فن

"Bandersnatch".. دراما تفاعلية لمُشَاهد بدرجة مخرج وسيناريست

الإثنين 2018.12.31 03:17 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 219قراءة
  • 0 تعليق
"Bandersnatch".. دراما تفاعلية لمُشَاهد بدرجة مخرج وسيناريست

"Bandersnatch".. دراما تفاعلية لمُشَاهد بدرجة مخرج وسيناريست

بعد أن أكدت "نيتفلكس" حضورها المتميز في ميدان التلفزيون غير الخطي خلال العام 2018 بإنتاج وعرض أكثر من 550 مادة من المحتوى الترفيهي المختلف، رفعت من خلالها رصيد مشتركيها بما يتجاوز 27 مليون مشترك جديد، يغادر عملاق البث الأمريكي ساحة الصراع التقليدية التي تعدها "ديزني" لتشعل فيها المنافسة مطلع العام 2019 على سوق تقديم خدمة الترفيه عبر الإنترنت، ليعلن انطلاقته الجديدة من حيث لا أحد سواه، إذ بدأت بالتأسيس لمرحلة جديدة من سرد القصص التفاعلية درامياً، من خلال حلقة خاصة من الموسم الجديد لمسلسل " Black Mirror" جاءت بعنوان "Black Mirror: Bandersnatch".

ومن شأن التجربة الجديدة لـ"نيتفلكس" أن تحدث تحولاً في صناعة الدراما التلفزيونية، بالاستفادة من التسارع الدراماتيكي للتطور التكنولوجي والتقني في العالم، سواء على صعيد كتابة النصوص الدرامية أو مسار حكاياتها أو آليات التلقي، إذ يقوم مبدأها التفاعلي على إشراك المشاهد في الأحداث التي تجري أمامه على الشاشة، ليصير جزءاً فاعلاً فيها على النحو المشابه لفاعلية مخرجها وكاتبها، وذلك من خلال منحه القدرة على توجيه الأحداث والاختيار بالنيابة عن أبطالها وبالتالي تغيير مسار حبكتها، على نحو ستختلف تفاصيل الحكاية ذاتها بين مشاهد وآخر.


تدور أحداث "Bandersnatch" في بريطانيا خلال عام 1984، حول مبرمج صغير السن، يدعى "ستيفان" يصمم لعبة فيديو مقتبسة من روايته المفضلة في طفولته، لصالح شركة تكنولوجيا خاصة بألعاب الفيديو، يعمل فيها مصمم شهير يدعى كولن ريتمان، يعده ستيفان ملهماً له.

 لكن الأمور سرعان ما تأخذ المبرمج الشاب نحو منحنى سيئاً أثناء ابتكار اللعبة وتطويرها، إذ يبدأ الشاب الصغير بالتشكيك في الواقع ونوايا الناس من حوله.


ويظهر دور المشاهد التفاعلي في "Bandersnatch"من خلال تحكمه في حبكة الأحداث، حيث يمكن له عبر جهاز التحكم عن بعد، أو من خلال الشاشة التي تعمل باللمس، اختيار واحد من احتمالين يتعلقان ببطلها "ستيفان" في أكثر من موضع في الحكاية، بما يؤثر في تحديد أي مسار ستمضي به حبكة الحكاية، وتمنح "نيتفلكس" 10 ثوان للمشاهد ليختار الاحتمال الذي يراه مناسباً، وإلا ستقوم هي بالاختيار نيابة عنه.


الخيارات التي أتاحتها “نيتفليكس" لمشاهدي "Bandersnatch" صممت على نحو تصاعدي من حيث تأثيرها في حرف مسار الحكاية نحو مسارب درامية جديدة، وعلى نحو ترفع فيه، تدريجياً، درجة ثقة المشاهد بقدرته على التحكم بمفاصل اللعبة الدرامية وخيارات بطلها ستيفان، ولتحقيق ذلك تبدأ بطرح خيارات تفاعلية للمشاهد تتعلق بتفاصيل حياتية بسيطة كأن تطلب منه أن يختار نوع الحبوب التي على ستيفان أن يتناولها عند الإفطار، أو اسم الألبوم الموسيقي الذي سيشتريه المبرمج الشاب.


