عودة عائلة بايدن «تربك» الديمقراطيين وتنعش خلافات 2024
فيما يبذل الحزب الديمقراطي جهوداً مكثفة لإعادة ترتيب صفوفه استعداداً للاستحقاقات الانتخابية المقبلة وتقديم جيل جديد من القيادات السياسية، عادت عائلة الرئيس السابق جو بايدن إلى دائرة الضوء، مما أثار تساؤلات وقلقاً داخل أوساط الحزب.
ووفقا لصحيفة نيويورك تايمز، يرى كثير من الديمقراطيين أن هذه العودة قد تعيد إحياء نقاشات وخلافات مؤلمة ارتبطت بانتخابات عام 2024، بدلاً من مساعدة الحزب على تجاوزها والانطلاق نحو المستقبل.
وجاءت أبرز مظاهر هذه العودة خلال مشاركة بايدن في فعالية حزبية بمدينة سيوكس فولز بولاية داكوتا الجنوبية، حيث ألقى خطاباً يعد من أكثر خطاباته السياسية حدة منذ مغادرته البيت الأبيض.
وهاجم الرئيس السابق خلفه دونالد ترامب بشدة، واصفاً إياه بأنه "الأكثر فساداً في تاريخ الولايات المتحدة"، كما سخر من عدد من السياسات والمشروعات المرتبطة بالإدارة الحالية، مستعيداً نبرة المواجهة السياسية التي طبعت حملاته الانتخابية السابقة.
أسبوع أعاد العائلة إلى دائرة الاهتمام
لم تقتصر العودة على الرئيس السابق وحده، بل شملت أفراد العائلة كافة تقريباً. فقد أعادت السيدة الأولى السابقة جيل بايدن إطلاق حملتها الترويجية لكتابها، متناولةً في أحاديثها العلنية الأشهر الأخيرة من رئاسة زوجها وما رافقها من أحداث وخلافات.
وأثارت بعض تصريحاتها جدلاً واسعاً بعدما تعارضت مع روايات مسؤولين سابقين في الإدارة الديمقراطية، ما دفعها إلى الرد بشكل مباشر على منتقديها عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي.
في المقابل، عاد هانتر بايدن إلى النشاط الإعلامي من خلال منصة "إكس"، حيث نشر سلسلة من التعليقات والآراء التي مزجت بين السخرية السياسية والإشارات إلى تجاربه الشخصية السابقة. وقد لاقت بعض مداخلاته تفاعلاً ملحوظاً حتى من أطراف لا تُعد تقليدياً ضمن قاعدة مؤيدي العائلة الديمقراطية.
كما أعلن جو بايدن نفسه عن استمراره في العمل على مذكراته المرتقبة، وهو ما عزز الانطباع بأن العائلة تسعى إلى استعادة حضورها في النقاش العام الأمريكي بعد فترة من الغياب النسبي.
تحفظات داخل الحزب الديمقراطي
ورغم الحفاوة التي لا يزال يحظى بها بايدن لدى قطاع من أنصاره، فإن عودته لم تلق ترحيباً كاملاً داخل الحزب الديمقراطي. فالكثير من القيادات والكوادر الحزبية ترى أن التركيز مجدداً على إرث إدارة بايدن وقضايا العمر والصحة والجدل الذي سبق انتخابات 2024 قد يصرف الأنظار عن التحديات الراهنة التي يواجهها الحزب.
ويعتقد منتقدو هذه العودة أن الحزب بحاجة إلى توجيه اهتمامه نحو بناء قيادة جديدة وصياغة خطاب سياسي قادر على استقطاب الناخبين في المستقبل، بدلاً من إعادة فتح ملفات الماضي.
كما أن الجدل الذي رافق انسحاب بايدن من السباق الرئاسي وما أعقبه من صراعات داخلية لا يزال يمثل جرحاً سياسياً لم يلتئم بالكامل بالنسبة لكثير من الديمقراطيين.
مشهد رمزي يعكس تغير الزمن
حملت فعالية داكوتا الجنوبية دلالات رمزية لافتة. فالرجل الذي شغل يوماً أقوى منصب سياسي في العالم وجد نفسه يخاطب جمهوراً محدوداً في قاعة متواضعة داخل فندق محلي بعيداً عن المراكز السياسية والإعلامية الكبرى.
وقد بدا واضحاً أثر التقدم في العمر والتحديات الصحية على الرئيس السابق، سواء من خلال بطء حركته أو بحة صوته أثناء إلقاء الخطاب.
ومع ذلك، أظهر الحضور قدراً كبيراً من التقدير والوفاء للرئيس السابق، إذ تعامل كثيرون معه بوصفه شخصية تاريخية تركت بصمتها على السياسة الأمريكية. لكن هذا التقدير ترافق أيضاً مع شعور واقعي بأن المرحلة السياسية التي مثلها بايدن قد أصبحت جزءاً من الماضي أكثر من كونها مشروعاً للمستقبل.
بين إرث الماضي وهيمنة الحاضر
اختتم بايدن كلمته بتجديد تحذيراته بشأن مستقبل الديمقراطية الأمريكية، وهي الرسالة التي شكلت محوراً أساسياً في خطابه السياسي خلال السنوات الأخيرة. غير أن المفارقة التي بدت واضحة للحاضرين تكمن في أن الرئيس السابق، الذي لطالما اعتبر ترامب ظاهرة سياسية عابرة، يقف اليوم خارج مركز السلطة، بينما يواصل خصمه فرض حضوره على المشهد السياسي الأمريكي.
وتعكس عودة عائلة بايدن إلى الواجهة حالة معقدة يعيشها الحزب الديمقراطي بين الرغبة في الحفاظ على إرث أحد رؤسائه وبين الحاجة إلى تجاوز مرحلة سياسية مثيرة للانقسام.
وبينما يواصل أفراد العائلة الدفاع عن سجلهم السياسي واستعادة روايتهم للأحداث، يبقى السؤال مطروحاً حول ما إذا كانت هذه العودة ستسهم في تعزيز موقع الديمقراطيين أم أنها ستعيد إحياء خلافات يفضل كثيرون داخل الحزب تركها خلفهم.
