سياسة

الجامع والكنيسة.. جوار التسامح

الخميس 2019.1.10 08:49 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 463قراءة
  • 0 تعليق
عاطف السعداوي

في تجسيد حقيقي لمعنى الوحدة الوطنية، وفي ترسيخ جدي لمبادئ التعايش السلمي، شهدت مصر حدثاً استثنائياً غير مسبوق سيسجل بمداد من نور في صفحات التاريخ، تمثل في تزامن افتتاح أكبر مساجدها مع أكبر كاتدرائية فيها بالعاصمة الإدارية الجديدة، واللذين تم الانتهاء من تنفيذهما خلال 18 شهراً فقط، في ظل حضور رسمي مصري واسع وتمثيل دولي وعربي بارز.

هكذا هم بالفعل المصريون.. لا فرق بين مسلم أو قبطي، ولعل هذا ما أرادت التأكيد عليه الدولة المصرية بإصرارها على أن يكون أكبر مساجدها مجاوراً لأكبر كنائسها، وأن يكون افتتاحهما متزامناً، وأن يكون مواكباً لاحتفالات مصر بعيد الميلاد المجيد

لوحة بديعة نقلتها كثير من وسائل الإعلام الدولية، وأشاد بها كثير من قادة العالم وعلى رأسهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي غرد تعليقاً على هذا المشهد بقوله "إن الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي ينقل بلاده إلى مستقبل أكثر شمولاً"، كذلك الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان، وزير التسامح الإماراتي، الذي شارك في هذه المناسبة على رأس وفد إماراتي رفيع المستوى ضم عدداً من القيادات والمفكرين ورجال الدين المعنيين بقيم التسامح، والذي ثمن الجهود الكبيرة التي تبذلها القيادة السياسية في مصر في تعزيز السلم الاجتماعي، والتي كان لها أبلغ الأثر في إرساء مبادئ الأخوة والتعاون بين فئات المجتمع المصري كافة، مؤكداً أن دولة الإمارات العربية المتحدة تدعم كل الجهود العالمية الرامية إلى إرساء قيم التسامح والتعايش السلمي وقبول الآخر.

الأجمل والأكثر دلالة ورمزية في هذه اللوحة الحضارية هو اللحظة التاريخية التي شهدت تبادلاً للأدوار بين البابا تواضروس الثاني بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية والإمام الأكبر شيخ الأزهر أحمد الطيب، فالأول ألقى كلمة في افتتاح مسجد "الفتاح العليم"، والثاني شارك بكلمة في افتتاح كاتدرائية "ميلاد المسيح"، ولعل ما جاء في كلمة أبرز رجال الدين المسيحي في الشرق في افتتاح المسجد وكلمة أبرز علماء الدين الإسلامي في افتتاح أكبر كنائس الشرق الأوسط يعد أفضل تجسيد وخير إحياء لقيم إنسانية نبيلة، أراد بعض المتطرفين اختطافها أو طمسها أو إنكارها مثل قيم التسامح والسلام والمواطنة والاعتراف بالآخر المختلف، والتآخي والعيش المشترك، بغض النظر عن الانتماء الديني، حيث وصف البابا تواضروس الثاني تزامن افتتاح مسجد الفتاح العليم وكاتدرائية ميلاد المسيح بالمناسبة "غير المسبوقة في التاريخ"، مشيداً بتعانق مآذن المسجد الكريم مع منارات الكاتدرائية، معتبراً أنها صفحة جديدة في كتاب الحضارة المصرية العريقة ومصر التي علمت العالم فن الأعمدة، فكانت المسلة في العصور الفرعونية، وكانت المنارة في العصور المسيحية، والمئذنة في العصور الإسلامية".

وفي المقابل، قال الإمام الأكبر أحمد الطيب -في كلمته في افتتاح الكاتدرائية- إن الإسلام يحض المسلمين على حماية دور العبادة، سواء كانت للمسلمين أم المسيحيين أم اليهود، مؤكداً أن موقف الإسلام من الكنائس محسوم، وملخصه أن دولة الإسلام ضامنة شرعاً لكنائس المسيحيين ومعابد اليهود فهذا حكم شرعي، مضيفاً "إذا كان الشرع يكلف المسلمين بحماية المساجد فإنه وبالقدر ذاته يكلف المسلمين بحماية الكنائس".. قطع شيخ الأزهر بكلمته الطريق على طيور الظلام وشيوخ الفتنة الذين يستبيحون دماء كل من يخالفهم الرأي، ويعتبرون استهداف ممتلكاتهم ودور عبادتهم جهاداً في سبيل الله، ما أكد عليه الأمام الأكبر في كلمته من أن المسلمين مكلفين بحماية الكنائس لم يكن مجرد حديثاً فقيهاً عن حكم شرعي قد لا يجد لها حيزاً للتطبيق، بل كان ترجمة وتجسيداً لواقع وسبقته وقائع أكدت عليه، كان آخرها قبل ساعات من كلمة الإمام الأكبر، عندما قام إمام وخطيب أحد المساجد المصرية بإنقاذ كنيسة "السيدة العذراء وأبي سيفين" شرقي القاهرة من استهدافها بعدد من العبوات الناسفة، مساء السبت الماضي، قبيل احتفالات الأقباط بعيد الميلاد المجيد، فعندما لاحظ وجود عدد من القنابل اليدوية أعلى سطح مسجده الذي يجاور الكنيسة طالب على الفور بإخلاء الكنيسة والشارع الذي تقع فيه، مستخدماً ميكروفون المسجد في تنبيه سكان المنطقة ورواد الكنيسة، ومستدعياً قوات الأمن التي أغلقت المكان وفككت عبوتين، فيما انفجرت الثالثة في جسد رائد الشرطة مصطفى عبيد فأردته شهيداً، قبل هذه الواقعة بعام كامل كانت هناك واقعة مشابهة بطلها مواطن مصري مسلم أعزل يدعى صلاح الموجي، تصدى بمفرده لإرهابي مسلح حاول اقتحام كنيسة "مارمينا" بحلوان، لم يخش الإرهابي ولا سلاحه الذي أشهره في وجه بل انقض عليه وشلك حركته وأمسك بالبندقية التي كان يحملها وسلمه لقوات الشرطة، منقذاً أرواح مئات الأقباط الذين كانوا يستعدون لإقامة قداس الجمعة، وعندما تعالت الأصوات المطالبة بتكريمه نظراً لما قام به من عمل بطولي كان رده "تكريمي الوحيد هو أن أجد إخواني الأقباط يعيشون في أمان، فنحن شركاء في بلد واحد، ولا فرق بين مسلم ومسيحي".

وهكذا هم بالفعل المصريون.. لا فرق بين مسلم أو قبطي، ولعل هذا ما أرادت التأكيد عليه الدولة المصرية، بإصرارها على أن يكون أكبر مساجدها مجاوراً لأكبر كنائسها، وأن يكون افتتاحهما متزامناً، وأن يكون مواكباً لاحتفالات مصر بعيد الميلاد المجيد، في رسالة قوية وواضحة تؤكد توجه الدولة لترسيخ مناخ الحب والإخاء والتعايش السلمي وقبول الآخر، واحترام حرية الاعتقاد وإرساء قيم التعاون بين الجميع، و"من جاور السعيد يسعد".

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات