"الجيتو".. رأس مال الإخوان "المظلم"
تكاثر وامتداد وتشابك في العلاقات الاجتماعية، عبر تكرار المصاهرة، رأس مال مظلم لجماعة الإخوان المصنفة إرهابية، تكشفه باحثة مصرية، وتشبهه بـ"الجيتو".
فقد خلصت الدراسة التي أعدها المركز المصري للفكر والدراسات والاستراتيجية بالقاهرة، عن دور الأبعاد الاجتماعية في فهم وتحليل نشاط التنظيمات الإرهابية وجماعة "الإخوان" إلى أن التنظيم يوظف الروابط الاجتماعية وعلاقات النسب والمصاهرة من أجل تعزيز نفوذه، وتوفير منظومة متكاملة لإعادة إنتاج الإرهاب وتوريث منظومته من جيل لآخر.
ملامح رأس المال "المظلم"
وكشفت تقى النجار، الباحثة بالمركز المصري للفكر والدراسات والاستراتيجية بالقاهرة في حديث خاص لـ"العين الإخبارية"، عن ملامح من دراستها الجديدة التي حملت عنوان "رأس المال الاجتماعي المظلم: جماعة الإخوان نموذجًا".
وتطرقت النجار في الدراسة إلى كيفية استغلال التنظيم الإخواني لـ"رأس المال الاجتماعي" وتشكيل الأُسر الأيديولوجية والبيولوجية؛ لإنشاء كيانات موازية خاصة بها، تسعى لتكون بديلًا للدولة والمجتمع بالنسبة لأفرادها، إضافة إلى تدشين تنظيم هرمي يعتمد على القناعات الأيديولوجية وشبكة من الروابط الاجتماعية.
وذهبت إلى أن تلك الاستراتيجية امتدت إلى أوروبا؛ مما خلق تهديدًا للدول الأوروبية نتيجة لرفض تلك المجتمعات الموازية لفكرة "الاندماج" داخل المجتمع الأوروبي.
الباحثة المصرية في وحدة الإرهاب بالمركز اعتبرت أن "رأس المال الاجتماعي للإخوان وفر منظومة متكاملة لإعادة إنتاج الإرهاب وتوريث منظومتها الفكرية من جيل لآخر".
تعزيز نفوذ التنظيم
وشددت الباحثة تقى النجار على أنه "لا يمكن تفسير تحركات وسلوك جماعة الإخوان بمعزل عن الروابط الاجتماعية التي دشنتها، إذ سعت الأولى إلى توظيف الأخيرة من أجل تعزيز نفوذها".
ولفتت إلى أن تعزيز النفوذ جرى عبر التوسع في إقامة علاقة النسب والمصاهرة بين أعضائها من جهة، وربطهم داخل شبكة من العلاقات الاجتماعية من جهة أخرى، فأصبح البناء الاجتماعي للجماعة هو الركيزة الأولى لهيكلها التنظيمي.
هذا التشابك -تقول الباحثة- مكن الجماعة من نشر أفكارها المتطرفة داخل فضائها الاجتماعي، فضًلا عن زيادة تماسكها وصعوبة اختراقها، ولاسيما في ضوء وجود رصيد مشترك من الثقة والهوية الجماعية بين أعضائها.
وشددت "النجار" على الحاجة الماسة لضرورة التركيز على الأبعاد الاجتماعية في فهم وتحليل نشاط التنظيمات الإرهابية بصفة عامه، وجماعة "الإخوان" بصفه خاصة.
أسر أيديولوجية وبيولوجية
وفي دراستها التي اطلعت عليها "العين الإخبارية"، تؤكد النجار أن تنظيم الإخوان أدرك فاعلية الروابط الاجتماعية من أجل بناء كيانه التنظيمي؛ لذلك اتخذ عددا من الخطوات لتفعيل العلاقات والروابط الاجتماعية بين عناصرها، لربط العضو اجتماعيًا وتنظيميًا بها عبر دمجه في الأسر الأيديولوجية أو البيولوجية.
