اقتصاد

أوزار حرب التجارة تتكشف

الجمعة 2018.10.12 07:18 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 588قراءة
  • 0 تعليق
مجدي صبحي

يبدو أننا في طريقنا لكي نختبر عمليا المقولة السائدة أنه "في حرب التجارة ليس هناك رابح"، وعلى الرغم من أن الرئيس الأمريكي عارض هذه المقولة بشكل مباشر حينما قال إن "حرب التجارة سهلة ويمكن تحقيق الانتصار فيها"، فإنه من المتوقع أن تشهد الولايات المتحدة ردة فعل سلبية نتيجة لسياسات الحماية التجارية التي يتبناها ساكن البيت الأبيض، بل إن هذه الحرب التجارية ستؤثر وربما بشكل أكثر قسوة على بعض البلدان النامية، التي لم يكن لها في هذه الحرب لا ناقة ولا جمل.

يتوقع صندوق النقد الدولي تراجع النمو في الصين وبعض الاقتصادات الآسيوية الأخرى خلال العام المقبل، ولم يستثن التقرير سوى الدول المصدرة للطاقة، حيث توقع ارتفاع معدلات النمو فيها خلال هذا العام والعام المقبل بتأثير الارتفاع الملحوظ في أسعار النفط والغاز

وقد بدأت الصين مع الشعور بتأثير حربها التجارية مع الولايات المتحدة على معدلات نموها الاقتصادي في اتخاذ بعض الإجراءات العاجلة التي تشجع على المزيد من النمو، وعلى رأس هذه الإجراءات تخفيض الاحتياطي الإلزامي الذي تحتفظ به البنوك لدى البنك المركزي الصيني، ومن شأن هذا التخفيض إتاحة المزيد من الأموال للبنوك التي يمكنها عندئذ التوسع في منح الائتمان، وبالتالي المزيد من الاستثمار وإعطاء دفعة للنمو، إلا أن هذا قد يضاعف من وطأة مشكلات الائتمان المفرط التي تهدد النظام المالي الصيني.

أما في الولايات المتحدة وعلى الرغم من النمو الاقتصادي القوي وانخفاض معدل البطالة إلى معدل تاريخي يبلغ 3.7%، فإن الحرب التجارية مع الصين وما تهدد به من اضطراب في سلاسل الإمداد لإنتاج السلع المختلفة، وارتفاع أسعار الواردات عموما من الصين بسبب رفع الرسوم الجمركية عليها، سيدفع أسعار السلع ومعدلات التضخم للارتفاع، ومع خشية مجلس الاحتياطي الفيدرالي (بنك الولايات المتحدة المركزي) من الآثار السلبية لارتفاع معدل التضخم، خاصة مع الوصول لمستوى التشغيل الكامل تقريبا، فقد رفع سعر الفائدة هذا العام ثلاث مرات، ومن المنتظر أن يرفعها مرة أخرى قبل نهاية هذا العام. وهو يقوم في ذلك بأداء مهمته الأساسية المتمثلة في العمل على مساندة تحقيق الاقتصاد لنمو غير تضخمي، وقد أثار ذلك احتجاجات الرئيس الأمريكي، ووجه انتقادات حادة لنظام الاحتياطي الفيدرالي، بلغت حد قوله إن "الاحتياطي الفيدرالي قد أصبح مجنونا"، وذلك في أعقاب الانخفاض الكبير في سوق الأوراق المالية الأمريكية، يوم الأربعاء. ومن غير المعهود أن يعلق الرئيس على قرارات الاحتياطي الفيدرالي الذي يتمتع باستقلالية مصونة، لكن ترامب الذي يفخر بالنمو القوي المتحقق في الاقتصاد الأمريكي والانخفاض الكبير في معدلات البطالة، يرى أن قرارات الاحتياطي الفيدرالي تسلبه أهم أوراق القوة التي يمتلكها في تعزيز شعبيته تمهيدا لإعادة انتخابه لمنصبة مرة أخرى بعد عامين من الآن، أضف إلى ذلك سعي الرئيس بشدة لأن تخرج انتخابات التجديد النصفي للكونجرس يوم 6 نوفمبر المقبل في صالحه، باستمرار سيطرة حزبه الجمهوري على مجلسي الشيوخ والنواب، ويرى بالطبع أن أنجح دعاية انتخابية في تحقيق هدفه هي ما تم إنجازه في الجانب الاقتصادي تحديدا.

