هادي البدري يكشف كيف تحافظ دبي على زخم النمو وثقة المستثمرين
في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية في المنطقة، قدّم هادي البدري الرئيس التنفيذي لمؤسسة دبي للتنمية الاقتصادية، خلال حواره مع هادلي غامبل المذيعة الدولية الرئيسية في IMI، صورة لافتة عن صمود اقتصاد دبي واستمرارية أعمالها دون انقطاع، رغم التحديات.
وأكد البدري في حواره ضمن فعاليات سيمافور الاقتصاد العالمي 2026، أن الإمارة نجحت في الحفاظ على نشاطها الاقتصادي والخدمي، مع استمرار حركة الطيران، واستقرار البنية التحتية، وتعافي الإنفاق المحلي بوتيرة سريعة تقترب من مستويات ما قبل الأزمة.
وأشار البدري إلى أن ثقة المستثمرين الأجانب لا تزال قوية، مدعومة بنمو لافت في الاستثمارات والتزام طويل الأجل من الأسواق العالمية، خاصة الولايات المتحدة، مع توقعات بإبرام صفقات جديدة خلال العام الجاري.
كما شدد على أن استراتيجية التنويع الاقتصادي، التي تتبناها دبي منذ سنوات، تظل صمام الأمان في مواجهة أي اضطرابات، إلى جانب نهج “الاقتصاد المنفتح” القائم على الشراكات مع مختلف القوى العالمية دون الانحياز لطرف على حساب آخر.
- قيادات مجتمع الأعمال العالمي: جاهزية دبي تعزز ثقة المستثمرين واستمرارية النمو
- قيادات الأعمال: دبي تعيد رَسم معادلة التنافسية في مواجهة التحديات العالمية
وإلى نص الحوار:
أين دبي اليوم؟ كيف الأوضاع على الأرض؟
نحن مفتوحون. المطار يعمل. لدينا 500 رحلة تدخل وتخرج من المدينة كل يوم. طيران الإمارات، ناقلنا الوطني، يعمل بنسبة 80% من شبكته. لدينا نحو 65% من الرحلات التي كانت الإمارات تسيّرها قبل هذه الفترة الصعبة. لكن يجب أن أقول، إنها لحظة غريبة نوعاً ما، غير اعتيادية قليلاً. والأغرب أننا استمررنا في حياتنا اليومية بشكل طبيعي.
لم نشهد أي انقطاع في الكهرباء أو المياه أو الاتصالات أو البنوك — الأشياء التي تتوقع أن تكون بحالة جيدة في دبي لا تزال بحالة جيدة جداً. قيادتنا تذهب إلى المولات، تتفاعل مع الناس، تُظهر أن الأمور آمنة. والدتي البالغة من العمر ثمانين عاماً لا تزال تخرج لمشوارها اليومي إلى المول. أنا وزوجتي لا نزال نطلب البيتزا ونستلمها خلال 15 دقيقة. كل شيء بخير في دبي. كل شيء على ما يرام.
كيف ينتهي هذا الأمر برأيك؟ لأن المحادثات لا تزال جارية كما نفهم، رغم أن نائب الرئيس فانس لم يعد بنتيجة. بالنسبة للإمارات تحديداً، كيف تخططون للمرحلة المقبلة؟
هذه كانت فعلاً لحظة قيادة استثنائية أظهرتها دبي والإمارات. وأقول ذلك لأننا ركّزنا على الحاضر وعلى التأكد من أننا نتواصل مع قطاع الأعمال.
تواصلنا مع عشرات الآلاف من المستثمرين والمهنيين لنفهم فعلاً ما يدور في أذهانهم، ولنمدّ يدنا ونلتقط صوت الأعمال. إذاً تخطيط للحاضر، لكن أيضاً نظرة حقيقية إلى ما يجب أن نفعله لنواصل مسارنا، لأن المسار خلال السنوات الأخيرة في ظل خطة الإمارات وأجندة دبي الاقتصادية D33 كان تحويلياً فعلاً. يعني، كنّا نتسارع في نمو الناتج المحلي، وفي الاستثمار الأجنبي المباشر، وفي استقطاب الكفاءات. كنّا على مسار ممتاز.
لقد أُزلتم للتو من قائمة الأسواق الناشئة.
فعلاً، فعلاً. يعني، نحن ننظر إلى هذا الأمر باعتباره مطبّاً صغيراً، لكن لدبي سجل حافل في الخروج من التحديات، ونحن متحمسون جداً لما يمكننا فعله في المرحلة المقبلة، لأن هذا كان دافعاً لنا لإصلاح بعض الأمور التي كنّا نريد إصلاحها.
أخبرني. في 2008 خرجتم من الأزمة المالية. وبعدها بالطبع مع كوفيد أطلقتم ما يُعرف بالإقامة الذهبية، وكانت فعلاً رافعة قوية لاستقطاب الشركات ورواد الأعمال للقدوم وتأسيس أعمالهم في دبي. بالنسبة لكم، الخطوة القادمة، ما الذي ستفعله الحكومة لإعادة الناس؟ ولإبقائهم؟
الخبر الجيد أن الناس بقوا، رغم ما تردده بعض الصحف الصفراء في الخارج — وتحسب الفايننشال تايمز واحدة منها — واحد من كل ثمانية من جنسية معيّنة غادر. طيب، وماذا عن السبعة من ثمانية الذين بقوا؟ ولم يبقوا فقط — بقوا كما بقيت الحكومة. عملنا كل يوم خلال الأربعين يوماً، والقطاع الخاص فعل الشيء نفسه، والناس فعلوا الشيء نفسه. بقوا، ذهبوا إلى أعمالهم، واستمروا في البناء. ونحن نقول دائماً إن دبي مدينة بناء. ونحن بنّاؤون ماهرون. أفق المدينة خير شاهد على ذلك.
عندما نتحدث عن الطائرات المسيّرة والضربات الصاروخية، وبصراحة، دبي، يريدون أن تتجه إليهم أنظار ذلك المجتمع الدولي الضخم. وهذا بالتأكيد له أثر نفسي على الناس. ما مدى سرعة فتح المدارس؟ ماذا تفعلون في الداخل لطمأنة الناس بأن الحياة تسير كالمعتاد؟
أعتقد أن أول شيء هو، تحية لمنظومتنا الدفاعية وقواتنا. ما تمكنوا من تحقيقه خلال الأربعين يوماً مذهل. يجعل الجميع فخوراً — القدرة على إزالة 2800 تهديد جوي مع أضرار مادية محدودة جداً في دبي. إذاً كما تقولين، الأثر نفسي أكثر من أي شيء آخر. لكن بعض العائلات سافرت خلال عطلة عيد الفصح، ووجود التعليم عن بُعد يعني أن بعض تلك العائلات لا تزال خارج دبي. لكننا نستخدم الإنفاق المحلي كمؤشر. وعندما ننظر إلى الإنفاق المحلي وسرعة تعافيه، وأننا على بُعد نقاط مئوية قليلة فقط من مستوى ما قبل 28 فبراير/شباط، هذا يمنحنا الثقة بأن هناك أناساً لا يزالون في دبي، ملتزمين بالمسار، يستثمرون، يُنفقون، ويعيشون حياتهم اليومية.
حدّثنا عن الاستثمار الأجنبي المباشر، لأنه بوضوح جزء كبير من اقتصادكم غير النفطي. أنت هنا في أمريكا هذا الأسبوع — يعني، من يلتزم بدبي على المدى الطويل؟
أسماء، أسماء ما أقدر أعطيك، أسماء ما أقدر أعطيك. الاستثمار الأجنبي المباشر كان فعلاً عنصراً استثنائياً في نجاح دبي. على مدى أربع سنوات، كانت دبي المدينة الأولى في العالم في استقطاب الاستثمار الأجنبي المباشر. مدينتنا الصغيرة، ونفخر بذلك أيّما فخر، نحمله على صدورنا.
العام الماضي نما رأس مال الاستثمار الأجنبي ٥٠٪. الولايات المتحدة أكبر مستثمر في دبي، و٦٠٪ من استثماراتها عمليات اندماج واستحواذ. هذا الأسبوع كنت أجتمع بمستثمرين كما فعلت طوال الأسابيع الخمسة الماضية. أقول لكم إن المستثمرين ثابتون على مواقفهم. يواصلون ثقتهم بنا كحكومة، ويواصلون حماسهم للفرص المتاحة — مشاريع تطوير، عقارات، سوق أسهم، اندماج واستحواذ. نحن فعلياً بصدد توقيع عدة صفقات من أمريكا هذا الربع. أجريت مكالمة مثمرة جداً هذا الصباح مع فريقي لدفع إحداها. المستثمرون ملتزمون. ما قد يحصل — وهذا مفهوم — أن البعض قد يتريّث، لكن الالتزام بضخ الأموال في 2026 و2027 قائم وبقوة.
المسألة ببساطة: إذا لم تتم في أبريل/نيسان، تتم في يونيو/ حزيران. إذا لم تتم في يونيو، تتم في سبتمبر/ أيلول. لكن كل المؤشرات التي وصلتنا تقول إن الناس ملتزمون بالمسار، ويرون فعلاً أن هناك احتمالاً كبيراً لنتائج أفضل قادمة.
مثل ماذا؟
نمو متسارع أكثر. نحن نواصل كوننا مركز استقطاب للكفاءات ونرى ذلك يتحقق عبر قطاعات مختلفة. الربط الذي توفره الحكومة — يعني، عندما نتراجع خطوة ونسأل: ما دور الحكومة؟ في دبي، الأمر يتعلق بالبنية التحتية، الرقمية والمادية، ويتعلق بصنع السياسات بشكل تشاوري لأن القطاع يعرف صناعته أكثر منّا. فنحن نتواصل معهم لنفهم ما يريدون تحقيقه حتى نترجم ذلك في السياسات.
والأمر الثالث، وربما الأهم، هو أن لدينا قوة الجمع. نحن نجمع الناس معاً لتبادل المعرفة وتحديد فرص الاستثمار. وهذا ما سنواصل فعله. الناس يريدون أن يكونوا جزءاً من مجتمع دبي. يريدون أن يكونوا على الأرض، يتفاعلون، يبحثون عن الفرص التالية داخل السوق، وأيضاً يستخدمون السوق كبوابة لأسواق أخرى.
حدّثني عن هذا. إيران والإمارات كانتا تاريخياً شريكتين تجاريتين قويتين جداً. من الواضح أنها مركز تصدير رئيسي لكثير من البضائع التي تمر عبر دبي. برأيك، هل انتهت هذه العلاقة؟
صعب أن نجزم، صحيح؟ الوضع متحرك ولا نستطيع أن نقول بشكل قاطع. من منظورنا في إدارة الاقتصاد، المهم هو أننا عبر التاريخ رأينا دولاً تقلّص عدد السياح القادمين، وتقلّص حجم الاستثمار الأجنبي، لكننا ركّزنا دائماً على التنويع. هذا من الأمور التي كنّا حريصين عليها جداً بعد الأزمة المالية العالمية. وبالتالي، أي دولة لا تساهم كسوق مصدر — سياحة أو استثمار أو تجارة — هناك دول أخرى تأتي وتملأ الفراغ.
هذا فراغ كبير..
لكنه حصل في الماضي عندما كانت هناك حروب في أماكن أخرى من العالم أثّرت على السياحة والاستثمار الأجنبي وغيره. يعني، إذا قارنت من منظور الاستثمار الأجنبي المباشر، عدد الدول التي كانت تستثمر في دبي قبل كوفيد مقارنة باليوم، ارتفعنا 65%. لدينا 60% من دول العالم تستثمر في دبي. وأنا أتحدث عن استثمار أجنبي حقيقي — ليس أنا أو أنتِ نشتري منزلاً. هذه مشاريع استثمار أجنبي مباشر حقيقية. والواقع هو أن نزيد تنوع الدول القادمة من منظور الاستثمار، والأسواق المصدرة من منظور السياحة. نفس المنهج نتّبعه في التجارة.
نصف مليون إيراني يعيشون في دبي. هل ما زالوا مرحّباً بهم؟
ما زالوا موجودين. ما زالوا يشاركون في الاقتصاد. وما زالوا بأمان. أعتقد أن الأهم بالنسبة لنا كاقتصاد هو أن نضمن سلامة الناس، مقيمين كانوا أو سيّاحاً. هذه الأولوية الأولى. وسنستمر في التواصل ودعم مقيمينا. قيادتنا قالت مؤخراً إننا لا نفرّق بين المقيم والمواطن. نحن كمواطنين إماراتيين لا نشكّل إلا 10% من السكان. الكل إماراتي — هذه الكلمة التي نستخدمها للحديث عن المواطنين. وقيادتنا تقول ذلك لأننا نريد أن يظل نسيج الـ200 جنسية الذي لدينا في دبي — الذي عاش في وئام وساهم في تحقيق الحلم — يشعر بالأمان والراحة والسعادة.
أخبرني، وهذا سؤال يُطرح عليّ كثيراً: هل هذا وقت أفضل بمعنى ما للقدوم وتأسيس عمل في دبي؟ ما الحوافز التي أنتم مستعدون لتقديمها؟
الحوافز موجودة. لدينا حوافز في التصنيع حيث نريد استقطاب مصنّعين في التكنولوجيا المتقدمة. لدينا حوافز في الضيافة — رغم أن لدينا ١٥٠ ألف مفتاح فندقي، ما يضعنا خارج الصين في المرتبة الثانية بعد لندن فقط، وسنتجاوز لندن هذا العام، إلا أننا نحتاج مزيداً من الغرف الفندقية لتحقيق طموحاتنا. يعني، حلم الجميع أن يقضي إجازته في دبي. وأشجع كل الحاضرين هنا على ذلك، وسنتأكد من سلامتكم هناك.
هناك حوافز لاستقطاب رأس المال الخاص لأن معادلة دبي هي أن نفعل كحكومة كل ما بوسعنا لدعم القطاع الخاص للاستثمار في المدينة. هل هذا وقت مناسب؟ أقول دائماً: ليس هناك وقت متأخر. نحن مدينة تنمو. تنمو بشكل جيد. سكاننا نموا 7% العام الماضي. ناتجنا المحلي نما 5.5%. ونواصل رؤية مؤشرات إيجابية جداً من مشاريع واستثمارات وكفاءات عالية قادمة للسنوات المقبلة.
وأخيراً، رأينا ولي عهد أبوظبي في الصين يلتقي بالرئيس شي جين بينغ ونظرائه الصينيين. كيف ترى قضية الاستثمار مستقبلاً — الولايات المتحدة مقابل الصين في دبي تحديداً؟
قيادتنا حكيمة جداً في كل شيء. من الأمور التي أخذناها دائماً كتوجيه من قيادتنا: لماذا لا نكون اقتصاد "و" بدلاً من اقتصاد "أو"؟ والفلسفة بسيطة جداً: لماذا يجب أن نختار بين أ أو ب؟ لماذا لا نعمل مع أ وب؟ وهذه فلسفة توارثناها جيلاً بعد جيل. نفس التركيز ونفس النهج الذي نتّبعه اليوم.
نريد في نهاية المطاف أن نتأكد من أن دبي والإمارات تعمل مع الجميع، وتستطيع الوصول إلى شراكات، لأن الشراكات هي التي صنعت معجزة دبي والنمو المذهل للإمارات. ولا نريد أن نُقصي طرفاً على حساب آخر. الأهم بالنسبة لنا أن نعمل مع الجميع ونتشارك مع الجميع.
وهل تتوقع أن نرى الإمارات تعمل مباشرة مع إيران في المستقبل؟
الأيام كفيلة بالإجابة. سؤال صعب جداً. لكن نحن أناس متفائلون وأصحاب عزيمة، ونتمنى أن نضع كل هذا خلفنا حتى نعمل على الأشياء الممتعة.