وارتباطا بهذا الطرح – تضيف النجار - أصبح لرأس المال الاجتماعي جوانب سلبية ومظلمة نجحت جماعة "الإخوان" في توظيفها والاستثمار فيها.
وتوضح الباحثة في دراستها مفهوم الأسر الأيديولوجية، قائلة: "سعى حسن البنا منذ تأسيسه جماعة الإخوان إلى وضع الإطار الإداري والهيكل السياسي لها، عبر تدشينه نظام الأسر لإحكام السيطرة على الجماعة من جهة، وترسيخ المنهج الأيديولوجي والتنظيمي لعناصرها من جهة أخرى".
وأوضحت تشرح ذلك بالقول: "تتكون الأسرة لدى تنظيم الإخوان من 5 إلى 10 أفراد، وتترابط كل مجموعة من الأسر لتكون شعبة، وتجتمع كل مجموعة من "الشُّعَب" لتكوّن "منطقة"، إلى آخر التشكيلات الإخوانية".
وفي هذا الهيكل يتولى إدارة "الأسرة" شخص يسمى "النقيب" وهو المسئول عن الإعداد الأيديولوجي والتربوي والثقافي لأفراد الأسرة، بجانب مسئوليته عن تقييم الأعضاء وتحديد مستواهم من أجل تصعيدهم من مرحلة إلى أخرى.
التزاوج الإخواني منذ البنا
أما عن الأسر البيولوجية، فقد أدرك "البنا" أهمية علاقات النسب لتعريز الروابط بين عناصر التنظيم، إذ كانت المصاهرة من أهم آليات بناء الجماعة، فضلًا عن كونها عاملًا هامًا في زيادة تماسكها وتعضيد نفوذها، وفقا للنجار.
وتضرب الباحثة المصرية أمثلة منذ تأسيس بصور من البناء الاجتماعي، بزواج البنا نفسه من (الصولي)، التي تُعد من كبرى العائلات في الإسماعلية، ثم تعزز هذا التوجه خلال فترة الستينيات نتيجة وجود عدد من أعضاء الجماعة في السجون، مما أتاح لهم فرصه التعارف وإقامة علاقات النسب بينهم، إلى أن استمر إلى وقتنا هذا.
تطرقت الباحثة بالمركز المصري للفكر والدراسات والاستراتيجية إلى ما وصفته بـ"ظاهرة التزاوج الإخواني"، قائلة: "لا يُمكن غض الطرف عن الدور الذي يلعبه قسم (الأخوات)، إذ يُعد من أهم أدواره تعزيز ودعم شبكة الجماعة الاجتماعية".
ونوهت بأن جماعة "الإخوان" استخدمت الروابط الاجتماعية من أجل تحقيق أهدافها، حيث إنها أطلقت تسمية الأسر على خلايا التنظيم؛ لإضفاء البعد الإنساني والاجتماعي عليها، بعد أن وظفت تلك الكيانات من أجل نشر أيديولوجيته المتطرفة، ومن جانب آخر استغلت الدور الطبيعي للأسر البيولوجية من أجل جعلها النواة الفعلية للجماعة.
دوافع شتى
تطرقت الباحثة المصرية إلى الدوافع المتعددة للإخوان لنهج استخدام الروابط الاجتماعية وأبرزها؛ سهولة التجنيد لا سيما مع وجود تشابه في الخلفيات الاجتماعية والنسق القيمي والمعرفي للأفراد، "كما تعطي العلاقات الوطيدة بين الأفراد فرصة للتعرف على السمات الشخصية ونقاط الضعف والقوة بها، مما يُمثل مدخًلا هامًا في عملية الاستقطاب والتجني".
كما سعى التنظيم من منهجه هذا إلى "زيادة تماسك الجماعة وصعوبة اختراقها، لا سيما في ضوء وجود رصيد مشترك من الثقة والهوية الجماعية بينهم، الأمر الذي يؤدي إلى تعزيز الشعور بالمسئولية لدى كل فرد من أفرادها، فضلًا عن توسيع مساحات الأمان وحرية الحركة"، وفقا للنجار.
