معركة العقول قبل الجبهات.. تايوان عالقة في فخ التجسس الصيني
مع تزايد محاولات الصين لاختراق الخطط الدفاعية السرية لتايوان في وقت تكثف فيه تدريباتها العسكرية حول الجزيرة، تتصاعد حرب التجسس بين البلدين.
وإلى جانب الاستعراض العسكري العلني، تعتمد الصين بشكل متزايد على التجسس البشري، مستخدمة المال والعلاقات الاجتماعية لتجنيد أفراد من داخل المؤسسات التايوانية الحساسة، وفقا لما ذكرته صحيفة "تلغراف" البريطانية.
وأشارت الصحيفة إلى قصة تشين ييمين، وهو رقيب في سلاح البحرية التايواني، وقع في ضائقة مالية عام 2022 فاستدرجته شبكة تعمل لصالح الحكومة الصينية عبر إعلان قرض، وعرضت عليه المال مقابل تسريب معلومات عسكرية سرية.
وافق تشين، وقام خلال عام واحد بتحميل وطباعة وثائق شديدة السرية من قواعد عسكرية مختلفة، ثم أرسل صورها عبر تطبيقات المراسلة إلى منسق صيني، فحصل على مبلغ متواضع نسبياً قبل اعتقاله عام 2023، وحُكم عليه بالسجن بموجب قانون الأمن القومي التايواني.
وتعد هذه القصة نموذجاً لعشرات القضايا المشابهة حيث تعترف السلطات التايوانية بأن أكثر من 100 شخص من عسكريين حاليين ومتقاعدين وموظفين حكوميين تم تجنيدهم خلال السنوات الأخيرة للتجسس لصالح بكين.
وكشفت السلطات التايوانية عن أن بعض هؤلاء الجواسيس ربما اطلع على خطط دفاعية حساسة قد تكون الآن في حوزة الصين، الأمر الذي قد يضعف قدرة تايوان على الردع ويمنح الجيش الصيني أفضلية في حال نشوب نزاع.
وأوضح ديفيد شو، نائب مدير مكتب التحقيقات بوزارة العدل التايوانية، أن الخطر لا يقتصر على التهديد العسكري المباشر، بل يشمل الهشاشة الداخلية مع ارتفاع عدد القضايا المرتبطة بالتجسس إلى 64 قضية في 2024، مقارنة بـ48 في 2023، وأشار إلى أن نحو 80% منهم على صلة مباشرة بالقوات المسلحة.
وذكر شو أن الصين تستهدف بشكل خاص الضباط المتقاعدين أو العاملين الذين ما زالوا يحتفظون بعلاقات داخل المؤسسات السياسية أو العسكرية.
أساليب متعددة
وتعتمد الصين أساليب متعددة في التجنيد، تبدأ غالباً بما يُعرف بـ"الاستدراج الناعم" عبر الضيافة والهدايا وبناء الثقة، ثم الانتقال إلى الطلبات الاستخباراتية.
وفي حالات أخرى، يتم استخدام قروض غير رسمية أو شبكات مصرفية سرية لاستغلال الأفراد الذين يعانون من ضائقة مالية، مع وعد بإسقاط الديون مقابل المعلومات.
ويرى محللون عسكريون، أن الهدف الأساسي لبكين هو فهم "قدرة تايوان على القتال" حيث يسمح الحصول على معلومات حول جداول التعبئة، وتغطية الرادارات، وأنظمة القيادة والسيطرة، للجيش الصيني بتصميم هجوم يستغل نقاط الضعف منذ اللحظات الأولى.
كما تمكن هذه المعلومات الجيش الصيني من التدرب على سيناريوهات أقرب ما تكون إلى الواقع، مما يقلص زمن التخطيط لأي عملية عسكرية محتملة.
ولا تقتصر عمليات التجسس على العسكريين، بل تمتد إلى المدنيين، خاصة موظفي الدولة والسياسيين، فقد شهد عام 2025 قضايا بارزة تورط فيها مقربون من الرئيس التايواني ووزير الخارجية السابق، نقلوا معلومات حساسة مثل تحركات المسؤولين الكبار إلى الصين.
ومن بين الأساليب التي تعتمدها بكين استهداف التايوانيين الذين درسوا في الصين، وبعد عودتهم للعمل في الحكومة أو البرلمان، يُطلب منهم جمع معلومات حول السياسات والميزانيات والتوجهات العامة، كما تركز الصين على الأفراد المتعاطفين مع فكرة "إعادة التوحيد" أو القريبين سياسياً من بكين.
تمويلات انتخابية
وفي بعض الحالات، تتجاوز الصين جمع المعلومات إلى التأثير السياسي المباشر، عبر تمويل حملات انتخابية لمرشحين موالين لها أو متعاطفين معها، بهدف التأثير على القرارات من داخل النظام السياسي التايواني وهو ما طال أعضاء في حزب "الكومينتانغ" المعارض المعروف بمواقفه القريبة من بكين.
وبعدما اعترفت السلطات التايوانية بإمكانية تسرب معلومات دفاعية مهمة، أكدت اتخاذ إجراءات للحد من الأضرار، بما في ذلك تعديل بعض الخطط العسكرية.
ردود فعل
وأعلن الرئيس لاي تشينغ-ته في 2025 عن حزمة أمن قومي جديدة تصف الصين بأنها "قوة معادية أجنبية"، وتضم الحزمة 17 استراتيجية لمكافحة التجسس، منها إعادة العمل بالمحاكمات العسكرية وتشديد العقوبات على من يعلنون ولاءهم لبكين.
ورغم تراجع عدد القضايا المسجلة في 2025 مقارنة بعام 2024، يحذر الخبراء من أن حجم الجهود الصينية لا يزال هائلاً، وأن نجاح تايوان في كشف بعض الحالات لا يعني تراجع الخطر.
ووفقا للخبراء فإن المعركة الاستخباراتية، لا تقل خطورة عن الاستعدادات العسكرية، وقد تلعب دوراً حاسماً في أي مواجهة مستقبلية بين الجانبين.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuMTAzIA== جزيرة ام اند امز