جفاف نهر الدانوب يهدد اقتصاد أوروبا.. ضربة مركزة للملاحة والزراعة والطاقة
يواجه نهر الدانوب، أحد أهم الشرايين المائية في أوروبا، أزمة غير مسبوقة مع تراجع منسوب مياهه إلى مستويات قياسية بسبب موجات الحرارة والجفاف المرتبطة بتغير المناخ، ما يخلق تداعيات اقتصادية وبيئية واسعة تمتد من الزراعة والنقل إلى الطاقة والثروة السمكية.
ويمثل نهر الدانوب شريانًا اقتصاديًا رئيسيًا لأوروبا، إذ يمر عبر 10 دول هي ألمانيا، والنمسا، وسلوفاكيا، والمجر، وكرواتيا، وصربيا، ورومانيا، وبلغاريا، ومولدوفا وأوكرانيا، ما يجعله أهم ممر مائي يربط وسط القارة بشرقها والبحر الأسود.
وينقل النهر كميات كبيرة من الحبوب مثل القمح والذرة، والنفط والمنتجات البترولية، والفحم والمعادن، والمواد الخام والسلع الصناعية، كما يمثل طريقًا حيويًا لصادرات دول مثل رومانيا وبلغاريا إلى الأسواق العالمية.
وترتبط به مجموعة من الموانئ والمدن الرئيسية، أبرزها ميناء كونستانتسا في رومانيا على البحر الأسود، إضافة إلى موانئ فيينا بالنمسا، بودابست بالمجر، براتيسلافا بسلوفاكيا وبلغراد بصربيا، فيما تطل على ضفافه عواصم ومدن أوروبية بارزة جعلت منه محورًا للتجارة والسياحة والطاقة عبر القارة.
مستوى مقلق في النمسا
وسجلت منطقة "فاخاو" القريبة من العاصمة النمساوية فيينا أدنى مستوى مياه في تاريخ القياسات عند 110 سنتيمترات في محيط مدينة "كينستوك"، ما أثار مخاوف كبيرة بشأن مستقبل المخزون السمكي، في ظل ارتفاع حرارة المياه وتراجع مستويات الأكسجين، وهي ظروف تهدد بشكل خاص صغار الأسماك التي تعيش في المناطق الضحلة.
وقال هيرمان ميدلر، مفتش مصايد الأسماك في منطقة "فاخاو"، إن الوضع الحالي يمثل "كارثة للسفن والأسماك على حد سواء"، موضحًا أن انخفاض عمق الممر الملاحي يجبر السفن على التحرك ببطء شديد ويقلل قدرتها على نقل الحمولات، كما يؤدي اضطراب حركة المياه إلى نفوق الأسماك بعد انجرافها نحو الشواطئ.
وتأتي أزمة الدانوب في وقت سجلت فيه أجزاء أخرى من النهر، خاصة في رومانيا، أدنى مستوياتها منذ عام 1996، حيث هبط تدفق المياه إلى نحو 1700 متر مكعب في الثانية مقارنة بمتوسط يوليو البالغ نحو 4700 متر مكعب في الثانية، ما تسبب في تقييد استخدام مياه الري للمزارعين وتعطل جزئي لحركة الشحن والسياحة النهرية.
ضربة محتملة لقطاع الحبوب
وتعد هذه التطورات ضربة محتملة لقطاع الحبوب الأوروبي، إذ تعتمد رومانيا ودول أخرى على الدانوب كطريق رئيسي لنقل القمح والذرة إلى الأسواق العالمية عبر البحر الأسود. ويؤدي انخفاض مستويات المياه إلى توقف بعض المراكب أو خفض حمولاتها، ما يرفع تكاليف النقل ويضغط على سلاسل الإمداد الغذائية.
ولا تقتصر تداعيات انخفاض مياه الدانوب على الزراعة والنقل، إذ امتدت إلى قطاع الطاقة، بعدما اضطرت السلطات الرومانية إلى إدارة موارد المياه لضمان توفير الحد الأدنى اللازم لتبريد مفاعلات شركة "نيوكلير إلكتريكا" النووية، ما يكشف مدى ارتباط أزمة المياه باستقرار البنية التحتية الحيوية.
وتزداد المخاوف مع توقعات بعودة درجات الحرارة إلى الاقتراب من 40 درجة مئوية في النمسا، الأمر الذي قد يؤدي إلى مزيد من انخفاض منسوب النهر وارتفاع حرارة المياه إلى مستويات تهدد النظام البيئي. ويعكس الوضع في الدانوب تحديًا اقتصاديًا متزايدًا أمام أوروبا، حيث تتحول ظواهر الجفاف والحرارة الشديدة من أزمة بيئية إلى عامل مؤثر في التجارة والطاقة وأسعار الغذاء.