«هالعب مع الخسران».. اللهاث الأخير للعابرين في شوارع الأسفلت
قراءة سينمائية في فيلم «الحريف» لمحمد خان
في مطلع الثمانينيات القرن المنصرم، كان مناخ السينما المصرية يموج بتبعات تحولات سياسية واقتصادية عاصفة، أفرزت تياراً جارفاً من الأفلام التجارية الاستهلاكية التي غازلت شباك التذاكر بقوالب مكررة ومبتذلة.
في قلب هذا العبث، قاد المخرج محمد خان، برفقة رفيقي دربه المخرج عاطف الطيب والسيناريست بشير الديك، محاولة انتحارية ومقدسة للتحرر من قيود رأس المال وإملاءات المنتجين، فأسسوا شركة "أفلام الصحبة".
كانت هذه الشركة بمثابة جبهة مقاومة فنية، وصرخة تمرد سينمائية تسعى لتقديم سينما تشبه رصيف الشارع ونبض المهمشين، وكان مخاضها البكر والأكثر إيلاماً هو فيلم "الحريف" عام 1983.
لم يكن الفيلم مجرد شريط سينمائي يعرض قصة لاعب كرة قدم شعبي، بل كان عملاً تراجيدياً تقاطعت روحه ومصيره بشكل مأساوي مع ظروف صنعه الواقعية؛ إذ مُني الفيلم بفشل جماهيري مدوٍ في قاعات العرض، وعجز شباك التذاكر عن استيعاب تلك اللغة البصرية المشحونة بالقتامة والواقعية المفرطة، مما أدى إلى قطع حبال الوصال الفني بين المخرج محمد خان والنجم عادل إمام إلى الأبد، ليقرر الأخير العودة سريعاً إلى أدواره الآمنة والكوميدية التي يضمن من خلالها تدفق الإيرادات وحب الجماهير المعتاد.

لم تكن تلك النهاية التجارية سوى إعلان مبكر عن طبيعة الفيلم نفسه؛ إذ عُلق "الحريف" وحيداً في شجرة إنتاجات "أفلام الصحبة" كأول وآخر ثمرة ناضجة قبل أن تتوارى الشركة إلى الهامش وتتوقف للأبد.
لكن العجيب في فلسفة الوجود السينمائي أن الموت التجاري اللحظي كان البوابة الملكية لخلود العمل؛ فبعد أربعين عاماً، لم يستقر الفيلم فقط في قائمة أفضل مائة فيلم في تاريخ السينما المصرية، بل بُعث من جديد بشكل ملح وربما مقدس على أيدي الأجيال التي ولدت بعد عرض الفيلم بعقود
يعود فارس الحريف ليتصدر مشهد الذائقة السينمائية للأجيال الجديدة، لتعثر في ملامح "فارس" المغبرة بالتراب والأسى على مرآة صادقة تعكس اغترابها الشخصي وتيهها المعاصر في العالم معولم.