ومن بين الأهداف الأخرى للتنظيم:"صعوبة الاختراق، حيث تقلل الروابط الاجتماعية وعلاقات النسب والمصاهرة من تعاون الأفراد مع الأجهزة الأمنية نتيجة لوجود إرث اجتماعي ونفسي مشترك من ناحية، ووجود عاطفة تحول دون إلحاق الضرر بالأقارب والأصدقاء من جهة أخرى".
وخلصت الباحثة من هذا الطرح، إلى أن رأس المال الاجتماعي يمثل داخل التنظيمات الإرهابية – نوعا ما - تحديًا لأجهزة الأمن والاستخبارات نتيجة لصعوبة اختراقها.
جيتو الإخوان
كما أبرزت الدراسة أن الجماعة تسعى إلى تكوين مجتمعات مغلقة لعناصرها، عبر جعل الجميع داخل التنظيم مرتبطين ومتشابكين بفعل تأسيس نسق اجتماعي يوحدهم، الأمر الذي من شأنه تكوين مجتمعات شبيهة بـ"الجيتو" (مجتمع منعزل) يشعر أعضاؤها بأنهم مختلفون عن باقي أفراد المجتمع، مع الإحساس بالتميز والنقاء الفكري والعقائدي المتوهم.
وقالت إنه بالرغم من أهمية العوامل الأيديولوجية والسياسية والاقتصادية في فهم الظاهرة الإرهابية، لا يمكن فصل البعد الاجتماعي عن الأبعاد الثلاثة الأخرى، خاصة مع قيام العوامل الاجتماعية بدور بارز في عملية التجنيد وتعزيز الانتماء للجماعة، إذ يُعد الكيان الاجتماعي هو القاعدة الأساسية للبناء التنظيمي.
خلل تنظيمي
ولمحت إلى إساءة جماعة "الإخوان" توظيف العلاقات الاجتماعية داخلها ساهم في إحداث خلل تنظيمي داخلي، بعد أن تم إسناد المناصب القيادية بها لأهل الثقة ممن تربطهم علاقات عائلية بالقيادات.
وهو ما دللت عليه الباحثة بأن أهم محددات دخول مكتب الإرشاد، هو علاقات النسب والصداقة الشخصية، فكانت العلاقات الاجتماعية مدخلًا رئيسيًا للترقي داخلها، مما أسفر عن حدوث انشقاقات اعتراضًا على هذا النهج.
وتبرز الباحثة أن من آثار المجتمعات المغلقة التي دشنتها الجماعة والتي قامت على مفهومي الحاكمية والجاهلية تفشي حالة "العزلة الشعورية" بين أعضائها، وذلك لقناعتهم بأنهم وحدهم من يمثلون الدين، فهم طبقًا لرؤيتهم الذاتية أفضل من باقي المجتمع؛ الأمر الذي ترتب عليه انفصالهم الشعوري الكامل عن المجتمع المصري، وهو ما يفسر احتفاء عناصر الجماعة بأي فاجعة تصيب المصريين، وحسرتهم حال قيام الدولة المصرية بتحقيق نجاحات وإنجازات.
الإرهاب السلالي
وختمت الباحثة المصرية دراسة بالوصول إلى أن رأس المال الاجتماعي للإخوان وفر منظومة متكاملة لإعادة إنتاج الإرهاب، وتوريث منظومتها الفكرية من جيل لآخر.
وبرهنت في سبيل دعم الفرضية على إعطاء نماذج عديدة في هذا الصدد، ضاربة المثال بعبدالفتاح إسماعيل، وعائلته، بعد أن حُكم عليه بالإعدام في قضية (تنظيم 65)، غير أن أبناءه وأحفاده أكملوا مسيرته في التطرف، إذ أسس ابنه خلية تكفيرية، وبايعت ابنته "أمل إسماعيل" تنظيم "داعش"، وانضم حفيده "سهيل الماحي" لحركة "حسم" الإرهابية.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuMTQxIA== جزيرة ام اند امز