تدريب «شرطة غزة».. مصر تسارع الخطى وأوروبا تلحق بها
كشف مسؤول فلسطيني عن تفاصيل البرنامج التدريبي الواسع الذي بدأته مصر منذ أشهر لتأهيل عناصر من الشرطة الفلسطينية تمهيدًا لنشرهم داخل غزة.
ويأتي هذا الجهد في إطار ترتيبات أمنية وسياسية أوسع تهدف إلى إعادة بناء بنية الأمن الداخلي في غزة، وتثبيت سلطة انتقالية فلسطينية مستقلة وغير مسيّسة، وفقًا لخطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي أيدها مجلس الأمن الدولي مؤخراً.
وتكشف المعلومات أن القاهرة احتضنت خلال مارس/آذار الماضي أولى دفعات المتدربين، حيث تلقى أكثر من 500 عنصر وضابط فلسطيني تدريبات مكثفة امتدت لشهرين. ومع نهاية سبتمبر/أيلول، وصلت دفعات جديدة تخضع لبرنامج مشابه يشمل تدريبات جسدية وأمنية، ومحاضرات سياسية وتوعوية، بهدف تأسيس قوة شرطية مؤهلة للعمل في بيئة ما بعد الحرب.
ويؤكد ضباط فلسطينيون شاركوا في الدورات التدريبية أنّ التجربة وفّرت لهم مهارات ميدانية وتقنية غير مسبوقة، خصوصًا في التعامل مع المعابر والحدود وأجهزة الفحص الحديثة.
ويعبّر هؤلاء عن رغبتهم في خدمة القطاع عبر قوة «مستقلة لا ترتبط بأي أجندات خارجية»، وقادرة على إعادة الأمن للسكان الذين أنهكتهم الحرب.
خطة مصرية – فلسطينية
تستند خطة التدريب إلى اتفاق أبرم نهاية 2024 بين حركتي حماس وفتح برعاية مصرية، ونصّ على دمج خمسة آلاف شرطي من كوادر السلطة الفلسطينية ورواتبها في رام الله، مع خمسة آلاف من الشرطة التي كانت تشرف عليها حماس في غزة قبل الحرب. وستعمل القوتان تحت إشراف لجنة «الكفاءات المستقلة»، وهي لجنة تَوافق الفلسطينيون على تشكيلها لإدارة القطاع بشكل مؤقت بعد الحرب، بعيدًا عن التجاذبات السياسية.
ووفق مسؤول فلسطيني تحدّث لـ«فرانس برس»، فإن الدورات المصرية جزء من برنامج تأهيلي أوسع يجري بالتنسيق الكامل مع السلطة الفلسطينية، إذ وجّه الرئيس محمود عباس وزير الداخلية زياد هب الريح لمتابعة الملف والتعاون الوثيق مع السلطات المصرية.
ويضيف المسؤول أن هذه القوة ستكلَّف بإعادة الأمن الداخلي وضبط المعابر، بما يشمل معبر رفح الذي أغلقته إسرائيل بالكامل منذ سيطرتها عليه في مايو/أيار 2024.
وتؤهل القاهرة عناصر الشرطة الفلسطينية للتعامل مع أنظمة مراقبة متطورة وتقنيات كشف أمنية حديثة، في إطار إعادة بناء منظومة الأمن الحدودي من نقطة الصفر.
أوروبا على خط التدريب الأمني
في موازاة الجهود المصرية، بدأ الاتحاد الأوروبي التحضير لبرنامج تدريب خارجي لحوالي ثلاثة آلاف شرطي فلسطيني من غزة، وفق مصادر دبلوماسية في بروكسل.
ويعدّ الاتحاد الأوروبي منذ 2006 ممولًا أساسيًا لبرامج التدريب الأمني في الضفة الغربية، ومن المتوقع أن يُموَّل برنامج غزة بميزانية مشابهة.
وتشير المصادر الأوروبية إلى أن «المرحلة المقبلة ستتطلب قوة شرطة كبيرة قادرة على فرض الاستقرار»، في ظل الدمار الشامل للبنية الأمنية في القطاع.
خطة ترامب
تشكّل خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أحد الأعمدة الأساسية للمشهد الأمني المرتقب في غزة. فوفق الخطة التي أقرها مجلس الأمن، سيُدار القطاع عبر سلطة انتقالية فلسطينية تكنوقراطية غير مسيّسة، تتولى مسؤوليات الحكم والخدمات اليومية لمدة مؤقتة، تحت إشراف هيئة انتقالية دولية.
وتتصور الخطة أن تتولى قوة شرطة فلسطينية تمت إعادة بنائها وتدريبها — في مصر والأردن بدعم أمريكي — مسؤولية الأمن الداخلي. وترافقها قوة استقرار دولية تقدم إسنادًا لوجستيًا وتقنيًا، ما يسهّل إعادة الانتشار الأمني في قطاع غزة المدمَّر.
ويقول مصدر فلسطيني مطّلع إن البرنامج المصري جزء من هذا الإطار الثلاثي بين واشنطن والقاهرة ورام الله، وإن التفاهمات حول التفاصيل الأمنية تتقدّم بوتيرة متسارعة.
الموقف الإسرائيلي
من جهتها، ترفض إسرائيل أي دور لحركة حماس في إدارة القطاع في مرحلة ما بعد الحرب.
كما تنص خطة ترامب على استبعاد الحركة من الهياكل الإدارية والأمنية المقبلة.
ورغم إعلان حماس سابقًا قبولها عدم حكم القطاع مباشرة، إلا أنها لا تزال ترفض نزع سلاحها، وتصرّ على أن يكون لها رأي في كيفية إدارة غزة مستقبلاً.
ويقول قيادي كبير في الحركة إن التحدي الأكبر يكمن في «تحديد صلاحيات الشرطة الجديدة وضمان استقلاليتها»، مؤكدًا أن الحركة تدعم التوافقات الوطنية لكنها لا تقبل «فرض ترتيبات تخدم إسرائيل».
أولوية أمن المعابر
تركّز الدورات التدريبية في القاهرة على ملفات حساسة أبرزها إدارة الحدود والمعابر، وهي قضية ستشكّل مفتاح المرحلة المقبلة.
ويقول الملازم أول محمود، أحد الضباط الفلسطينيين المتدربين، إنهم تلقّوا تدريبات على مراقبة الحدود والتعامل مع أجهزة الفحص الأمنية الحديثة، مؤكدًا أن المهارات المكتسبة ستُسهم في ضبط الأمن ومنع التهريب والتسلل بعد الحرب.
ويضيف الضابط الذي غادر غزة مع عائلته قبل بدء الحرب أنّ «بناء جهاز شرطة قوي ومحترف هو حجر الأساس لاستعادة الحياة الطبيعية في القطاع».
تحديات معقدة.. وآمال معلّقة
ورغم وضوح خطوط الخطة الأمنية المقبلة، تبقى التحديات كثيرة: كيفية ضمان استقلالية الشرطة، آلية دمج عناصر حماس والسلطة، مدى قبول السكان لأي سلطة انتقالية جديدة، موقف إسرائيل من الصلاحيات الأمنية، والتداخل بين الجهود المصرية والأوروبية والأمريكية.
لكن، ورغم هذه التعقيدات، تبدو القاهرة الأكثر حضورًا وتأثيرًا في مسار إعادة بناء الأمن في غزة، في ظل تنسيق فلسطيني داخلي نادر، ودعم دولي يأمل في منع تكرار سيناريوهات فراغ السلطة والانهيار الأمني، وفق فرانس برس.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuMTUzIA==
جزيرة ام اند امز