثية أو تاريخهم العائلي، بمخاطر أعلى للإصابة بالسرطان.
إضافة إلى ذلك، تلعب السلوكيات اليومية والبيئة المحيطة دورًا حاسمًا في زيادة أو تقليل احتمال الإصابة، ما يجعل الوقاية عنصرًا أساسيًا في الحد من انتشار المرض.

التبغ… عامل الخطر الأبرز
يؤكد خبراء الصحة العامة أن مسألة تحديد العلاقة السببية في علم الوبائيات تظل دائمًا محل نقاش. ومع ذلك، يشير متخصصون إلى أن هذه الدراسة اعتمدت فقط على عوامل مسرطِنة تحظى بإجماع علمي واسع، ما يمنح نتائجها درجة عالية من الموثوقية.
وعلى المستوى العالمي، يبرز التبغ كعامل الخطر الأهم، إذ يتسبب بأكثر من 15% من حالات السرطان في العالم. ورغم تراجع معدلات التدخين في بعض الدول، مثل فرنسا، فإن نسب الاستهلاك لا تزال مرتفعة.
ويرتبط التدخين، إلى جانب سرطان الرئة، بنحو عشرين نوعًا آخر من السرطان، تشمل الجهاز التنفسي والجهاز الهضمي والجهاز البولي.
ويوضح خبراء أن المدخن يستنشق يوميًا عشرات المواد الكيميائية التي قد تبدو غير ضارة بجرعات ضئيلة، لكنها تصبح مع تراكمها في الجسم مواد شديدة الضرر وقد تكون قاتلة.
الكحول والعدوى في مراتب متقدمة
على الصعيد العالمي، تأتي العدوى في المرتبة التالية بعد التدخين كعامل خطر للإصابة بالسرطان، خصوصًا تلك المرتبطة ببكتيريا المعدة الحلزونية في سرطان المعدة، أو بفيروس الورم الحليمي البشري في سرطان عنق الرحم.
ويشير الخبراء إلى أن هذا الواقع أكثر مأساوية في ظل توفر وسائل فعالة للوقاية، مثل اللقاحات. ففيروس الورم الحليمي البشري وحده مسؤول عن نحو 700 ألف إصابة جديدة بالسرطان سنويًا حول العالم، رغم توفر لقاح فعّال وسهل الوصول نسبيًا.
أما في فرنسا، حيث تمثل السرطانات القابلة للوقاية نحو 33% من إجمالي الحالات، فيحتل الكحول المرتبة الثانية، إذ يتسبب في نحو 28 ألف تشخيص جديد سنويًا، رغم أن نسبته عالميًا لا تتجاوز 3.2% من إجمالي السرطانات.
السمنة… تهديد متصاعد
في معظم الدول المتقدمة، تتقدّم السمنة على الكحول كعامل خطر رئيسي. وتشير التوقعات متوسطة المدى إلى اتجاهات مقلقة، إذ ترتبط السمنة بالاستهلاك المفرط للأغذية فائقة المعالجة الغنية بالسكريات والدهون، إضافة إلى الإفراط في تناول اللحوم الحمراء، ما يؤثر على التوازن البكتيري في الأمعاء.
كما أن تراكم الدهون في الجسم يؤدي إلى إفراز مواد مسرطِنة، ما يزيد من خطر الإصابة بأنواع متعددة من السرطان.
الوقاية… قرارات اليوم لنتائج الغد
وتظهر المعرفة الدقيقة بأسباب السرطان أن وضع سياسات وقائية فعّالة يمكن أن يحقق نتائج ملموسة. وغالبًا ما تذكر أستراليا نموذجًا ناجحًا، حيث أدت مخاطر الأشعة فوق البنفسجية المرتفعة إلى إطلاق حملات توعية واسعة شملت التحذير من التعرض للشمس، والتشجيع على استخدام واقيات الشمس وارتداء الملابس الواقية.
ويرى الخبراء أن تحسين جودة البيانات الصحية وتوحيدها عالميًا سيساعد على تحديد عوامل الخطر بدقة أكبر، وترتيب الأولويات، وتوجيه الاستثمارات نحو الوقاية الأكثر تأثيرًا.
ورغم أن السرطان مرض يتطور ببطء ولا يثير استجابات فورية كما تفعل الأوبئة، فإن اتخاذ قرارات حاسمة اليوم يمكن أن يخفف مستقبلاً العبء الصحي والاقتصادي بشكل كبير.