مسرح هوانغيان.. مدمرات وقاذفات صينية ترسم موازين القوى
في خطوة عسكرية محسوبة الرسائل، نفّذت قيادة المسرح الجنوبي للجيش الصيني، تدريبات عسكرية متكاملة في محيط جزيرة هوانغيان والمياه والمجال الجوي المحيطين بها، رداً على خطوة فلبينية صنّفت الجزيرة ضمن نطاق تدريباتها العسكرية.
وشملت المناورات، بحسب مجلة «مليتري ووتش»، انتشاراً مكثفاً لوحدات بحرية وجوية متطورة في إطار دورية استعداد قتالي، هدفت إلى تأكيد السيطرة الفعلية للصين على المنطقة وإبطال أي إجراءات أحادية من الأطراف المتنازعة.
وتُعد جزيرة هوانغيان، المعروفة أيضاً باسم «سكاربورو شول»، ذات أهمية استراتيجية بالغة، نظراً لموقعها المتقدم عند المدخل الشرقي لبحر الصين الجنوبي، وقربها من خطوط الملاحة الدولية الحيوية، فضلاً عن كونها نقطة ارتكاز رئيسية في معادلة التحكم البحري والجوي بين شرق آسيا وغرب المحيط الهادئ.
وتمثل الجزيرة حلقة مفصلية في شبكة الدفاعات الصينية المتقدمة، بما يمنح بكين قدرة موسعة على المراقبة والإنذار المبكر وفرض النفوذ البحري في مواجهة القوى الإقليمية والدولية.
مدمرة تايب 055
وقادت المدمرة «شيانغيانغ» من طراز تايب 055 تشكيلاً بحرياً متعدد السفن في المنطقة، في خطوة اعتبرها محللون رسالة تتجاوز الفلبين إلى شركائها الاستراتيجيين.
وتُعد هذه الفئة من المدمرات، التي لا يوجد منها سوى ثماني قطع في الخدمة الفعلية، من أكثر السفن القتالية السطحية تطوراً في العالم.

وكان المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن قد وصفها بأنها «قد تكون أكثر السفن القتالية السطحية متعددة المهام كفاءة في البحر حالياً»، مشيراً إلى أنها تمثل نقلة نوعية في قدرة البحرية الصينية على تنفيذ عمليات انتشار مستقل بعيد المدى أو قيادة مجموعات مهام متكاملة.
وتتميز المدمرة تايب 055 بقدرات شاملة تشمل الهجوم البري، والدفاع الصاروخي والجوي، والحرب المضادة للغواصات، ومكافحة السفن السطحية، وتعتمد في تسليحها الرئيسي على 112 خلية إطلاق عمودية قادرة على حمل تشكيلة واسعة من الصواريخ.
كما تتمتع بوعي ظرفي متقدم بفضل رادار ثنائي النطاق يوفر قدرات كشف تتجاوز الأفق، في تصميم يُقارن بما كانت البحرية الأمريكية تسعى إلى دمجه في مدمرات «زوموالت» عبر نظام إس بي واي-3/إس بي واي-4 دون نجاح كامل.
ومع دمج محدود للصاروخ الباليستي المضاد للسفن فرط الصوتي «واي جي-20»، والمتوقع دخوله الخدمة الكاملة بحلول عام 2026، يُرجح أن تشهد القدرات القتالية لهذه المدمرات قفزة إضافية، حيث يرى خبراء عسكريون أن مدمرة واحدة من هذا الطراز تمتلك قوة نارية تفوق مجمل القدرات التقليدية للبحرية والقوات الجوية الفلبينية مجتمعة.
القوة الجوية الاستراتيجية
وعلى المستوى الجوي، رافقت التشكيلات البحرية قاذفات قنابل استراتيجية من طرازي «إتش-6 كيه» و«إتش-6 جيه»، حلّقت حول الجزيرة برفقة مقاتلات «سو-30 إم كيه كيه» بعيدة المدى.
وتُعد قاذفات «إتش-6» الأكثر انتشاراً في العالم، إذ يُقدّر عددها في الخدمة بنحو 270 طائرة، كما أنها القاذفة الوحيدة، باستثناء «تو-160» الروسية محدودة الإنتاج، التي لا تزال تُنتج بأعداد كبيرة، ما يعكس مرونة تصميمها وتعدد أدوارها العملياتية في سلاح الجو والبحرية الصينيين.
وخلال هذه الدورية، زُوّدت القاذفات بصواريخ «واي جي-12» المضادة للسفن، المصممة لاختراق الدفاعات الجوية البحرية بسرعات عالية.
ووفقاً لتقارير استخباراتية، بينها تقييم صادر عن كلية الحرب البحرية الأمريكية، يتمتع هذا الصاروخ بمدى يتجاوز نظيراته الغربية، وبقدرة على الإطلاق من خارج نطاق اشتباك أنظمة الدفاع الجوي المعادية. كما تعززت قدرات الاستهداف الجوية الصينية بشكل ملحوظ مع إدخال الصاروخ الأحدث «واي جي-21»، الذي يُعد نسخة تُطلق من الجو من الصاروخ «واي جي-20»، ويوفر دقة أعلى وقوة تدميرية أكبر ضد الأهداف البحرية عالية القيمة.

رسائل إقليمية ودولية
ويُنظر إلى هذه التدريبات على أنها ثاني استعراض كبير للقوة في المنطقة خلال شهر واحد، وقد أدت، بحسب مصادر حكومية صينية، إلى «إلغاء منطقة التدريب التي حددتها الفلبين» عملياً.
ورغم أن نشر مدمرة أصغر من طراز تايب 052 دي كان كفيلاً بإيصال رسالة ردع مباشرة إلى مانيلا، فإن اختيار أصول بحجم تايب 055 وقاذفات استراتيجية مسلحة بصواريخ متطورة، يشير بوضوح إلى أن الرسالة موجهة أيضاً إلى الولايات المتحدة واليابان وأستراليا.
يأتي هذا الاستعراض في سياق تسليط الضوء على التقدم السريع الذي أحرزته الصين في مجال الصواريخ المضادة للسفن، ولا سيما توليفات الصواريخ الأسرع من الصوت والفرط صوتية، التي يُتوقع أن تلعب دوراً حاسماً في أي مواجهة محتملة مع مجموعات حاملات الطائرات ذات الدفاعات الصاروخية متعددة الطبقات.
وقد تزامنت المناورات مع إعادة نشر البحرية الأمريكية لبعض أصولها الرئيسية بعيداً عن غرب المحيط الهادئ نحو الشرق الأوسط، ما أعاد إلى الواجهة النقاش حول الفجوة التكنولوجية المتنامية في هذا المجال.
وفي ظل افتقار المدمرات والقاذفات الأمريكية حالياً إلى صواريخ مضادة للسفن مماثلة لتلك التي تستخدمها قاذفات «إتش-6» ومدمرات تايب 055، إلى جانب النمو السريع للأسطول الصيني مقارنة بنظيره الأمريكي، يرى مراقبون أن موازين القوى في بحر الصين الجنوبي لا تزال تميل بشكل واضح لصالح بكين، التي نجحت عبر استعراض هوانغيان في ترسيخ تفوقها الإقليمي وإيصال رسالة ردع متعددة المستويات.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuMTMg
جزيرة ام اند امز