سيزيف على شوارع الأسمنت
يطرح سيناريو بشير الديك مفهوم "البطل المضاد" (Anti-Hero) من خلال شخصية "فارس" التي جسدها عادل إمام بتخلٍّ كامل عن قناعه الكوميدي المألوف.
فارس ليس البطل الشعبي الكلاسيكي الذي ينتصر في النهاية ليحظى بتصفيق الجماهير، بل هو إنسان محطم، نزق، ومشتت، أفسد تفاصيل حياته بيديه؛ فقد خسر حلمه الكروي القديم بالانضمام لأشبال نادي الترسانة بعد أن ضرب مدربه وفقد أعصابه، وتحطم زواجه من دلال بعد أن اعتدى عليها جسدياً، وها هو على وشك خسارة وظيفته كعامل أحذية حاذق بسبب استهتاره وغيابه المستمر.
إنه يشبه شخصيات السينما العالمية المتمردة بلا قضية واضحة، يعيش بحالة مفرطة من "الشعور بالاستحقاق" الداخلي، يوقن أنه يستحق حياة أفضل وحكاية أجمل تفوق واقعه المزري، لكنه لا يبذل أي جهد لإصلاح هذا الواقع أو لملمة شتات نفسه، بل يكتفي بالفرار المستمر في شوارع المدينة، فراراً مصحوباً بأنفاس لاهثة ثقيلة تخترق وعي المشاهد طوال الأحداث.
فارس لا يملك قضية يقاتل لأجلها، ولا توجد شجرة حبكة كلاسيكية يصعد إليها لكي ينزله المخرج منها في النهاية، بل إن الفيلم بأكمله هو الشخصية ذاتها وهي تنكشف ببطء قاتل وعذب أمام الكاميرا.
إن الهروب هنا يتحول إلى غاية في حد ذاته، هذا التيه الأصيل هو تحديداً ما جذب الأجيال الشابة الحالية لشخصية فارس؛ فهم يعيشون التيه نفسه في عالم افتراضي مفتوح، يملكون شعوراً عارماً بالاستحقاق لحيوات بديلة يرونها عبر الشاشات ولا يستطيعون لمسها، فيجدون في ركض فارس اللاهث، وفي عدم انغلاق قوس حكايته، تجسيداً حياً لأزمتهم الوجودية.

جغرافيا القهر في سطوح خان
يتقن المخرج محمد خان توظيف "المكان" ليس كخلفية للأحداث، بل كعنصر درامي فاعل يشرح بصرياً التفاوت الطبقي الحاد الذي أحدثه الانفتاح الاقتصادي في المجتمع المصري.
ويتجلى هذا الإبداع الفني في اتخاذ "العمارة" الكبيرة بوسط البلد حيث يتم نفي الطبقة المسحوقة، التي يمثلها فارس ووالده صانع الأقفاص وجارته الفتاة الفقيرة، إلى "السطوح" في أعلى العمارة، ليعيشوا على الهامش المنسي.
تتحول أدوات الانتقال داخل هذا الفضاء المكاني إلى رموز نقدية بالغة الأهمية؛ فالمصعد (الأسانسير) يتحرك طوال الفيلم عبر كادرات هابطة تساير إيقاع الهبوط القيمي والأخلاقي .
يصادف فارس في المصعد فتاة جميلة ورجلاً مسناً ثرياً يحاول لفت انتباهها بماله وسط ممانعتها، لينزل فارس مغادراً المصعد فراراً من رجل أمن بلا علة، ثم يلمح من كادر الكاميرا الهابط الفتاة نفسها وهي تتسلل خفية إلى شقة العجوز الثري والابتسامة الساخرة تعلو محياها.
إن هذه اللقطة تختزل سخرية الواقع من أحلام فارس وفقره ومقارعته لطواحين الهواء، حيث يظل فارس قابعاً في قاع المدينة، معزولاً عن الصعود الفعلي، ليصرخ بحرقة أمام انتحار جاره بسبب الضائقة المالية بالعبارة الخالدة: "ملعون أبو الفقر".