ومع الوضع في الاعتبار وزن الاقتصادين الأمريكي والصيني اللذين يمثلان أكبر اقتصادين في العالم وأكبر قوتين تجاريتين فيه، فلا مفر من أن تكون هناك انعكاسات محتملة للحرب التجارية بين البلدين على الأوضاع الاقتصادية في باقي دول العالم.

وربما يكون الانعكاس الأول الذي تخشاه الكثير من الدول، سواء أكانت دولا متقدمة أم نامية، هو تحول الصين لتصدير سلعها -التي ربما ينخفض الطلب عليها في الولايات المتحدة لارتفاع أسعارها- إليها وبأسعار لا تستطيع منافستها، وهو ما قد يعرض بعض صناعاتها للخطر، ويهدد من ثم بخفض معدلات نموها الاقتصادي وبحدوث ارتفاع في معدلات البطالة لديها.

الانعكاس الثاني المنتظر هو ما سيترتب على ارتفاع سعر صرف العملة الأمريكية إزاء باقي العملات، نتيجة لارتفاع أسعار الفائدة في الولايات المتحدة، فربما تعاني الاقتصادات الناشئة وبعض الاقتصادات النامية من انخفاض تدفق الأموال للاستثمار، سواء الاستثمار المباشر أو غير المباشر نتيجة لتحول المزيد من الأموال للاستثمار في الولايات المتحدة مع ارتفاع أسعار الفائدة هناك، وهو استثمار خالي من المخاطر، ناهيك عن أن ارتفاع أسعار الفائدة الأمريكية سيزيد من تكلفة الديون الخارجية لهذه البلدان، وحتى تعمل هذه البلدان على الحفاظ على مداخلها لأسواق رأس المال العالمية فلا مفر من اللجوء لرفع أسعار الفائدة فيها حتى تغري رؤوس الأموال الأجنبية بالتدفق عليها، وتحول دون المزيد من الانخفاض في سعر صرف عملاتها، وهنا فالتكلفة المنتظرة لرفع أسعار الفائدة فيها هو انخفاض معدلات النمو لارتفاع تكلفة الاستثمار.

لذلك لم يكن من الغريب أن يعلن صندوق النقد الدولي في تقريره نصف السنوي "آفاق الاقتصاد العالمي" عن توقعه أن يبلغ معدل النمو العالمي 3.7% في 2018-2019، وبانخفاض قدره 0.2% عن المعدل الذي كان قد توقعه في أبريل الماضي. ويعد هذا أول تخفيض يجريه الصندوق لتوقعاته منذ عامين، وقد تم تخفيض توقعات النمو في الولايات المتحدة وفقا لحسابات الصندوق على أثر الإجراءات التجارية التي أعلنت مؤخرا، والتي تضمنت فرض رسوم جمركية على سلع بقيمة 200 مليار دولار تستوردها الولايات المتحدة من الصين. كما يتوقع الصندوق انخفاض معدلات النمو في منطقة اليورو والمملكة المتحدة، وفي مجموعة اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية، كما يتوقع صندوق النقد الدولي تراجع النمو في الصين وبعض الاقتصادات الآسيوية الأخرى خلال العام المقبل، ولم يستثن التقرير سوى الدول المصدرة للطاقة، حيث توقع ارتفاع معدلات النمو فيها خلال هذا العام والعام المقبل بتأثير الارتفاع الملحوظ في أسعار النفط والغاز.

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات