رحلة البريد المصري عبر 160 عاما.. من البوسطة الخديوية إلى التحول الرقمي
في الثاني من يناير/كانون الثاني 1865، اتخذت الدولة المصرية خطوة فارقة في مسار تحديث مؤسساتها، حين أسس الخديوي إسماعيل ما عرف آنذاك بـ«البوسطة الخديوية»، لتصبح نواة البريد المصري الحديث، وأحد أعرق المرافق الخدمية في تاريخ الدولة.
وبعد مرور 160 عاما، لا يقتصر حضور البريد المصري على كونه مرفقا لنقل الرسائل والطرود، بل تحول إلى ذراع رئيسية للدولة في تقديم الخدمات المالية والحكومية والمجتمعية، وشاهد حي على تطور مصر السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
تؤكد الهيئة القومية للبريد المصري، عبر حسابها الرسمي، أن البريد المصري يعد من أقدم المؤسسات الخدمية في البلاد، إذ يمتد تاريخه لأكثر من قرن ونصف القرن، ويضم اليوم شبكة واسعة تتجاوز 4200 فرع منتشرة في مختلف المحافظات، ما يجعله أحد أكثر المرافق قربا من المواطنين.
ومع تسارع التحول الرقمي، بات البريد أحد أذرع الدولة الأساسية في تنفيذ سياسات الشمول المالي وتيسير الخدمات الحكومية، من خلال إتاحة خدمات أكثر سهولة وأقل كلفة.
غير أن جذور البريد المصري أعمق بكثير من تاريخ تأسيسه الحديث. فبحسب ما وثقه كتالوج «البريد في بر مصر»، الصادر عن إدارة المشروعات الخاصة بمكتبة الإسكندرية ضمن سلسلة «ذاكرة مصر المعاصرة»، فإن مصر عرفت نظم البريد منذ أقدم العصور، حين نظم الفراعنة نقل الرسائل داخليا وخارجيا عبر سعاة يسيرون على ضفتي النيل أو يسلكون طرق القوافل والجيوش.
ويشير الكتالوج، الذي حرره الباحث عبد الوهاب شاكر، ونقلته جريدة "وطني" المصرية، إلى أن أول وثيقة ورد فيها ذكر «ساعي البريد» تعود إلى عصر الأسرة الثانية عشرة، نحو عام 2000 قبل الميلاد، في رسالة كتبها أب لابنه يصف له مشقة مهنة البريد ومخاطرها.
في العصر البطلمي، تطور النظام البريدي ليأخذ شكلين رئيسيين: بريد سريع مخصص لنقل مراسلات الملك وكبار موظفي الدولة باستخدام الجياد السريعة، وبريد أبطأ مخصص لتبادل الرسائل بين الموظفين داخل البلاد.
ومع دخول الإسلام إلى مصر، حظي البريد باهتمام خاص، ليس فقط لنقل الرسائل، بل كأداة لإدارة الدولة ونقل الأخبار ومراقبة الولاة. ويُرجع مؤرخون تنظيم البريد في الإسلام إلى عهد الصحابي معاوية بن أبي سفيان، فيما بلغ البريد المصري في ولاية عبد العزيز بن مروان درجة عالية من التنظيم، وتجاوز دوره الشؤون السياسية ليخدم النواحي العلمية كذلك.
وفي عصر المماليك، عرف البريد أشكالا متعددة، أبرزها بريد الخيل الذي كان يربط بين مصر والشام، وشهد في عهد السلطان الظاهر بيبرس تنظيما دقيقا جعله أكثر انتظاما وسرعة مقارنة بما سبقه.
يُجمع كتالوج «البريد في بر مصر» على أن محمد علي باشا يعد أول من أسس نظاما بريديا حديثا لنقل الرسائل الرسمية في مصر. فقد تبنى محمد علي نظام الإدارة المركزية، وكان حريصا على سرعة الاتصال بموظفيه في الأقاليم، ما تطلب إنشاء شبكة لنقل المراسلات الحكومية بين القاهرة وسائر أنحاء البلاد، وصولا إلى السودان والحجاز والشام.
وفي عهده أنشئت «إدارة البوسطة» للمراسلات الحكومية فقط، وكان يتولى نقلها سعاة مشاة تحت رئاسة الشيخ عمر حمد. ومع اتساع رقعة الدولة المصرية بعد فتح السودان عام 1821، جرى الاعتماد على السعاة الهجانة لنقل البريد عبر المسافات الطويلة.
وفي المقابل، ظهرت محاولات أهلية لسد احتياجات الجمهور، أبرزها ما قام به الشيخ حسن البدَيلي، الذي نظم شبكة من السعاة الخصوصيين لنقل رسائل الأهالي دون تعريفة ثابتة أو ضمانات، في صورة تعكس طبيعة المرحلة قبل قيام مرفق بريدي حكومي منظم.
حتى عام 1865، لم تكن في مصر مصلحة حكومية تحمل اسم البريد. وكانت عمليات نقل الرسائل تتم عبر الهجانين وأصحاب القوارب وسعاة يتفقون مباشرة مع الأهالي. غير أن الخديوي إسماعيل، ضمن مشروعه الطموح لتحديث الدولة وجعلها «قطعة من أوروبا»، أدرك أهمية تمصير مرفق البريد، لما له من دور حيوي في دعم التجارة والعلاقات الاجتماعية.
وبحسب ما أورده موقع «اليوم السابع» استنادا إلى كتاب «البريد في بر مصر»، قرر إسماعيل دمج البريد الحكومي والبريد الأفرنجي المملوك للأجانب فيما عُرف بـ«البوسطة الخديوية»، وهو ما تم رسميا في ديسمبر/كانون الأول 1865. وبإتمام هذه الصفقة، استعادت الدولة المصرية السيطرة على مرفق حيوي، واستردت موردًا مهمًا من موارد الدخل.
وفي العام نفسه، صدرت اللائحة المنظمة لأعمال البريد، بموافقة وزارة المالية في 21 ديسمبر/كانون الأول 1865، لتنص على احتكار الحكومة لنقل الرسائل وإصدار طوابع البريد.
يمثل إدخال طوابع البريد محطة بارزة في تاريخ البريد المصري. ففي عام 1865، كُلف موتسي بك، رئيس مصلحة البريد، بالسفر إلى أوروبا للتعاقد على طباعة طوابع بريد تستخدم في تخليص المراسلات، أسوة بما هو متبع في الدول الأوروبية. واعتبرت هذه الطوابع بمثابة عملة نقدية ذات قيمة محددة، وحفظت لدى وزارة المالية تمهيدا لطرحها في الأسواق.
وبدأ استخدام طوابع البريد رسميا في يناير/كانون الثاني 1866، فيما عرف بـ«المجموعة الأولى»، التي طبعتها مطبعة إخوان بيلاسي في جنوا بإيطاليا. ولاحقا، كُلفت مطبعة بناسون بالإسكندرية بطباعة مجموعة جديدة حملت رموزا مصرية بارزة، مثل الأهرامات وأبو الهول ومسلة كليوباترا وعمود السواري، في دلالة على الهوية الوطنية.
بعد استقالة موتسي بك عام 1876، عيّن الخديوي إسماعيل المستر كليار الإنجليزي رئيسا لمصلحة البريد، فشهدت الشبكة البريدية توسعا ملحوظا، إذ ارتفع عدد المكاتب إلى أكثر من 200 مكتب يعمل بها نحو 830 موظفا، وأصبح توزيع المراسلات يوميا بين القاهرة والإسكندرية بدلا من مرة أسبوعيا.
وفي عام 1873، اشترت الحكومة أسهم شركة الملاحة البحرية «العزيزية»، وحولتها إلى مصلحة حكومية باسم «وابورات البوسطة الخديوية»، ما أسهم في توسيع نطاق البريد ليشمل مكاتب في إسطنبول وجدة وبيروت وأزمير وغيرها.
مع تطور وسائل النقل، واكب البريد المصري هذه التحولات. فاعتمد في القرن التاسع عشر على السكك الحديدية لنقل الرسائل، ثم أُنشئ نظام «الخطوط الطوافة» عام 1899 لتوصيل البريد إلى المناطق النائية سيرا على الأقدام. وبحلول عام 1931، بلغ عدد هذه الخطوط 384 خطا تضم أكثر من 3 آلاف محطة.
وفي أغسطس/آب 1921، شهدت مصر تدشين أول خدمة بريد جوي لنقل المراسلات من القاهرة إلى بغداد، باستخدام طائرات فرقة الطيران الملكية البريطانية، في خطوة وضعت البريد المصري في مصاف المرافق المتطورة آنذاك.
شهد القرن العشرون تحولات إدارية كبرى. ففي عام 1919، أُنشئت وزارة المواصلات لتضم السكك الحديدية والتلغرافات والتليفونات ومصلحة البريد. وفي عام 1931، صدر قانون شامل ينظم رسوم نقل البريد، وانتقل مقر الإدارة من الإسكندرية إلى القاهرة، ليستقر في مبناه الشهير بميدان العتبة.
وعقب ثورة يوليو/تموز 1952، خُصصت ميزانية مستقلة لمصلحة البريد، ثم صدر قرار رئيس الجمهورية رقم 710 لسنة 1957 بإنشاء هيئة البريد المصرية. وتوالت التطورات حتى صدر القانون رقم 19 لسنة 1982 بإنشاء الهيئة القومية للبريد، لتتبع وزارة المواصلات، ثم وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات لاحقًا.
اليوم، وبعد مرور 160 عامًا على تأسيسه، يواصل البريد المصري أداء دور محوري يتجاوز المفهوم التقليدي للبريد. فإلى جانب خدماته البريدية، يقدم منظومة متكاملة من الخدمات المالية والحكومية، ويسهم في دعم خطط الدولة للتحول الرقمي، مؤكدًا أن مؤسسة وُلدت في القرن التاسع عشر لا تزال قادرة على التجدد ومواكبة متطلبات القرن الحادي والعشرين.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuMTAzIA== جزيرة ام اند امز