تباين الذائقة السينمائية.. «ابن مين فيهم» يتراجع في مصر ويتصدر بالسعودية
شهدت صناعة السينما العربية في السنوات الأخيرة تحولاً جذرياً في طبيعة شباك التذاكر، حيث لم تعد الإيرادات تُقاس بمدى نجاح الفيلم داخل القطر البلد المنتج فحسب، بل أصبحت محكومة بمعادلة استثمارية وإقليمية أوسع تتصدرها الأسواق الخليجية.
هذا التحول كشف عن الفجوة المتزايدة بين ذائقة الجمهور المحلي في مصر، وبين تطلعات الجمهور في السعودية .
وبينما تبحث السوق المصرية اليوم عن الجودة الإنتاجية العالية والتجارب البصرية أو الكوميديا المبتكرة، ما زالت الأسواق الخارجية ترحب بشكل أكبر بالمعادلات الكوميدية العائلية ذات الطابع الاجتماعي المباشر.
«ابن مين فيهم».. تجسيد حاد لتباين الأرقام
يتجلى هذا التباين بشكل ملحوظ في النتائج الرقمية لفيلم «ابن مين فيهم»، والذي أُطلق في دور العرض في صيف عام 2026.
الفيلم الذي يجمع الثنائي الكوميدي ليلى علوي وبيومي فؤاد ومن تأليف لؤي السيد وإخراج هشام فتحي، يقدم حبكة اجتماعية كوميدية تدور حول رجل أعمال مستهتر يضطر للبحث عن ابنه المجهول للحصول على ميراث عمته الضخم بمساعدة محامية.
ورغم الأسلوب المألوف والسيطرة الكوميدية العائلية للفيلم، إلا أن شباك التذاكر أظهر مفارقة رقمية صارخة بين السوقين.
ضعف محلي في مصر مقابل تحليق خيالي في السعودية
ففي السينمات المصرية، واجه الفيلم استقبالاً جماهيرياً شاحباً وتراجعاً كبيراً في الإقبال، حيث لم تتجاوز إيراداته الإجمالية حاجز 2.9 مليون جنيه مصري، واكتفى ببيع آلاف معدودة من التذاكر في أسابيعه الأولى.
يعود هذا التواضع في الإيرادات محلياً إلى تشبع الجمهور المصري من القوالب الكوميدية المتكررة والاعتماد المكثف على الإفيهات اللفظية دون تجديد في بناء المفارقات أو جودة التصوير، فضلاً عن ارتفاع أسعار التذاكر التي جعلت المشاهد أكثر حرصاً على اختيار الأفلام ذات القيمة الإنتاجية الضخمة.
في المقابل، كشفت شاشات العرض السعودية عن قصة مختلفة تماماً لفيلم «ابن مين فيهم»، إذ تصدر الفيلم مراكز متقدمة في شباك التذاكر السعودي .
حقق الفيلم في السعودية إيرادات تجاوزت 5.2 مليون ريال سعودي (ما يعادل أكثر من 70 مليون جنيه مصري)، إضافة إلى تحقيقه إيرادات إيجابية في الخارج، ليتجاوز إجمالي إيراداته الخارجية حاجز الـ 1.6 مليون دولار أمريكي.
هذا النجاح الساحق خارجياً يعكس تعطش الجمهور السعودي والشرائح العائلية هناك للمحتوى الترفيهي الخفيف الخالي من التعقيد، والاعتماد على أسماء نجوم يمتلكون شعبية تاريخية ومحبة واضحة كليلى علوي وبيومي فؤاد.
ظاهرة التصدير الكوميدي: ثنائيات تكتسح خارج الحدود
ولم تكن حالة «ابن مين فيهم» استثناءً في هذا المشهد، بل جاءت امتداداً لسلسلة من الأعمال التي صنعها نفس الثنائي والمؤلف، مثل أفلام «ماما حامل»، «شوجر دادي»، و«جوازة توكسيك».
جميع هذه الأعمال سجلت أرقاماً متواضعة في مصر مقارنة بالانفجار الرقمي الذي حققته في دور العرض السعودية.
وتُظهر البيانات أن هذه المجموعة من الأفلام جمعت ملايين الدولارات في الخليج بفضل ملاءمتها للزيارات العائلية في المجمعات التجارية، بينما اعتبرها الجمهور في مصر أعمالاً تلفزيونية أو عروضاً لا تتناسب مع كلفة وتجربة الذهاب إلى السينما.
الإبهار البصري والواقعية.. المساحة المشتركة المضمونة
على الجانب الآخر، تُظهر الأرقام أن النموذج الذي يجمع القبول الكاسح في مصر والسعودية معاً هو الفيلم الذي يقدم إبهاراً بصرياً وتجربة سينمائية فريدة.
يتضح ذلك جلياً في تجربة فيلم «ولاد رزق 3: القاضية»، والذي استطاع حصد أكثر من 250 مليون جنيه في السوق المصري محققاً أعلى إيراد في تاريخ السينما المصرية، بالتوازي مع تحقيقه أرقاماً قياسية تاريخية في السعودية والخليج تجاوزت ملايين الدولارات.
هذا الإجماع الفريد أثبت أن التجهيزات الإنتاجية الضخمة ومشاهد الأكشن المصممة بمعايير عالمية تتجاوز الاختلافات الثقافية وتحقق رضا الذائقتين في وقت واحد.
كما تشير تجربة فيلم «الحريفة» إلى تحول مهم في الذائقة المصرية الشابة؛ حيث استطاع الفيلم تحقيق أكثر من 74 مليون جنيه في مصر اعتماداً على بطولة شبابية كاملة وقصة واقعية تمس جيل المراهقين والشباب، ورغم أن إيراداته الخليجية كانت جيدة، إلا أن زخمه الأكبر كان محلياً بسبب معالجته لواقع الشارع والكرة الخماسية المصرية.
يوضح هذا التباين أن الجمهور المصري يبحث إما عن محتوى يمثله ويخاطب وقعه الاجتماعي الحديث بجرأة، أو عن وجبات أكشن ومغامرة ضخمة، بينما تظل الكوميديا العائلية التقليدية السلعة الأكثر رواجاً وتصديراً للسوق الخليجي.
التحدي الإنتاجي بين السوقين
تؤكد هذه القراءة التحليلية أن السينما العربية أصبحت أمام شباك تذاكر مزدوج المعايير؛ شباك محلي في مصر يقوده جيل جديد من المشاهدين ذوي السلوك الناقد والمتطلب على منصات التواصل الاجتماعي، وشباك خليجي سريع النمو يبحث عن الترفيه العائلي الواسع والنجوم المألوفين.
هذا التباين الكبير يضع صنّاع السينما والشركات الإنتاجية أمام خيارين: إما تفصيل أعمال موجهة خصيصاً للتصدير الخارجي تعتمد على النجومية والكوميديا الخفيفة، أو الذهاب نحو إنتاجات ضخمة ومبتكرة تستطيع أن تحافظ على حضورها المحلي وتضمن في الوقت نفسه حصة كبرى من كعكة الإيرادات الإقليمية.