معركة الدولار تبدأ في بغداد.. تغييرات كبرى تعيد تشكيل الملف المالي العراقي
تضمنت الإجراءات الأخيرة التي اتخذها رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي حزمة تغييرات بارزة في المؤسسات الاقتصادية والمالية، في خطوة تهدف إلى إعادة رسم السياسات النقدية وتعزيز مسار الإصلاح الاقتصادي في البلاد.
وشملت هذه التغييرات تكليف الدكتور نزار ناصر حسين العامري بمنصب محافظ البنك المركزي العراقي خلفا لعلي العلاق، وهي خطوة يُنظر إليها على أنها جزء من توجه حكومي لإعادة ضبط السياسة النقدية، وتحسين إدارة ملف الدولار، وتعزيز معايير الامتثال المالي والرقابي في النظام المصرفي العراقي قبل زيارة الزيدي المرتقبة إلى واشنطن منتصف يوليو/ تموز المقبل.
كما تضمنت الإجراءات إعفاء رئيس الهيئة الوطنية للاستثمار حيدر مكية بعد أيام من الموافقة على استجوابه داخل البرلمان، وتكليف عادل الياسري بإدارة الهيئة، وسط انتقادات متصاعدة لأداء القطاع الاستثماري، ومطالبات بتطوير بيئة الاستثمار وحماية حقوق المستثمرين والمواطنين.
وفي قطاع النقل، تم إحالة المدير العام للشركة العامة لموانئ العراق فرحان الفرطوسي إلى التقاعد بناءً على طلبه، في إطار تغييرات إدارية تطال مؤسسات خدمية واقتصادية مرتبطة بالبنية التحتية والتجارة البحرية.
زيارة أمريكية
وترافقت هذه التغييرات مع زيارة قام بها "توم براك" مبعوث الرئيس الأمريكي الخاص إلى بغداد واجتماعه مع الزيدي الإثنين الماضي، الأمر الذي أثار تساؤلات عن طبيعة المرحلة الجديدة التي تستعد لها الحكومة العراقية في إعادة ترتيب داخلية شاملة.
ويشير مختصون إلى وجود مؤشرات رسمية تربط بين الزيارة الأمريكية وحزمة التغييرات الأخيرة، فتوقيتها المتزامن دفع بعض الأوساط إلى اعتبار أن الحكومة العراقية تسعى إلى إعادة ترتيب الملف الاقتصادي بما يتلاءم مع تحديات المرحلة المقبلة، في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة والضغوط المرتبطة بملفات الطاقة والاستثمار.
مكافحة الفساد
من جانبه، اعتبر عضو البرلمان العراقي عن الإطار التنسيقي، قيصر الجوراني، أن المرحلة المقبلة يجب أن تقوم على معيار الكفاءة والنزاهة وتدوير المسؤوليات، مشيراً إلى أن العديد من المواقع الإدارية تحتاج إلى تقييم وتجديد.
وأضاف في حديثه لـ"العين الإخبارية"، أن رئيس الوزراء يركز على محورين رئيسيين أحدهما الجانب الاقتصادي، حيث يمثل البنك المركزي عصب السياسة الاقتصادية للدولة.
وأوضح أنه تم تكليف الدكتور نزار ناصر بمنصب محافظ البنك المركزي العراقي بدلاً من علي العلاق، في خطوة اعتُبرت من أبرز التغييرات في الهيكل المالي للدولة، نظراً لحساسية البنك المركزي في إدارة السياسة النقدية وملف الدولار في البلاد.
وفي سياق متصل، أوضح الجوراني أن هذه التغييرات تأتي ضمن رؤية أوسع تتبناها الحكومة لإعادة هيكلة مؤسسات الدولة، عبر تدوير المسؤوليات وإتاحة الفرصة لدماء جديدة تمتلك الكفاءة والخبرة، مع التركيز على قطاعي الأمن والاقتصاد باعتبارهما العمود الفقري لاستقرار الدولة.
