فن

خطاب التغيير الدرامي.. وتجربة التسامح الإماراتية الملهمة

الإثنين 2019.2.4 07:20 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 219قراءة
  • 0 تعليق
ماهر منصور

يحصي الدكتور جاك شاهين في كتابه "الصورة الشريرة للعرب في السينما الأمريكية" 12 فيلماً، تقدم صورة إيجابية عن العرب من أصل 900 فيلم أمريكي أنتجت ابتداء من زمن السينما الصامتة، أحدثت خلالها أحداث 11 سبتمبر تحولاً في تفاصيل الصورة النمطية للعرب من دون أن تغير طابعها السلبي، فتحول العربي في الشاشة الأمريكية من كونه الفاسد الذي يملك المال ويعيش أسير شهوته للنساء، إلى كونه المتطرف الشرير، والإرهابي الذي يريد تدمير حضارة الغرب وتغيير وجهه الديمقراطي، الأمر الذي رسخ مجموعة من الأحكام والتصورات المسبقة عن العرب، ولا سيما المسلمين منهم، وهو الأمر الذي كان يستدعي بالضرورة الرد بتقديم حقيقة الصورة التي عبث بها الغرب بشكل أو بآخر وأساء إليها.

قدمت العديد من الأفلام السينمائية الصورة الحقيقة للإسلام، وأبرزت فضيلة التسامح والعفو فيه، وكانت عبارة "أنا المسلم المتسامح.. ولست إرهابيا" تشكل موجز رسالة تلك الأفلام، والرسالة ذاتها كانت خلاصة ما قدمته الدراما التلفزيونية العربية في هذا السياق أيضاً

ولأن الخطاب الدرامي كان وسيلة السينما الأمريكية لتشويه الصورة، معتمداً على تأثير ثنائية (الكلمة- الصورة) في العقل والوجدان الإنساني، كان لابد أن يكون الرد عبر الوسيلة ذاتها، أي الفيلم السينمائي والمسلسل التلفزيوني، وليس بإعادة تشكيل الصورة الحقيقة وتقديمها إلى العالم وحسب، وإنما بتحميلها القيم التي نريد أن نخاطب الآخر بها، وفي مقدمتها التسامح، الذي يدفع السيئة بالحسنة، بوصفه نهج ديننا الحنيف، الذي نتقاطع عنده مع الأديان الأخرى.

قدمت العديد من الأفلام السينمائية الصورة الحقيقة للإسلام، وأبرزت فضيلة التسامح والعفو فيه، وكانت عبارة "أنا المسلم المتسامح.. ولست إرهابيا" تشكل موجز رسالة تلك الأفلام، والرسالة ذاتها كانت خلاصة ما قدمته الدراما التلفزيونية العربية في هذا السياق أيضاً، ولكن كم من هذه الرسائل وصل فعليا إلى الجمهور المستهدف، ألم نكن في كثير منها نخاطب أنفسنا لا الآخر عبرها؟!

حتى التجربة الناجحة لفيلم "الرسالة" في توضيح حقيقة الإسلام وسمو الرسالة التي جاء بها الرسول محمد صلى الله عليه وسلم إلى العالم، بروح التسامح ولغة المحبة ومكارم الأخلاق، وبلوغه المرتبة الـ 11 ضمن قائمة المجلة الأمريكية الشهيرة (Entertainment weekly) لأكثر الأفلام العالمية إثارة للجدل في التاريخ.. تصدعت بعد أحداث 11 سبتمبر، بل لم تنجح قبل هذا التاريخ في إحداث تغيير حقيقي في صورة العرب كما وردت في أفلام قائمة الدكتور جاك شاهين.

مشكلة كل هذه الأفلام التي عُنيت بتقديم صورة حقيقية عن العرب والإسلام كانت في الغالب في شكل خطابها الذي فصل بين الجمهور المستهدف وثقافته، فاهتم به بوصفه هدف الرسالة من دون أن يفكر في إشراكه بصنعها.

ولكن ألم يعتمد المخرج الراحل مصطفى العقاد على نجومٍ هوليووديين كبار من أمثال أنطوني كوين وأيرين بابابس لتجسيد حكاية فيلمه، وبالتالي حاول خطاب جمهوره الغربي بلغته وعبر وجوه يحبها؟! بلا شك لا نقلل من أهمية ذلك، ولا سيما وقت عرض الفيلم في العام 1976، ولكن يجب الانتباه أن هذا الشكل من التجسيد ليس هو ما نقصد به بتعبيرنا "إشراك الجمهور بصنع الرسالة الموجهة له"، فاللغة المطلوبة للخطاب هي التي تنطلق من مفاهيم المجتمع نفسه الذي نريد أن نخاطبه ونحدث فيه التغيير المطلوب، وبالتالي الاكتفاء بوجوه تمثيلية تنطق بقضايانا هو تسطيح لمفهوم التغيير، إذ لن ينجح ذلك في تجاوز مشكلة الفصل بين المشاهد والموضوع.

وهنا يبرز السؤال عن شكل الخطاب الدرامي المطلوب لإحداث التغيير في صورتنا المشوهة كما كرستها السينما الأمريكية وترسيخ سبل الحوار مع الآخر، ولعل السؤال هذا من شأنه أن يفضي إلى سؤال أوسع، هو: كيف يمكن أن تتعايش الثقافات المختلفة، كمدخل لفهم بعضها البعض والتعرف على صورتها الحقيقية؟

الممارسة العملية لا التنظير الكلامي، يؤكد أن ليس هناك أفضل من التجربة الإماراتية في التعامل مع أكثر من مئتي جنسية تعيش على أرض الإمارات، للحصول على إجابة منطقية وصحيحة عن سؤال التعايش بين الثقافات وفهم حقيقة الآخر.

تلك التجربة عمادها الأساسي هو التسامح، بوصفه نهجاً للحياة الإماراتية ومكوناً أساسياً من مكونات ثقافتها، والعامل الحاسم في التعايش بين الثقافات والأديان فيها؛ إذ ذهب التسامح بالمفهوم الإماراتي إلى معنى أشمل، من مفهومه الديني، وذلك بالتأكيد على إنسانية الآخر وبديهية التعايش معه والاعتراف بوجوده وفكره وثقافته واحترام أصوله الأنثربولوجية والسيسولوجية، وعبر تلك الركائز نجحت التجربة الإماراتية في إزالة الحدود بين الأديان والأعراق والثقافات المختلفة، وإرساء ثقافة الحوار واحترام الآخر والإصغاء له، وبذلك صارت ثقافة التسامح أبرز مفردات القوة الناعمة الإماراتية التي رسخت الصورة الحقيقية للإمارات في العالم.

توصيف التسامح في الإمارات بوصفه "تجربة إماراتية"، يمليه الحديث عن إرادة واعية وفهم عميق لمفهوم التسامح وتأثيره في الحياة البشرية، ودور الحضارة الإسلامية في إرساء قواعده والالتقاء مع الأديان الأخرى عند وحدة الوجود والقيم.

لذلك لم تكن دولة الإمارات مجرد فضاء جغرافي يجمع جنسيات مختلفة، وينظم القانون العلاقة بينها، وإنما كانت فضاء تفاعلياً حياتياً فكرياً وإنسانياً واجتماعياً، بين تلك الجنسيات، عبّر عن وجوده في الحياة الإماراتية عبر تلك الثقافة الحياتية اليومية المفعمة بالثراء والتنوع التي يمكن أن تلتقط تفاصيلها بسهولة في كل ممارسة حياتية من الإمارات، ويبدو واسطة العقد فيها هو احترام إنسانية الإنسان.

تلك الثقافة العالمية الحياتية التي أرستها التجربة الإماراتية عبر نهجها في التسامح، ستكون أغنى ما سيجده قداسة البابا فرنسيس، بابا الكنيسة الكاثوليكية، في زيارته التاريخية لدولة الإمارات العربية المتحدة خلال الفترة من 3 إلى 5 فبراير/شباط المقبل. وبالتأكيد سيجد في الإمارات التي فتحت قلبها مشرعاً على العالم بكل تنوعه الثقافي والديني، النموذج العالمي لتعزيز الحوار والأخوة بين البشرية جمعاء.

وفي هذه الثقافة العالمية الحياتية الواحدة أيضاً، سيجد صناع الدراما ما يلهمهم في مخاطبة الآخر، وتعريفه بصورتنا الحقيقية، وأول ما تُعلمنا إياه التجربة الإماراتية في هذا السياق هو ضرورة كسر الجدار الرابع في جميع الفنون الدرامية عند مخاطبة الآخر؛ إذ يجب أن ينتقل الجمهور من مقعد المشاهد إلى وسط الحدث في الشاشة وعلى الخشبة، وعلى خطابنا الدرامي أن يفكك مفردات ورمز ثقافة هذا المشاهد وممارساته الحياتية وقيمه وعاداته، وما لم نكتشف ما يجول في عقله وقلبه من أفكار وقيم ومعتقدات، فلن يكون خطابنا مقنعاً له، قادراً على إحداث التغيير المطلوب فيه، وتصحيح صورتنا في عقله، وذلك لا يمكن أن يتم، بطبيعة الحال، من دون تجربة الاندماج مع المشاهد، على قاعدة التسامح واحترام الآخر، كما كرّستها التجربة الإماراتية.

نعم، نحتاج اليوم إلى فنون المسرح والسينما والتلفزيون كوسيلة لنقل أفكارنا وتصحيح صورتنا في الغرب، لكن ذلك لن يؤتي أُكُلَه ما لم نقم بتطوير تلك الأفكار وسط الجمهور الغربي نفسه، لا بإملاء رسالتنا عليه وتقديمها جاهزة له.

حتى لو حدث، وتعاطف جزء من الجمهور مع قضيتنا، فهو بالغالب سيتركها ضمن صالة العرض ويخرج، إذ لا سبيل ليخرج بها خارج الصالة، ما لم تكن جزءاً من منظومته الثقافية.

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات