سياسة

ما بعد جدة... تعثر الوساطات والتفاف على الحقائق

الخميس 2017.7.13 02:39 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 551قراءة
  • 0 تعليق

كشفت المحادثات التي جرت في جدة خلال الساعات الأخيرة عن جملة من الحقائق التي يجب الانتباه إليها؛ وهي أن الكويت ما تزال تتمسك بوساطتها وأنها لم تعلن بعد انتهاء أو فشل الوساطة، ولكن من الممكن أن تتطور الوساطة في الفترة المقبلة برغم فشل الوساطة الأمريكية في تحريك المشهد من جانب، وتمسك الجانب القطري بالمرواغة وعدم الإنصات لصوت العقل من جانب آخر، وفي ظل التأكيد على امتلاكه للخيارات المتعددة وليس خيار واحد كما يتصور البعض، وإن كانت الإدارة الأمريكية ولحسابات معينة فضلت الدفع بوزير الخارجية وليس مستشار الأمن القومي أو مبعوث من الإدارة؛ على اعتبار أن وزير الخارجية الأمريكي ريكس تليرسون وجه معروف في منطقة الخليج على أنه رجل أعمال سابق وليس الرجل الأول في وزارة الخارجية فقط، التي انحازت منذ البداية للموقف القطري والبحث عن طوق نجاة للجانب القطري، فكان مقترح مذكرة التفاهم الأمني بين الولايات المتحدة وقطر التي رفضتها الدول الأربع، كما رفضت في السياق العام عدة مقترحات بشأن إبرام مذكرات تفاهم جماعية أو فردية، وطالبت الدول العربية بتعهدات مكتوبة ومواقف مباشرة وتوجهات معلنة، وفقا لما سبق وأعلنته في القاهرة، وتكرر في الاتصالات المباشرة في جدة مؤخرا. 

ستستمر الحالة القطرية على ما هي عليه في إطار حرب تكسير العظام، التي لن تجرؤ قطر اقتصاديا وماليا على الاستمرار فيها، وليبقَ المشهد مفتوحا بما في ذلك للتغيير السياسي من الداخل أو نقل الملف دوليا لتبدأ إجراءات عقاب قطر في الأمم المتحدة

ومن المتوقع أن تدخل الدول الغربية تباعا، ليس فرنسا فقط وإنما ستعاود كل من بريطانيا وألمانيا تدخلها من جديد، وهو ما يعكس بالفعل اهتماما غربيا غير مسبوق بالأزمة القطرية وتداعياتها، كل وفق حساباته ومصالحه التي يريد الحفاظ عليها في ظل تواضع دور بعض القوى الأخرى مثل روسيا والصين، كما بقي الموقف التركي الإيراني على ما هو عليه بصرف النظر عن الإعلان عن وصول قوات تركية إضافية لقطر، ومن المحتمل أن تترجم المواقف الغربية الصاعدة في الدعوة لمؤتمر دولي تدعو إليه الولايات المتحدة في حال إعلان فشلها أو تجمد الوساطة لحين تكشف أفق جديد، ووقتها سيكون الحل إما في دفع بعض الأطراف الأوروبية ومنها فرنسا أو ألمانيا للقيام بدور المراقب لأي أنشطة محتملة بناء على مطلب الدول الأربع المقاطعة، وهو ما قد يقود لإبرام سلسلة اتفاقيات أمنية جديدة في الإقليم في حال بدء تفكك الأزمة والتعامل الأوربي الأمريكي مع تبعاتها، بما في ذلك التعامل مع الشرط العربي المباشر بتحجيم التعامل القطري مع إيران، والبدء في تفكيك ارتباط دعم الإخوان المسلمين مع إبعاد عدد من القيادات الموجودة على لائحة الدول المقاطعة، وإسقاط شرط التعويضات المالية المقترحة، على أن يكتفى بإعادة تقييم وتوجيه الخطاب السياسي والإعلامي لقناة الجزيرة .

وسيتحرك الجانب الغربي من الآن فصاعدا في اتجاه احتواء النزاع الدائر عبر طرح آليات مبتكرة لا تتوقف أمام طرح الدلائل والقرائن، مع إغلاق الملف الخاص بعمليات التمويل لجماعات متطرفة، والذي قد يطول البعض، بما في ذلك طرح المصالح الجديدة لكل من تركيا وإيران حال استمرار الأزمة، وما يمكن أن يستفيداه من تداعياتها في المدى القصير . 

سيكون أمام الإدارة الأمريكية إما الدعوة لجولة مفاوضات جديدة في واشنطن أو خارجها، وإما الدعوة لمؤتمر دولي حول الحالة القطرية بأكملها، وفي حال تمسك الجانب العربي بمواقفه وعدم قبوله بأية وساطات جديدة فقد يترك وزير الخارجية الأمريكي تليرسون المهمة للجانب الكويتي من جديد لبدء مسار التفاوض، مع ترك أطراف أوروبية أخرى تتحرك مثل الجانبين الفرنسي أو البريطاني مع الاكتفاء بدور ألماني في أي ترتيبات سياسية أو أمنية جديدة، ومن ثم فإن الأزمة سترحل إلى مسارات جديدة ولن تتوقف. 

السؤال، وماذا عن موقف الرئيس الأمريكي الذي لم يغرد ولم يعد يظهر في واجهة الأحداث، وترك الأمر لوزارة الخارجية لتقرر؟ هل معنى هذا أن الإدارة ستترك الأزمة بكل تداعياتها، ولن تتحرك بالفعل على أي مستوى في حال فشل المسار الراهن، وهو أمر متوقع في ظل تعدد الوساطات وبصورة كبيرة، مما قد يمثل إشكالية حقيقية في التفاعل مع السيناريو القادم والذي سيتعامل مع الوقائع على الأرض في ظل ما تملكه دول المقاطعة العربية، التي لم ولن تقدم على تقديم تنازلات في هذا التوقيت، خاصة وأن الولايات المتحدة تدرك أن الدول المقاطعة تملك من الدلائل والحقائق الكثير، وهو ما قد يطال الجميع بما فيها الولايات المتحدة ودول أوروبية دخلت على الخط مؤخرا، من أجل البحث عن حل سياسي عاجل وإلا فإن الأمر سينفتح على سيناريوهات عدة، ولن يتوقف على قطر بمفردها التي باتت تدرك أن مشروعها السياسي الراهن في المنطقة وخارجها انتهى بالفعل، وأن علاقاتها الخارجية بالتنظيمات الإرهابية سيحجم مهما كانت الخيارات والبدائل التي ستنتهي إليها الأزمة الحالية، والتي ستحتاج لوقائع وشواهد للحسم بعيدا عن العناد السياسي التي تمارسه قطر في هذا التوقيت، واعتمادا على أسلوب المناكفة والإشغال السياسي للعالم بتفاصيل مطولة؟ 

سيعاود الجميع وساطته من الولايات المتحدة نجاحا أو فشلا، وفرنسا التي تبحث عن موقع في الأزمة وألمانيا التي تريد دورا في أي ترتيبات أمنية مقترحة بين الدول العربية وقطر وبريطانيا التي تتوق للعودة إلى الخليج حيث مصالحها السياسية والاستراتيجية الجديدة بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي، إضافة للمصالح الاقتصادية الكبيرة، وستستمر الحالة القطرية على ما هي عليه في إطار حرب تكسير العظام التي لن تجرؤ قطر اقتصاديا وماليا على الاستمرار فيها، وليبق المشهد مفتوحا بما في ذلك للتغيير السياسي من الداخل أو نقل الملف دوليا لتبدأ إجراءات عقاب قطر في الأمم المتحدة، وهو خيار تم ونجح في مفاوضات إيران النووية، وهو قابل للتكرار بصرف النظر عن تباين الحالة الراهنة مع مثيلتها الإيرانية

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات