تقنية استمطار السحب تعود بقوة.. مصدر المياه الجديد في العالم
في ظل تصاعد أزمة المناخ وازدياد الضغوط على موارد المياه العذبة عالميا، تتجه دول عديدة إلى إعادة إحياء تقنية تعديل الطقس، ولا سيما استمطار السحب، كأداة لدعم الأمن المائي وتعزيز هطول الأمطار.
ورغم أن الفكرة تعود إلى عقود طويلة، فإن التطورات العلمية الحديثة والاحتياجات المتزايدة دفعت الحكومات والقطاع الخاص إلى الاستثمار فيها مجددًا، ما أعاد الجدل حول فعاليتها، تكلفتها، وأبعادها البيئية والأمنية.
تتجه دول العالم بشكل متزايد إلى تقنية تعديل الطقس، التي يعود تاريخها إلى عقود، في إطار مساعيها للتحكم في زمان ومكان هطول الأمطار.
وإلى جانب الولايات المتحدة والصين، اللتين تمتلكان أكبر برامج لتعديل الطقس عالميا، تُعد فرنسا وروسيا والهند من بين الدول التي تتزايد فيها تجارب تلقيح السحب.
ويرى كثيرون أن اللجوء إلى عمليات استمطار السحب عبر تلقيحها ينبع من الحاجة إلى تعزيز إمدادات المياه، مع استمرار ارتفاع الطلب العالمي في ظل أزمة المناخ.
وسعت دول أخرى إلى استخدام تلقيح السحب لتبديد الضباب في المطارات، ومكافحة تلوث الهواء، والحد من أضرار البَرَد، أو حتى التأثير على الطقس في مناسبات كبرى، مثل دورة الألعاب الأولمبية الصيفية لعام 2008 في بكين.
ويهدف تلقيح السحب إلى تحسين قدرتها على إنتاج المطر أو الثلج عبر إدخال جزيئات دقيقة، عادةً ما تكون من يوديد الفضة، لتحفيز تكاثف بخار الماء.
وتُعد هذه العملية محدودة من حيث المساحة والمدة، ويُقدّر أنها تزيد من هطول الأمطار محليًا بنسبة تتراوح بين 5% و15% مع مرور الوقت، وفق شبكة «سي إن بي سي».
تقنية مثيرة للجدل
إلا أن هذه التقنية لا تخلو من الجدل، فمنذ بداياتها في أربعينيات القرن الماضي، أثارت تجارب استمطار السحب مخاوف بشأن المخاطر البيئية والإيكولوجية المحتملة، وأجّجت توترات أمنية إقليمية، حيث تبادلت دول اتهامات حول التأثير المتعمد على الأمطار.
وقال الرئيس التنفيذي لشركة «رين ميكر» المتخصصة في استمطار السحب ومقرها كاليفورنيا، أوغسطس دوريكو، إن هناك عاملين رئيسيين يعيدان إحياء الاهتمام بهذه التقنية، سواء في الولايات المتحدة أو عالميًا.
وأوضح دوريكو لشبكة «سي إن بي سي» أن العامل الأول يتعلق بالظروف المناخية، إذ تعاني العديد من الدول والمناطق من تقلبات متزايدة في أنماط الأمطار وإمدادات المياه، ما يدفعها إلى تبني حلول مبتكرة.
وأضاف أن العامل الثاني يتمثل في التطور التكنولوجي الذي أتاح في السنوات الأخيرة تحسين طرق قياس وتحديد آثار تلقيح السحب، ما عزز الثقة في نتائج هذه العمليات.
وعلى الرغم من تاريخها الممتد لنحو 80 عامًا، أشار دوريكو إلى أن الاهتمام بتلقيح السحب تراجع في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي بسبب صعوبة قياس كميات الأمطار الناتجة عنها بدقة.
أما اليوم، فإن التحسينات التكنولوجية الحديثة تتيح التحقق من نجاح هذه العمليات في الوقت الفعلي، وفقًا له.
وقد نمت الشركة بسرعة ملحوظة، إذ ارتفع عدد موظفيها من 19 موظفًا فقط في بداية عام 2025 إلى 120 موظفًا اليوم، ما يعكس تصاعد الاهتمام بتقنيات استمطار السحب.
ومن بين الشركات الأمريكية العاملة في المجال أيضًا شركة «تعديل الطقس» في داكوتا الشمالية، وشركة «مستشارو الطقس في أمريكا الشمالية» في يوتا، رغم أن بعض الولايات مثل فلوريدا وتينيسي حظرت أنشطة تعديل الطقس.
مصدر مياه مستدام
ويرى الباحث العلمي في معهد أبحاث الصحراء (DRI) بولاية نيفادا، فرانك ماكدونو، أن هناك سببين رئيسيين وراء زيادة إقبال الدول على استمطار السحب.
وأوضح أن السبب الأول يتمثل في تراكم الأبحاث العلمية وتراكم بيانات التقييم والجدوى الاقتصادية خلال العقود الماضية، ما أتاح للحكومات اتخاذ قرارات مبنية على أسس علمية أكثر وضوحًا.
أما السبب الثاني، فيكمن في أن هذه التقنية تُعد حاليًا من الخيارات القليلة المتاحة لتعزيز الموارد المائية المحلية التي تواجه ضغوطًا متزايدة، أو للحد من تلوث الهواء، عبر الاستفادة من أنظمة الغلاف الجوي الطبيعية كمصدر مياه محتمل ومستدام.
وأشار ماكدونو إلى أن معظم التقنيات الأخرى تعتمد على سحب المياه من المصادر السطحية أو الجوفية، مستشهدًا بمنتجعات التزلج التي تستخدم المياه المخزنة لتصنيع الثلج الصناعي كمثال.
وأضاف أن استمطار السحب يمكن أن يضيف موارد مائية جديدة إلى النظام البيئي، وهو ما يفسر استمرار تمويل المشاريع المرتبطة به، لاسيما عندما يُنظر إليه كإضافة إلى «مخزون مستجمعات المياه» لدعم الاستخدامات المستقبلية.
وعلى مستوى الدول، أفادت تقارير بأن الصين دعمت برنامجها لتعديل الطقس بمبلغ بلغ ملياري دولار أمريكي بين عامي 2014 و2021، بينما خصصت المملكة العربية السعودية نحو 256 مليون دولار أمريكي في عام 2022 لدعم السنة الأولى من برنامجها الإقليمي لاستمطار السحب.
مخترع تقنية تلقيح السحب
ووفق صحيفة «لوس أنجلوس تايمز»، فإن الفضل في تطوير هذه التقنية يعود إلى الكيميائي الأمريكي فينسنت ج. شيفر، الذي يُنسب إليه اختراع تلقيح السحب لإنتاج المطر.
وترك شيفر المدرسة الثانوية مبكرًا لإعالة أسرته، ثم بدأ العمل في شركة «جنرال إلكتريك» في سن الخامسة عشرة، قبل أن ينتقل من ورشة الآلات إلى مختبر الأبحاث بعد ترقيته.
وخلال عمله، ساهم في ابتكار اختراعات مهمة أثناء الحرب العالمية الثانية، مثل مرشحات أقنعة الغاز، وأجهزة كشف الغواصات، وجهاز توليد الدخان لإخفاء المناورات العسكرية.
وفي عام 1946، لفت شيفر أنظار العالم عندما أجرى بحثًا حول تأثير تكون الجليد على أجنحة الطائرات، ولاحظ تشكل بلورات جليدية فجأة بعد وضع ثلج جاف داخل ثلاجة.
وبمحاكاة هذه الظاهرة من طائرة فوق جبل في ماساتشوستس، باستخدام ستة أرطال من الثلج الجاف وإلقائها داخل السحب، أثبت أن التلقيح يمكن أن ينتج ثلجًا أو مطرًا اصطناعيًا.
لاحقًا، طور شيفر بالتعاون مع برنارد فونيغوت مادة يوديد الفضة المستخدمة منذ ذلك الحين في عمليات تلقيح السحب.
ثم أسس مركز أبحاث علوم الغلاف الجوي في جامعة ولاية نيويورك في ألباني، وأصبح أول مدير له، ليترك إرثًا علميًا ارتبط بتطور تقنيات تعديل الطقس الحديثة.