 وسرعان ما تتنقل لعبة السرد التفاعلية بالمشاهد إلى خيارات أكثر تعقيداً من شأنها أن تغير في مسار الحكاية على نحو جذري هذه المرة، فعلى سبيل المثال يسأل صاحب شركة برمجة ألعاب الفيديو ستيفان إن كان يرغب بتطوير لعبته في مقر الشركة إلى جانب ملهمه كولن باتمان، ليختار المشاهد بين موافقة ستيفان على العمل بالشركة التي لطالما حلم بالعمل فيها أو الرفض، وبناء على خيار المشاهد هذا ستبني الحبكة مسارها، في مفصل حاسم من سرد الحكاية يدور حديث بين ستيفان الطبيبة النفسية التي تعالجه عن مشاكله المستجدة من تعاظم عقدة الذنب لديه بأنه كان السبب بموت أمه، وعندها تسأله الطبيبة إن كان يود الحديث عما حدث بالضبط، وبطبيعة قواعد اللعبة التفاعلية سيكون على المشاهد أن يختار بالنيابة عن ستيفان، لكن الخيار هذه المرة من شأنه أخذ الحكاية نحو عوالم مختلفة تماماً، رغم بساطة الطلب.


الخيارات سرعان ما تتعقد وتصير قاسية ليس على البطل وحده وإنما على المشاهد أيضاً، ففي أحد المشاهد، على سبيل المثال، يتخيل ستيفان أنه قتل والده، وعلى المشاهد أن يختار بين تقطيع الجثة أو دفنها في الحديقة.

 في كل مرة ثمة مقترح حكائي جديد، هو صدى لخيارات المشاهد، الأمر الذي يجعل "Bandersnatch" تجربة فريدة من نوعها له، ورغم أن نيتفلكس تقول إن للعمل خمس "نهايات رئيسية" مختلفة، إلا أنني كمشاهد بلغت واحدة منها كنتيجة لخياراتي، ضمن ما يقارب 80 دقيقة، وربما بلغ مشاهد ثان نهاية أخرى مختلفة بوقت أقل أو أكثر نتيجة لخياراته الخاصة أيضاً، مع العلم أن المشاهد يمكن أن يتابع "Bandersnatch" من دون أن يتدخل في خيارات "ستيفان" ووقتها ستستغرق الحكاية نحو 40 دقيقة فقط للوصول إلى النهاية.

المثير أن "Bandersnatch" يعترف، ضمنياً، في حواراته ومسارات أبطاله أنه يوهم المشاهد بما يسميه "مفهوم الإرادة الحرة" ويمنحه خيارات عدة، ولكن القرار في النهاية هو لصانعيه.. يقول ستيفان لطبيبته، تعليقاً على التفاصيل المتعلقة بآلية عمل لعبة الفيديو التي يعمل على تطويرها: "لدينا وهم الإرادة الحرة، ولكن في الواقع أنا أقرر النهاية".


 الأمر مشابه لما فعلت نتيفلكس في إنتاجها لـدراما "Bandersnatch"، إذ قامت بتصوير 250 مقطع فيديو، بما يعادل خمس ساعات من العرض لتغطية مصفوفة الاحتمالات المختلفة للمشاهد، ولكن أيا كانت خيارات المشاهد فهو يختار بالنهاية مما اختارته نتيفلكس بالأساس، بمعنى أن خيار المشاهد هو خيارها بالمحصلة.


الصورة بالمجمل تؤكد أننا أمام دراما غير تقليدية تحتوي على قدر أكبر من الترفيه ودرجة أعلى من الإبداع، إذ تمنح المشاهد درجة عالية من حرية التفاعل مع شخصيات الحكاية وتوجيهها، على نحو مشابه تقريباً لآلية تحكم المستخدم بشخصيات ألعاب الفيديو التقليدية، وفي الوقت ذاته يتيح هذا الشكل التفاعلي لصانعي الدراما فرصة إثراء حكاياتهم واستعراض قدرتهم في تقديم حبكات مختلفة للأبطال أنفسهم ضمن الشرط الزماني والمكاني ذاته.


في هذا الشكل التفاعلي من الدراما لا مكان للدخلاء، والبقاء فقط للأقوى، والقوة هنا تقاس بعدد المقاطع التي يمكن لصانعي هذه الدراما أن يقترحوها لتغطي مصفوفة خيارات المشاهد التفاعلية، وكلما تشعبت هذه المصفوفة كان أصحابها أقوى.

تعليقات