سياسة

"الأخوة الإنسانية".. الإمارات تجمع الشرق والغرب بوثيقة تاريخية

الإثنين 2019.2.4 10:07 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 417قراءة
  • 0 تعليق
قداسة البابا فرنسيس وفضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب

قداسة البابا فرنسيس وفضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب

من قلب "أبوظبي" عاصمة التعددية والحياة الكريمة، وقف مئات الملايين حول العالم، متابعين حدثا تاريخيا تحتضنه دولة الإمارات العربية المتحدة بتوقيع وثيقـة الأخوة الإنسانية من أجل السلام العالمي والعيش المشترك. 

أما طرفا التوقيع فهما قداسة البابا فرنسيس بابا الكنيسة الكاثوليكية، وفضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف، الصادرة عن "المؤتمر العالمي للأخوة الإنسانية"، الذي ينظمه مجلس حكماء المسلمين برعاية الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة.

باسم الأزهر والكنيسة الكاثوليكية

من منطلق المسؤولية الدينية والأدبية، وعبر وثيقة الأخوة الإنسانية، افتتح الأزهر الشريف ومن حوله المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها والكنيسة الكاثوليكية ومن حولها الكاثوليك من الشرق والغرب، الوثيقة بإعلان تبني ثقافة الحوار والتعاون المشترك، والتعارف المتبادل بين الأزهر والكنسية.


مطالب عاجلة لقادة الدول

وطالبت الوثيقة قادة العالم وصناع السياسات الدولية والاقتصاد العالمي، بالعمل جديا على نشر ثقافة التسامح والتعايش والسلام، والتدخل فورا لإيقاف سيل الدماء البريئة، ووقف ما يشهده العالم حاليا من حروب وصراعات.

وتوجهت الوثيقة للمفكرين والفلاسفة ورجال الدين والفنانين والإعلاميين والمبدعين في كل مكان بضرورة إعادة اكتشاف قيم السلام والعدل والخير والجمال والأخوة الإنسانية والعيش المشترك، والتأكيد على أهميتها كطوق نجاة للجميع.


ونبهت الوثيقة إلى أن القفزات التاريخية الكبرى للحضارة والعلم حاليًا شهدت معها تراجعًا للأخلاق الضابطة للتصرفات الدولية، والقيم الروحية والشعور بالمسؤولية؛ مما أسهم في نشر شعور عام بالإحباط والعزلة واليأس، ودفع الكثيرين إلى الانخراط إما في دوامة التطرف الإلحادي واللاديني، أو في دوامة التطرف الديني والتشدد والتعصب الأعمى.

حرب عالمية ثالثة

وحذرت وثيقة الأخوة الإنسانية من أن التاريخ يؤكد أن التطرف الديني والقومي والتعصب قد أثمر في العالم، سواء في الغرب أو الشرق، ما يمكن وصفه ببوادر "حرب عالمية ثالثة على أجزاء"، بدأت تكشف عن وجهها القبيح في كثير من الأماكن، وعن أوضاع مأساوية لا يعرف - على وجه الدقة - عدد من خلفتهم من قتلى وأرامل وثكالى وأيتام.

وأعادت الوثيقة التحذير من وجود أماكن أخرى يجري إعدادها حاليًا لمزيد من الانفجار وتكديس السلاح وجلب الذخائر، في وضع عالمي تسيطر عليه الضبابية وخيبة الأمل والخوف من المستقبل، وتتحكم فيه المصالح المادية الضيقة.


وشددت على أن الأزمات السياسية الطاحنة والظلم وافتقاد عدالة التوزيع للثروات الطبيعية التي يستأثر بها قلة من الأثرياء ويحرم منها السواد الأعظم من شعوب الأرض قد أنتجت وتنتج أعدادا هائلة من المرضى والمعوزين والموتى، وأزمات قاتلة تشهدها كثير من الدول.

صمت عالمي ورفض ديني

ودقت الوثيقة جرس إنذار تجاه ما أسمته بـ"الصمت العالمي غير المقبول" أمام هذه الأزمات التي تجعل ملايين الأطفال يموتون جوعا، وتتحول أجسادهم من شدة الفقر والجوع إلى ما تشبه الهياكل العظمية البالية.

