الظلام يبتلع الاقتصاد اليمني.. الكهرباء أكبر عائق للاستثمار
عرفت اليمن الكهرباء عام 1926 عند تشييد أول محطة في عدن لكنها اليوم تصنف واحدةً من أقل البلدان في معدلات إمداد الكهرباء في الشرق الأوسط.
وتعد أزمة الكهرباء في اليمن واحدة من أكبر العوائق أمام التنمية، حيث يعاني البلد البالغ عدد سكانها 30.4 مليون نسمة من عدم استقرار سياسي واقتصادي طويل الأمد، وهو ما شكل عائقًا أمام التنمية الاجتماعية والاقتصادية فيها لاسيما الاستثمارات.
كما عانى قطاع الكهرباء من أضرار مادية وغير مادية جسيمة، إثر انهيار الشبكة الوطنية التي تربط 13 مدينة تاركة الشعب اليمني يغرق في الظلام وحارمة إياه من الخدمات الأساسية الكافية لاسيما إمدادات المياه.
كهرباء مدعومة وخصخصة حوثية
هناك فروق في إمدادات الكهرباء بين مناطق الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، حيث توفر الكهرباء المدعومة لكن تعاني من انقطاعات متكررة، والمناطق التي يسيطر عليها الحوثيون، حيث تم خصخصة الكهرباء وباتت مصدر مدر للدخل للجماعة.
ففي مناطق الحكومة اليمنية، يخلف قدَم الشبكة الكهربائية فاقداً في إنتاج الطاقة يقدر بنحو 30%، بالإضافة الى سرقات الكهرباء من خارج العدادات التي تُنهك مولدات الطاقة وتكلف موازنة الدولة خسائر باهظة فضلاً عن التخلف المستمر عن سداد الفواتير من طرف القطاعات العامة والخاصة.
وفي العاصمة المؤقتة عدن، تفاقمت فجوة الطاقة، إذ واجه قطاع الكهرباء عجزاً تشغيلياً حاداً يبلغ 337 ميغاواط، مقارنة بمتوسط حجم الطلب الكلي البالغ 600 ميغاواط. وأدى هذا الاتساع في فجوة العرض والطلب إلى تراجع إنتاجية الطاقة وانقطاعها بشكل واسع، مسبباً شللاً في الأنشطة الاقتصادية والخدمية للمدينة، وفق تصريحات سكان لـ"العين الإخبارية".
ونتيجة ذلك، تواجه المؤسسة العامة للكهرباء عجزاً مالياً هيكلياً، حيث لا تغطي الإيرادات التشغيلية الفعلية سوى 50% من إجمالي تكاليف الإنتاج، ويعود هذا الخلل الإيرادي إلى سياسة الدعم السعري الكثيف للقطاع المنزلي، إذ تُباع تعرفة الكيلوواط الواحد بـ 9 ريالات يمنية فقط، مقابل تكلفة إنتاج حقيقية تبلغ 150 ريالاً (أي بمعدل دعم يتجاوز 94%).
أما بالنسبة للمناطق الخاضعة للحوثيين، فقد تغير توليد الكهرباء من إمداد حكومي إلى إمداد يقوده القطاع الخاص التابع لمستثمرين حوثيين، حيث نشرت المليشيات 300 مولد ديزل (50 -800 كيلوواط)، في المدن الرئيسية كالحديدة وصنعاء وباتت تعرفة الطاقة تخضع لسعر الوقود في السوق المحلي.
في مدينة الحديدة وحدها، قال سكان محليون لـ"العين الإخبارية"، إن كل مواطن يحتاج على الأقل 300 دولار شهرياً في الحدود الدنيا للحصول على الكهرباء في ظل حرارة الصيف وذلك بسبب التسعيرة الظالمة التي يفرضها الحوثيون وهي الأغلى عالمياً.
وأشاروا إلى أن تسعيرة الكهرباء الواصلة إلى 280 ريالاً للكيلوواط الواحد (سعر صرف يبلغ 535 ريالاً) أصبحت عبئاً وخارج متناول الطبقة الوسطى، ناهيك عن عاملي الأجر اليومي والموظفين بلا رواتب.
- جامعات اليمن في قبضة الحوثي.. التعليم يتحول إلى تجارة ورسوم بملايين الدولارات
- عنب اليمن.. «جواهر عابرة» تتحدى حرب الحوثي
خسائر هائلة
تسبب الانقطاع المزمن للتيار الكهربائي في تكبيد الاقتصاد اليمني خسائر هائلة عطلت سلاسل الإمداد والإنتاج الإجمالي، إلا أن المؤشرات الرسمية تفتقر حتى الآن إلى آليات رصد وتحديثات دورية لتقييم حجم هذا الضرر بدقة.
وتشير المؤشرات الحكومية إلى أن الخسائر التراكمية الكلية للاقتصاد منذ انقلاب الحوثي أواخر عام 2014 وحتى مطلع عام 2026، بلغت نحو 126 مليار دولار، دون تحديد حجم الخسائر المباشرة للمنشآت نتيجة انهيار البنية التحتية للطاقة.
كما أدى انهيار قطاع الطاقة، باعتباره المحرك الأساسي للتنمية والنمو، إلى شلل هيكلي في الاقتصاد اليمني؛ حيث تراجعت مؤشرات النمو الإجمالي وتدنت إنتاجية القطاعين العام والخاص نتيجة توقف المرافق الحيوية كـ(المستشفيات، والمياه، والاتصالات، والمصارف).
ووفقاً للتقارير الرسمية فقد ضاعف هذا الانهيار من التكاليف التشغيلية عبر الاعتماد الإجباري على حلول الطاقة البديلة المكلفة، مما أسفر عن فقدان واسع لسبل العيش، مهدداً بكارثة اقتصادية تراكمية.
مناخ استثماري
يعزو الكثير من المسؤولين اليمنيين أسباب تردد المستثمرين للعمل في البلاد إلى غياب الكهرباء وظروف الحرب التي تشنها مليشيات الحوثي.
لكن مستثمر يمني في صنعاء الخاضعة للحوثيين، أشار في حديث لـ"العين الإخبارية" إلى عدم جاذبية السوق حالياً في اليمن إثر الحرب الحوثية التي دمرت البنية التحتية للطاقة وغياب الظروف الممكنة اللازمة، مثل الحوافز واللوائح الملائمة، وغياب المناخ الاستثماري الجذّاب والسوق التنافسية للقطاع الخاص.
وأوضح أن الوضع القائم يجعل من "الصعب جذب المستثمرين الأجانب بسبب ارتفاع معدلات التضخم، وضعف القطاع المالي، والتعريفات المدعومة، وانخفاض دخل الفرد وانقطاع المرتبات".
الطاقة الشمسية
تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن معدل الوصول العام للطاقة في اليمن يبلغ حوالي 76%، إلا أن 12% فقط من السكان يعتمدون على الشبكة العامة.
ويعكس هذا التباين، بحسب خبراء لـ"العين الإخبارية"، إلى التحول الهيكلي في نمط الاستهلاك والاتجاه نحو حلول الطاقة البديلة (كالطاقة الشمسية)، مدفوعاً بانهيار المنظومة الحكومية إثر الحرب الحوثية.
وفي إطار تعزيز الاستدامة وتغطية هذا العجز الهيكلي، قادت دولة الإمارات خطة التنويع الاستثماري في قطاع الطاقة المتجددة في اليمن، عبر تشييد 6 محطات للطاقة الشمسية موزعة على محافظات (عدن، وتعز، والحديدة، وشبوة) بمساحة تتجاوز 3.5 مليون متر مربع.
واستهدفت هذه المشاريع الاستراتيجية في المحافظات الـ4 ضخ نحو 500 ميغاواط من الطاقة النظيفة في الشبكة المحلية، مما يساهم في خفض التكاليف التشغيلية وتأمين الطلب المتنامي.
احتياج اليمن لإصلاح الكهرباء
وبشأن احتياج اليمن لإصلاح قطاع الكهرباء، فتشير آخر تقارير البنك الدولي إلى أن الكلفة التقديرية لإعادة بناء البنية التحتية لقطاع الطاقة في اليمن تصل لنحو 2.8 مليار دولار، كما تقدر بعض التقارير الدولية كلفة زيادة إنتاج الكهرباء إلى نحو 3000 ميغاواط بأكثر من 5 مليارات دولار وهي أرقام كبيرة مقارنة بحجم موازنة الدولة والعجز المالي الشديد الذي تعاني منه اليمن.
ثقب أسود
وفقاً لشهادات مواطنين في المدن الرئيسية لاسيما عدن فإن السكان يحصلون على ساعتين فقط من الكهرباء يوميا مقابل انقطاع 5 إلى 7 ساعات وذلك إثر نقص الوقود اللازم لتشغيل محطات توليد الطاقة.
وتحولت الكهرباء إلى ثقب أسود للحكومة اليمنية التي تقول إن فاتورة وقود توليد الكهرباء تستنزف النسبة الأكبر من الإنفاق العام، بتكلفة شهرية تتراوح بين 75 و100 مليون دولار؛ وهو ما يمثل ضعف إجمالي المخصصات المالية لرواتب موظفي القطاع العام.
ويُعزى هذا العجز الهيكلي، وفقاً للتقارير الرسمية، إلى تراجع الكفاءة التشغيلية لـ 70 محطة توليد في المناطق المحررة، حيث تعتمد على وقود عالي التكلفة (المازوت) و(الديزل)، ومع تقادم العمر الافتراضي لهذه الأصول، ترتفع معدلات الاستهلاك والإنفاق الموجّه للصيانة الدورية، مما يضاعف من حدة الهدر المالي.
تراجع الإنتاج الصناعي
أدت أزمة الطاقة في تراجع الحجم الإنتاجي للشركات والمصانع في اليمن نتيجة الارتفاع الحاد في النفقات التشغيلية المترتبة على الاعتماد على مصادر الطاقة التجارية البديلة، الأمر الذي أدى إلى انكماش سوق العمل وفقدان آلاف الوظائف.
ووفقاً لدراسات وأبحاث فقد انعكس هذا الخلل الهيكلي سلباً على قطاعي الصناعة والخدمات، اللذين يستوعبان 12% و46.9% من إجمالي القوى العاملة على التوالي، حيث سجلت مساهمتهما في الناتج المحلي الإجمالي لعام 2019 انكماشاً حاداً بمعدل 55.3% و43.1% مقارنة بعام الأساس 2015.