وأضاف أن بعض المؤسسات تحتاج إلى مراجعة حقيقية لأدائها بعد سنوات من استمرار بعض المسؤولين في مناصبهم، مشدداً على أن معيار المرحلة المقبلة يجب أن يكون الكفاءة والنزاهة والقدرة على تحقيق الإنجاز.
إعادة هيكلة مراكز النفوذ
وفي سياق متصل، أكدت مصادر مقربة من الإطار الشيعي الحاكم لـ"العين الإخبارية"، أن "المبعوث الأمريكي توم براك خلال زيارته إلى العاصمة بغداد ولقائه رئيس الوزراء علي الزيدي الإثنين الماضي، طرح خلال اللقاء ملفات الإصلاح المؤسسي وإعادة هيكلة مراكز النفوذ في الدولة".
وقالت المصادر إن "الحكومة اتجهت إلى إحداث تغيير مهم في واحد من أكثر المواقع حساسية في الدولة، عبر تكليف نزار ناصر العامري بمنصب محافظ البنك المركزي العراقي بدلاً من علي العلاق، بهدف إعادة ضبط لمسار السياسة النقدية وإدارة ملف الدولار، في وقت تتزايد فيه الضغوط الدولية على العراق لضبط قنوات التمويل ومكافحة غسل الأموال وتمويل الأنشطة غير المشروعة".
وتابعت "يُنظر إلى هذا التغيير باعتباره جزءاً من مقاربة أوسع لإعادة ترتيب المؤسسات المالية، خصوصاً أن العامري يمتلك خبرة طويلة داخل البنك المركزي، وتحديداً في ملف مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وهو ما يضعه في موقع متقدم للتعامل مع المعايير الدولية ومتطلبات الامتثال المرتبطة بالنظام المالي العالمي، بما في ذلك الملفات التي تتابعها الخزانة الأمريكية عن كثب".
ولفتت المصادر إلى "أن هذه الحزمة من القرارات لا يمكن فصلها عن السياق الأوسع، ولا عن زيارة المبعوث الأمريكي إلى بغداد، إذ تأتي في ظل نقاشات حول إصلاح البنية المالية، وإعادة ضبط العلاقة بين المؤسسات السيادية وملفات الاقتصاد، بما يعكس توجه الحكومة نحو تقليص التداخل السياسي في المواقع الحساسة وتعزيز ما يوصف بـ"إعادة هندسة الدولة" وفق معايير الكفاءة والامتثال الدولي.
ترتيب الملف المالي العراقي
ويرى المختص في الشؤون الاقتصادية العراقية، نجم سالم الحلفي، في تصريح لـ"العين الإخبارية"، أن التغييرات الأخيرة التي طالت بعض المفاصل المالية والاقتصادية في العراق، وفي مقدمتها منصب محافظ البنك المركزي، تعكس مرحلة إعادة ضبط شاملة للسياسة النقدية والمالية في البلاد، وتأتي في توقيت بالغ الحساسية يرتبط بطبيعة العلاقات الخارجية للعراق، ولا سيما مع الولايات المتحدة والمؤسسات المالية الدولية.
ويضيف الحلفي أن تكليف نزار ناصر العامري، الذي يمتلك خبرة تمتد لأكثر من ربع قرن في ملفات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، بمنصب محافظ البنك المركزي خلفاً لعلي محسن العلاق، يُعد خطوة لافتة ومهمة في هذا السياق.
ويشير إلى أن العامري يمتلك معرفة دقيقة بملفات غسل الأموال وتدفقات الأموال المرتبطة بالفصائل المسلحة داخل العراق، ما يجعل اختياره لهذا المنصب خياراً غير اعتباطي، بل مرتبط بطبيعة المرحلة ومتطلباتها الرقابية والمالية.