وطالبت بإيقاظ الحس الديني والحاجة لبعثه مجددا في نفوس الأجيال الجديدة عن طريق التربية الصحيحة والتنشئة السليمة، والتحلي بالأخلاق والتمسك بالتعاليم الدينية القويمة لمواجهة النزعات الفردية والأنانية والصدامية، والتطرف والتعصب الأعمى بكل أشكاله وصوره.


واعتبرت الوثيقة أن هدف الأديان الأول والأهم هو الإيمان بالله وعبادته، وحث جميع البشر على الإيمان بأن هذا الكون يعتمد على إله يحكمه، هو الخالق الذي أوجدنا بحكمة إلهية، وأعطانا هبة الحياة لنحافظ عليها، هبة لا يحق لأي إنسان أن ينزعها أو يهددها أو يتصرف بها كما يشاء. 

وأمام ذلك، أدانت كل الممارسات التي تهدد الحياة، كالإبادة الجماعية، والعمليات الإرهابية، والتهجير القسري، والمتاجرة بالأعضاء البشرية، والإجهاض، وما يطلق عليه الموت "اللا رحيم"، والسياسات التي تشجعها.

وثائق عالمية سابقة

وتمسكت وثيقة الأخوة الإنسانية باعتمادها على كل ما سبقها من وثائق عالمية نبهت إلى أهمية دور الأديان في بناء السلام العالمي، مؤكدة القناعة الراسخة بأن التعاليم الصحيحة للأديان تدعو إلى التمسك بقيم السلام وإعلاء قيم التعارف المتبادل والأخوة الإنسانية والعيش المشترك، وتكريس الحكمة والعدل والإحسان، وإيقاظ نزعة التدين لدى النشء والشباب.

وشددت على أن الحرية حق لكل إنسان: اعتقادا وفكرا وتعبيرا وممارسة، وأن التعددية والاختلاف في الدين واللون والجنس والعرق واللغة حكمة لمشيئة إلهية، قد خلق الله البشر عليها، وجعلها أصلا ثابتا تتفرع عنه حقوق حرية الاعتقاد، وحرية الاختلاف، وتجريم إكراه الناس على دين بعينه أو ثقافة محددة، أو فرض أسلوب حضاري لا يقبله الآخر.


وجددت الوثيقة تأكيدها أن العدل القائم على الرحمة هو السبيل الواجب اتباعه للوصول إلى حياة كريمة، يحق لكل إنسان أن يحيا في كنفها، وأن الحوار والتفاهم ونشر ثقافة التسامح وقبول الآخر والتعايش بين الناس، من شأنه أن يسهم في احتواء كثير من المشكلات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والبيئية.

وبحسب الوثيقة، فإن الحوار بين المؤمنين يعني التلاقي في المساحة الهائلة للقيم الروحية والإنسانية والاجتماعية المشتركة، واستثمار ذلك في نشر الأخلاق والفضائل العليا التي تدعو إليها الأديان، وتجنب الجدل العقيم.

حماية دور العبادة

واعتبرت الوثيقة أن حماية دور العبادة، من معابد وكنائس ومساجد، واجب تكفله كل الأديان والقيم الإنسانية والمواثيق والأعراف الدولية، وكل محاولة للتعرض لدور العبادة، واستهدافها بالاعتداء أو التفجير أو التهديم، هي خروج صريح عن تعاليم الأديان، وانتهاك واضح للقوانين الدولية.

وطالبت بوقف دعم الحركات الإرهابية بالمال أو بالسلاح أو التخطيط أو التبرير، أو بتوفير الغطاء الإعلامي لها، واعتبار ذلك من الجرائم الدولية التي تهدد الأمن والسلم العالميين، ويجب إدانة ذلك التطرف بكل أشكاله وصوره.


وركزت على أن ضرورة ترسيخ مفهوم المواطنة الكاملة، والتخلي عن الاستخدام الإقصائي لمصطلح "الأقليات" الذي يحمل في طياته الإحساس بالعزلة والدونية، ويمهد لبذور الفتن والشقاق، ويصادر على استحقاقات وحقوق بعض المواطنين الدينية والمدنية، ويؤدي إلى ممارسة التمييز ضدهم.

ووفقًا الوثيقة، فإن العلاقة بين الشرق والغرب ضرورة قصوى لكليهما، لا يمكن الاستعاضة عنها أو تجاهلها، ليغتني كلاهما من الحضارة الأخرى عبر التبادل وحوار الثقافات؛ فبإمكان الغرب أن يجد في حضارة الشرق ما يعالج به بعض أمراضه الروحية والدينية التي نتجت عن طغيان الجانب المادي، كما بإمكان الشرق أن يجد في حضارة الغرب كثيرا مما يساعد على انتشاله من حالات الضعف والفرقة والصراع والتراجع العلمي والتقني والثقافي.

حقوق المرأة والطفل والمسنين

وقدمت وثيقة الأخوة الإنسانية اعترافًا صريحًا بحق المرأة في التعليم والعمل وممارسة حقوقها السياسية باعتباره ضرورة ملحة، وكذلك وجوب العمل على تحريرها من الضغوط التاريخية والاجتماعية المنافية لثوابت عقيدتها وكرامتها، ويجب حمايتها أيضا من الاستغلال الجنسي ومن معاملتها كسلعة أو كأداة للتمتع والتربح.

ودعت إلى وقف كل الممارسات اللاإنسانية والعادات المبتذلة لكرامة المرأة، والعمل على تعديل التشريعات التي تحول دون حصول النساء على كامل حقوقهن.


وفيما يتعلق بالأطفال، فطالبت بمراعاة حقوقهم الأساسية في التنشئة الأسرية، والتغذية والتعليم والرعاية، باعتباره واجبا على الأسرة والمجتمع، وعدم حرمان أي طفل في أي مكان، وأن تدان أية ممارسة تنال من كرامتهم أو تخل بحقوقهم، وكذلك ضرورة الانتباه إلى ما يتعرضون له من مخاطر، خاصة في البيئة الرقمية، وتجريم المتاجرة بطفولتهم البريئة، أو انتهاكها بأي صورة من الصور.

وأكدت الوثيقة أن حماية حقوق المسنين والضعفاء وذوي الاحتياجات الخاصة والمستضعفين ضرورة دينية ومجتمعية يجب العمل على توفيرها وحمايتها بتشريعات حازمة وبتطبيق المواثيق الدولية الخاصة بهم. 

تعهد ثنائي

ومن خلال التعاون المشترك بين الكنيسة الكاثوليكية والأزهر الشريف، تعهد الطرفان بالعمل على إيصال هذه الوثيقة إلى صناع القرار العالمي، والقيادات المؤثرة ورجال الدين في العالم، والمنظمات الإقليمية والدولية المعنية، ومنظمات المجتمع المدني، والمؤسسات الدينية وقادة الفكر والرأي، والسعي لنشر ما جاء بها من مبادئ على المستويات الإقليمية والدولية كافة، وترجمتها إلى سياسات وقرارات ونصوص تشريعية، ومناهج تعليمية ومواد إعلامية.

وتعهدت الكنيسة والأزهر بأن تصبح هذه الوثيقة موضع بحث وتأمل في جميع المدارس والجامعات والمعاهد التعليمية والتربوية، لتساعد على خلق أجيال جديدة تحمل الخير والسلام، وتدافع عن حق المقهورين والمظلومين والبؤساء في كل مكان.


واختتمت وثيقة الأخوة الإنسانية بنودها بالدعوة للمصالحة والتآخي بين جميع المؤمنين بالأديان، بل بين المؤمنين وغير المؤمنين، وكل الأشخاص ذوي الإرادة الصالحة لتكون نداء لكل ضمير حي ينبذ العنف البغيض والتطرف الأعمى، ولكل محب لمبادئ التسامح والإخاء التي تدعو لها الأديان وتشجع عليها، وتكون وثيقتنا شهادة لعظمة الإيمان بالله الذي يوحد القلوب المتفرقة ويسمو بالإنسان، وتكون رمزا للعناق بين الشرق والغرب، والشمال والجنوب، وبين كل من يؤمن بأن الله خلقنا لنتعارف ونتعاون ونتعايش كإخوة متحابين.

تعليقات