جرائم دارفور وقائمة الـ"51".. ماذا بعد تصريحات الجنايات الدولية؟

إلى وقت قريب كان ضحايا الحرب في دارفور غربي السودان واثقون من وصول مقصلة العدالة الدولية لـ51 من قيادات تنظيم الإخوان الإرهابي.
لكن أحلام وتطلعات الضحايا تقلصت مع وصول المدعية العامة للمحكمة الجنايات الدولية فاتو بنسودا إلى الخرطوم الأسبوع الماضي، وتأكيدها على أن قائمة المطلوبين السودانيين تضم 5 أشخاص فقط بينهم الرئيس المعزول عمر البشير، وليس 51 كما يثار في وسائل الإعلام.
تأكيدات بنسودا فتحت تساؤلات عديدة في الشارع السوداني بشكل عام وفي دارفور بوجه خاص، حول مصير هذه القائمة الطويلة التي تضم أكثر قادة الإخوان دموية بعد أن ظلت متداولة لسنوات دون أن تُقدم جهة دولية على نفيها، وسط مخاوف من احتمالية نجاة المدرجين فيها من العقاب.
غير أن خبراء يشيرون إلى أن موقف المحكمة الجنائية الدولية الأخير لا ينبغي فهمه في سياق حصر الاتهام في جرائم دارفور في خمسة اشخاص، بينما ستصدر مذكرات توقيف بحق آخرين متى توفرت البيانات والأدلة الكافية التي تدعم تورطهم في الانتهاكات بالإقليم.
وتضم قائمة الـ51 شخصاً المتداولة منذ سنوات، قيادات عسكرية وسياسية في تنظيم الإخوان الإرهابي، أبرزهم إلى جانب الرئيس المعزول، مدير المخابرات سابقاً صلاح عبدالله "قوش"، ورئيس الاستخبارات ووزير الدفاع سابقا عوض بن عوف، ومساعد البشير، نافع علي نافع، والإخواني الذي تقلد عدة مناصب تنفيذية عبدالحميد موسى كاشا.
كما تحوي الزعيم القبلي موسى هلال، والقيادات الإخوانية عبدالله صافي النور ومطرف صديق وحاكم ولاية شمال دارفور سابقا عثمان محمد يوسف كبر، ورئيس دائرة الاستخبارات سابقاً عبدالكريم عبدالله، وقائد مليشيا الدفاع الشعبي والأمين العام الحالي للحركة الإسلامية السياسية حاليا علي أحمد كرتي.
أصل القائمة
الأمين العام لهيئة محامي دارفور الصادق علي حسن، قال لـ"العين الإخبارية" إن قائمة الـ51 شخصاً جاءت كنتاج عمل لجنة التحقيق الدولية التي كلفها الأمين العام للأمم المتحدة الأسبق كوفي عنان، برئاسة القاضي الإيطالي أنطونيو كاسيوس، بتوجيه من مجلس الأمن الدولي لإجراء تحقيق حول جرائم الحرب في دارفور.
وأشار إلى أن هذه اللجنة وصلت السودان بموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1593 للعام 2005، وأجرت تحقيقات مع الناجين في مخيمات النزوح واللاجئين في دارفور وتوصلت إلى توفر بينات ضد 51 شخصاً تشير الوقائع إلى ارتكابهم جرائم ضد الإنسانية في الإقليم.
وأضاف "بدوره قام مجلس الأمن الدولي بعد أن تسلم تقرير لجنة التحقيق بوضعه أمام الادعاء الجنائي بالمحكمة الجنائية الدولية كان ذلك خلال نفس العام".
وتابع المحامي الصادق أن "الادعاء الجنائي بالمحكمة الجنائية الدولية نظر في التقرير بحسب تفويضه للتحقيق في الوقائع وفي التوصية المرفوعة لمجلس الأمن الدولي دون أن يتقيد بها ومن خلال تحقيقه ثبت وقوع جرائم وانتهاكات علي قائد المليشيا علي كوشيب ووزير الدفاع بالنظام المعزول عبد الرحيم محمد حسين ووزير الداخلية أنذاك أحمد هارون".
وأردف "البلاغ المنظور الآن ضد كوشيب أمام المحكمة بالدائرة التمهيدية كشف عن توافر مسؤولية الاشتراك مع وزير الداخلية أحمد هارون وآخرين وتم اعتماد 31 تهمة في مواجهة قائد المليشيا وتم إحالة القضية للدائرة الابتدائية والتي تفصل فيها".
وسلم كوشيب وهو متهم رئيسي في جرائم حرب دارفور نفسه طواعية إلى المحكمة الجنائية الدولية في يونيو/حزيران 2020 بعد سنوات من الهروب من العدالة، وبعد سلسلة من الجلسات جرى توجيه 31 تهمة له تتصل بالقتل والاغتصاب وارتكاب انتهاكات جسيمة في الإقليم.
ورغم أهمية وصول العدالة الدولية لقائمة الـ51 التي تضم أكثر عناصر نظام الإرهابي دموية، يشير أمين هيئة محامي دارفور الصادق علي حسن إلى أن مذكرات التوقيف من الجنائية الدولية قد تشمل المتهمين الرئيسين فقط فهذه المحكمة لن تحل مكان الاختصاص الوطني لتنظر كل القضايا في الجرائم المرتكبة".
وقال حسن "محكمة الجنائية الدولية تعد محكمة تكميلية باختصاص تكميلي، وتفويضها يقتصر على نظر القضايا المتعلقة بالجرائم ضد الإنسانية والحرب والتطهير العرقي".
وكانت المحكمة الجنائية الدولية نفسها ألمحت إلى عدم صلتها بتقرير لجنة التحقيق، لكن طيلة هذه المدة لم تنفي أي جهة عدلية عالمية حقيقة قائمة الـ51 شخصية رغم تداولها على نطاق واسع وتضمنها أسماء بارزة في نظام الإخوان الإرهابي كانوا على علاقة بملف الحرب في إقليم دارفور في العام 2003م بين حكومة الجبهة الإسلامية بالخرطوم وحركات مسلحة.
اتهام يتمدد
ويرى المحلل السياسي شوقي عبدالعظيم أن تأكيد مدعية الجنائية الدولية فاتو بنسودا الأخيرة لا يعني حصر الاتهام في هؤلاء المطلوبين الخمسة، بينما ستمتد الأوامر متى ما توفرت أدلة وبينات جديدة بحق منسوبين في النظام السابق تشير إلى تورطهم في جرائم الحرب في دارفور.
وقال شوقي في تصريحاته لـ"العين الإخبارية" "معلوم أن مراحل التقاضي تبدأ بالاشتباه ثم الاتهام فالإدانة وإنزال العقاب، فقائمة الـ51 شخصية لم تسقط في تقديري وسيتم إصدار مذكرات توقيف لاحقاً بناء على البينات التي تظهر جراء التحقيقات المستمرة الآن".
ويستدل بالتدرج الذي تتبعه المحكمة الجنائية الدولية منذ تسلمها ملف حرب دارفور من مجلس الأمن الدولي، حيث أصدرت مذكرات توقيف بحق اثنين من النظام المعزول هم وزير الداخلية احمد هارون وحليف الإخوان علي كوشيب الذي سلم نفسه.
وبعد ذلك أمرت بتوقيف الرئيس المعزول عمر البشير عبر مذكرتين صدرتا في عامي 2008 و2009، وألحقت وزير الدفاع عبدالرحيم محمد حسين بالقائمة في العام 2012م.
ونبه شوقي إلى أن مذكرات الاعتقال الصادرة عن الجنائية شملت أيضاً ثلاثة متمردين هم بحر إدريس أبوقردة الذي ذهب وبرأ نفسه وعبدالله بندة "مثل بلاهاي مرة واحدة عام 2010 وأخفى نفسه حتى اليوم"، بجانب محمد صالح جربو جاموس سلم نفسه وتوفًي.
ويتفق المحلل السياسي أحمد حمدان مع شوقي، حول استحالة سقوط قائمة الـ51 شخصاً دون محاسبة، قائلاً إن "هؤلاء المتهمين مصيرهم بيد النازحين وضحايا الحرب في دارفور وهم وحدهم من يقررون، وليس للمحكمة الجنائية الدولية والحكومة السودانية أو أي طرف دولي أو إقليمي الحق في البت بشأن المتورطين".
وتابع حمدان في حديثه لـ"العين الإخبارية": "النازحون عندما استقبلوا مدعية الجنائية الدولية فاتو بنسودا عند زيارتها لهم في المخيمات بإقليم دارفور الأسبوع الماضي، كانت أولى مطالبهم تسليم المطلوبين الثلاثة المتواجدين في سجن كوبر حاليا وهم البشير ووزير دفاعه عبدالرحمن محمد حسين ووزير داخليته أحمد هارون، ومن ثم الكشف عن قائمة الـ51 والقبض على المدرجين بها بالكامل".
وتابع "بنسودا حثت النازحين بأن يستمروا في رفع صوتهم المطالب بتسليم المطلوبين للجنائية وأن يمدوا فريق تحقيق متكامل سيصل السودان قريبا بكل المعلومات والادلة التي بطرفهم".
وشدد بأن وصول فريق التحقيق الخاص بمحكمة الجنايات الدولية سيكشف عن أدلة جديدة تقود هؤلاء المتورطين إلى منصات العدالة الدولية.
aXA6IDMuMTM0LjgzLjc0IA== جزيرة ام اند امز