ويتابع أن نزار العامري يُعد شخصية مختلفة من حيث المسار المهني، إذ تدرج منذ عام 1999 في مناصب قانونية ورقابية داخل البنك المركزي، وكان آخر منصب له مديراً عاماً لمكتب مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وهو مكتب مستقل يعمل وفق معايير دولية ويخضع لآليات رقابية صارمة، بما في ذلك تنسيق مباشر مع جهات دولية، الأمر الذي أكسبه خبرة واسعة في التعامل مع الملفات الحساسة ذات الصلة بالامتثال المالي.
ويؤكد الحلفي أن هذا المسار المهني وضع العامري في تماس مباشر مع ملفات معقدة تتعلق بتنفيذ العقوبات الدولية ومراقبة التحويلات المالية، إضافة إلى منع تدفق الأموال غير المشروعة، وهي قضايا تحظى باهتمام كبير من قبل الخزانة الأمريكية والمؤسسات المالية العالمية.
ويوضح "هذا التعيين خياراً أمريكياً بامتياز"، فالرجل الذي قضى سنوات في "مطاردة" الشبكات المالية المشبوهة، والذي يتقن لغة المعايير الدولية التي تفرضها واشنطن، يُنظر إليه كضمانة لإبعاد الملف المالي العراقي عن نفوذ طهران وأذرعها السياسية والمسلحة.
ويختم الحلفي حديثه قائلا إن "الحكومة العراقية تسعى الى إعادة ترتيب الأوراق قبل التوجه إلى واشنطن في منتصف الشهر المقبل، و في هذا السياق، يصبح تعيين العامري ليس مجرد تغيير إداري، بل رسالة واضحة: الملف المالي يتجه نحو مزيد من “المهنية الدولية” التي تتوافق مع أولويات الخزانة الأمريكية، بعيدا عن نفوذ الأحزاب والكتل.
من هو العلاق؟
علي محسن العلاق، الذي ارتبط اسمه لعقود بائتلاف دولة القانون وقيادته، لم يكن مجرد محافظ بنك مركزي. كان حلقة وصل سياسية وثيقة مع السلطة التنفيذية خلال حكومتي نوري المالكي، ثم عاد إلى المنصب عام في حكومة رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني.
وفي نظر مراقبين، مثل العلاق رمزا لنفوذ سياسي معين داخل المؤسسة المالية الأهم في البلاد، حيث تدار مزادات الدولار وتتحكم السياسة النقدية في مصير الملايين.
بدأ العلاق مسيرته الأكاديمية بالحصول على شهادة البكالوريوس في المحاسبة وإدارة الأعمال عام 1976، ثم نال الدبلوم العالي في العلوم المالية عام 1979. كما حصل لاحقاً على دكتوراه فخرية في التاريخ الإسلامي من معهد التاريخ العربي.
وينتمي العلاق سياسياً إلى حزب الدعوة الإسلامية بزعامة نوري المالكي، وهو ما انعكس على حضوره داخل مؤسسات الدولة ومواقعه التنفيذية.
شغل العلاق منصب أمين عام مجلس الوزراء العراقي بين عامي 2006 و2014، وهو أحد أبرز المواقع الإدارية في الدولة العراقية، كما تولى لاحقاً منصب محافظ البنك المركزي العراقي بالوكالة لمدة ست سنوات في فترته الأولى.
وعلى المستوى الإقليمي والدولي، تولى مناصب بارزة، من بينها رئاسة مجلس محافظي صندوق النقد العربي، ومثّل العراق في صندوق النقد الدولي عام 2014، كما عُين مديراً لبنك التنمية الإسلامي في العام نفسه.
كما شغل رئاسة مجلس مبادرة “الشفافية” للصناعات الاستخراجية العراقية، ويحمل عضوية في جمعية المحاسبين القانونيين في العراق، ما يعكس حضوره في الأطر المالية والمحاسبية الرسمية.
فترات إدارة البنك المركزي
ارتبطت فترة إدارة العلاق للبنك المركزي بعدد من الملفات المثيرة للجدل، حيث أشارت تقارير إلى أزمات مالية وإدارية متعددة، من أبرزها فضيحة مستندات الاستيراد الوهمية، إضافة إلى شبهات مرتبطة بملف تمويل بعض الصفقات الحكومية.