الساحات الشعبية المطفأة
ينبني التشكيل البصري والجمالي في "الحريف" على ثنائية زمنية شاعرية قاسية تلعب دوراً محورياً في إبراز الصراع النفسي لبطله، وهي ثنائية الليل والصباح.
فالليل في سينما خان هو الفردوس السري المؤقت لفارس، والملجأ الحنون الذي تنطفئ فيه قسوة المدينة وضوضاؤها وتتحول الساحات الشعبية الترابية إلى مسرح ألعاب ساحر.
في هذه اللحظات الليلية، عندما يمارس فارس مهارته الفذة في لعب "الكرة الشراب" مقابل المراهنات، تتبدل معادلة الكاميرا بشكل كامل؛ إذ يمتلئ الكادر بحضور فارس، وتتألق عيناه، وتصغر الموجودات والأبنية حوله وتنحسب إلى الخلف، ليكون هو البطل المتوج داخل أسوار الملعب.
كرة القدم هنا فعلاً تقديسياً للحرية، ومساحة رحبة يمارس فيها البطل ذاته بلا قيود، بمؤازرة الموسيقى التصويرية المبدعة التي صاغها الموسيقار هاني شنودة، والتي جاءت بألحان شجية تعبر بدقة عن السياق النفسي والضغط الدرامي الذي يعتصر قلب البطل وهو يدافع عن موهبته الذهبية في ليل المدينة.
لكن هذا السحر البصري والروحي سرعان ما يتبدد بعنف وتوحش بمجرد أن يحل الصباح ويطوي الضياء تلك البطولة الليلية قصيرة العمر كالفراشات. فالصباح في الفيلم هو زمن الاستعباد والتغول الإسمنتي؛ حيث تعود المدينة بحضورها الطاغي لتلتهم الفتى المهزوم وتحوله إلى مجرد نقطة بائسة ضئيلة الحجم في كادر متسع ومرعب، فيقف فارس منكمشاً ومحطماً أسفل لوحة إعلانية ضخمة، ليتلقى خبر موت أمه.
إن المدينة في الصباح لا تعبأ بصعلوك صعقته الفجيعة، بل تبتلعه في جوفها دون أن تمنحه لفتة رحمة أو مشاركة وجدانية، لتؤكد الكاميرا أن بطولة فارس سرية ليلية لا يعترف بها مجتمع الصباح الرسمي، الذي يمثله السمسار "رزق الإسكندراني" الذي لا يرى في مهارة فارس سوى وسيلة لمضاعفة أرباحه في سوق المراهنات، تماماً كما يستغل القواد جسد العاهرة في عتمة الدروب المنسية.

موسيقى العزاء في مدينة التائهين
رغم ذلك نجد "المدينة" عند خان على الرغم من قسوتها وتوحشها ، تمتلك جمالية وحيدة وفريدة، وهي أنها مجال لظهور النجوم وتجلي الفن وانتشاره، حيث يحرص خان دائماً على جعل أبطاله يملكون وصلاً روحياً حنوناً مع فنان أو موسيقي يحفظ براءتهم من الانتهاك.
يتبدى ذلك بوضوح في "الحريف" من خلال بوستر المطرب عبد الحليم حافظ الحزين الذي يحتل حائط غرفة فارس طوال الأحداث؛ فصوت حليم وأغانيه يعملان كتعويذة سحرية تحفظ براءة الروح المثالية للبطل، وتمنحه وعداً سرياً بأن المدينة يمكن أن تكون حنونة يوماً ما.
تتبلور هذه الفلسفة في مشهد النهاية العبقري، حين يركب فارس مع صديقه شعبان في السيارة الفارهة الجديدة، بعد أن سخر شعبان من الأطفال اللامبالين الذين يلعبون في الحارة قائلاً: "أنتو لسا بتلعبو اللعبة الهبلة دي.
وفجأة، تتوقف السيارة بغتة وسط الحارة دون وجود أي مبرر ميكانيكي، ويرد فارس بجملته التأملية المشتتة: "حفكر يا شعبان". هذا التوقف المؤقت هو إعلان عن انفصام الذات وانفصالها عن ماضٍ بئيس لكنه نابض بالصدق والكرامة، وتطلع متوجس نحو مستقبل يغري بالمال والربح.

سينما الواقعية المحبطة
في شارع "الحريف" ، يتموضع فارس كنموذج صارخ للرجل المحبط والوحيد، الذي يستمد غموضه وجاذبيته من احتقاره لتروس ماكينة الانفتاح ، شارع غزته البوتيكات والسيارات المستوردة، ومقاهي يجلس عليها المهمشون لتدخين الشيشة وممارسة مللهم اليومي.
إن مفهوم الفتوة والفروسية القديم يتعرض في سينما خان لانكسار تراجيدي؛ فالفارس هنا لا يملك خيلاً، بل يملك قدماً حافية ولهاثاً مستمراً، ورجولته مهددة ومأزومة بسبب عجزه الطبقي والمالي عن تلبية أبسط مسؤوليات الأسرة، مما يدق إسفيناً في علاقته بزوجته وابنه، ويجعل علاقاته الإنسانية مشوبة بالقسوة والعنف غير المبرر نتيجة الضغط الاقتصادي والاجتماعي.
تتضح الملامح الجندرية للفيلم عند مقارنة شخصية فارس بشخصيات أخرى في سينما خان وزكي، مثل "صلاح" في فيلم "طائر على الطريق" أو بطل "مستر كاراتيه"؛ فجميعهم يمثلون ثلاثية "فارس في مدينة متغيرة"، شباب من أصول بسيطة يبحثون عن مساحة رحبة لممارسة حريتهم دون قيود، لكنهم يصطدمون بحقيقة أن المدينة أصبحت محكومة بقواعد البقاء للأقوى مادياً.
المرأة في هذا الشارع الذكوري إما أن تكون رفيقة مهزومة ومسحوقة كطليقته دلال التي تعمل في مشغل ألبسة وتتحمل قسوته، أو امرأة محتاجة يدفعها بؤسها للتنازل عن شرفها وعرضها لسلطة المال.

مواربة باب الحلم
تصل ذروة الفيلم في مشهده الختامي بالمباراة التي جرت في ميدان عبد المنعم رياض، حيث يواجه فارس اللاعب الشاب الصاعد "المختار"، الذي حرضه السمسار رزق لكي يطيح بمكانة فارس بعد أن سئم من عناد الأخير ورفضه الدائم للاستغلال والمتاجرة بموهبته.
إن دخول فارس إلى أرض الملعب في اللحظات الأخيرة لم يكن بدافع حصد الثروة أو جني الرهانات، بل كان انحيازاً مطلقاً ونبيلاً لـ "الخسران"؛ حيث قرر مؤازرة الفريق الخاسر وتحويل الهزيمة الثقيلة إلى فوز بشق الأنفس تحت إيقاع لهاثه الثقيل الذي يمزق السكون.
إن عبارة "هلعب مع الخسران" لم تكن مجرد خيار تكتيكي في مباراة كرة قدم عابرة، بل تحولت إلى بيان وجودي وفلسفي يلخص الانحيازات الإنسانية والسياسية والاجتماعية التي اتخذتها أجيال كاملة راهنت على أحلام نبيلة وحطمتها براجماتية الواقع وقبح العصر الجديد، لتظل الهزيمة هنا مغلفة بنصر رمزي استثنائي لا تمحوه الذاكرة.
تتجلى شاعرية النهاية في السينما الفنية حين يحتضن فارس ابنه داخل شباك المرمى الخالي، وكأنه يسجل هدف الانتصار الأخير على مجتمع التسلط والتفاوت الطبقي.
وعندما يسأله ابنه ببراءة الطفولة الشغوفة: "مش هتلعب تاني يابه؟"، ينطق عادل إمام بالعبارات التي تمثل مرثية لزمن كامل: "ما خلاص يا بني، زمن اللعب راح".
لم يختر محمد خان أن ينهي حكاية بطله بنهاية مرثية مدوية ومأساوية كأفلام المخرج العالمي دارين أرنوفسكي، حيث يموت الأبطال في ذروة تحققهم على الساحة، بل ترك الباب موارباً؛ نهاية تحيي الأحلام في دواخلنا وإن هزمتها واقعية الصباح، وترفض إغلاق قوس الحكاية بانكسار كامل، بل تجعل من اعتراف البطل بانتهاء زمن اللعب وسيلة لحفظ نقاء الروح ونقل شعلة الفروسية المجهضة إلى الجيل الجديد المتمثل في ولده.