كما شهدت تلك المرحلة توسعاً في إصدار العملة النقدية، حيث تمت الإشارة إلى طباعة كميات كبيرة من الأوراق النقدية وصلت إلى نحو 90 مليار دينار عراقي، إلى جانب ظهور اسمه على فئات نقدية مثل 250 و1000 دينار.
ومن بين الحوادث التي أُثيرت في تلك الفترة، ما وُصف بـحادثة غرق 6 ملايين دولار داخل مخزن أموال في مبنى البنك المركزي وسط بغداد، والتي عُدت من أبرز الإخفاقات الإدارية المنسوبة لتلك المرحلة.
في 23 يناير/كانون الثاني 2023، عاد علي محسن العلاق مجدداً إلى منصب محافظ البنك المركزي العراقي بقرار من رئيس الحكومة محمد شياع السوداني، في خطوة أثارت جدلاً سياسياً واقتصادياً واسعاً، في ظل تقييمات متباينة لأدائه السابق داخل المؤسسة النقدية، بين من يعتبره صاحب خبرة طويلة في إدارة الملف المالي، ومن ينتقد إرثه المرتبط بالأزمات النقدية والإدارية خلال فترات سابقة.
من هو ناصر حسين؟
يُعدّ نزار ناصر حسين العامري أحد أبرز الكوادر القانونية والإدارية العاملة داخل البنك المركزي العراقي، وارتبط اسمه خلال السنوات الأخيرة بملف الامتثال المالي الدولي ومكافحة الجرائم المالية، في سياق التحولات التي يشهدها القطاع المصرفي العراقي وتعزيز ارتباطه بالمعايير العالمية.
ويحمل شهادة الماجستير في القانون، وهو ما أسس لخبرته المهنية في المجال القانوني المصرفي. وقد ساعده هذا التخصص في التعمق في تشريعات مكافحة الجرائم المالية، وصياغة الأنظمة والتعليمات المصرفية، إضافة إلى متابعة ملفات الامتثال للقوانين المحلية والدولية ذات الصلة بالقطاع المالي.
وبدأ نزار ناصر حسين مسيرته المهنية في البنك المركزي العراقي بتاريخ 15 ديسمبر/كانون الأول 1999، حيث التحق بالمؤسسة ضمن كوادرها القانونية والإدارية، قبل أن يبدأ مساراً وظيفياً طويل الأمد داخل أروقتها.
وخلال أكثر من ربع قرن من العمل، تدرج في عدد من المناصب والمسؤوليات التي ركزت بشكل أساسي على الجوانب القانونية والرقابية، خصوصاً تلك المرتبطة بالأنظمة المالية ومكافحة الجرائم المصرفية.
ويشغل حالياً منصب مدير عام مكتب مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وهو أحد المكاتب الحساسة داخل البنك المركزي، ويتمتع باستقلالية إدارية ومالية، ويعمل ضمن نطاق تعاون مباشر مع جهات دولية معنية بملفات الامتثال المالي.
ويتولى نزار ناصر حسين عدداً من المهام الحيوية في إطار عمله، من أبرزها:
التمثيل الدولي للعراق في الاجتماعات والوفود الرسمية المشتركة بين البنك المركزي ووزارة الخارجية والجهات الأمنية، ولا سيما في اجتماعات مجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (MENAFATF).
الإشراف على منظومة الامتثال المالي، بما يشمل تطبيق المعايير الدولية الخاصة بمكافحة غسل الأموال ومنع تمويل الإرهاب، ومتابعة القوائم السوداء، وتطوير أنظمة تتبع التحويلات المالية بالتنسيق مع المصارف المحلية والمؤسسات الدولية.
التنسيق القضائي والتنفيذي بين البنك المركزي والسلطة القضائية، خصوصاً في ما يتعلق بمحاكم التحقيق المختصة بقضايا النزاهة ومكافحة غسل الأموال، من خلال إعداد التقارير الفنية والمالية المرتبطة بالقضايا المنظورة.