عودة خدمات البطاقة التموينية إلكترونيًا في العراق.. «دعم ذكي» يكافح الفساد
عاد ملف البطاقة التموينية إلى صدارة النقاش الاقتصادي والاجتماعي في العراق، بعد إعلان وزارة التجارة إعادة إطلاق جميع خدمات البطاقة التموينية إلكترونيًا لأول مرة منذ أكثر من ثلاث سنوات.
وبينما ترى الوزارة أن الخطوة تمثل تحولًا رقميًا يخفف الأعباء عن المواطنين ويحد من الروتين الإداري، يعتقد خبراء أن نجاح المشروع مرهون بقدرته على استعادة ثقة المواطنين، ومعالجة المشكلات المزمنة التي رافقت هذا النظام منذ سنوات، وفي مقدمتها ضعف التجهيز والفساد واتساع قاعدة المستفيدين.
خطوة لاستعادة الثقة
وأعلنت وزارة التجارة إطلاق جميع خدمات البطاقة التموينية عبر تطبيق البطاقة الإلكترونية، بما يتيح للمواطنين إنجاز معاملاتهم إلكترونيًا دون مراجعة الدوائر الرسمية، بعد توقف دام أكثر من ثلاث سنوات.
ورافق إطلاق خدمة نقل الأفراد بين البطاقات في جميع المحافظات، بما فيها إقليم كردستان، خلل فني مؤقت نتيجة الضغط الكبير على شركات الدفع الإلكتروني، ما أدى إلى استقطاع مبالغ مالية من بعض المواطنين دون إكمال معاملاتهم.
ولاحتواء الأزمة، أعلنت الوزارة تشكيل لجنة متخصصة لإعادة جميع المبالغ المستقطعة، مؤكدة أن حقوق المواطنين ستعاد بالكامل، وأن الخلل عولج، وأعيدت الخدمة إلى وضعها الطبيعي.
أكثر من 39 مليون مستفيد
وذكرت المتحدثة باسم الشركة العامة لتصنيع وتجارة المواد الغذائية في وزارة التجارة، شذى حسين، لـ"العين الإخبارية"، أن البطاقة التموينية تعد أكبر برنامج للدعم الحكومي في العراق، مشيرة إلى أن قرابة 39 مليون مواطن مشمولون بالنظام، بعد استكمال تحديث بياناتهم إلكترونيًا.
وأوضحت: "تشمل الخدمات الجديدة إضافة الأبناء، ونقل الزوجة إلى بطاقة الزوج، ورفع الحجب، واختيار الوكيل التمويني، ونقل الأفراد، وتحديث البيانات، فضلًا عن إعادة بعض الفئات إلى النظام، مثل المنتسبين في الأجهزة الأمنية وعائلاتهم، الذين جرى حجب البطاقة عنهم بعد قرار اتخذته الحكومة السابقة بحذفهم بسبب تقاضيهم رواتب تزيد على مليون دينار عراقي".
وتؤكد أن المشروع يمثل نقلة نوعية في الخدمات الحكومية، إذ أصبح المواطن قادرًا على إنجاز جميع معاملاته عبر الهاتف المحمول، مقابل رسوم لا تتجاوز بين 4000 و6000 دينار، مع إمكانية اختيار الوكيل التمويني إلكترونيًا خلال مدة لا تتجاوز 48 ساعة.
ورأت أن قرار إعادة الأموال يحمل بعدًا يتجاوز الجانب المالي، إذ يعكس حرص الحكومة على حماية حقوق المستخدمين وتعزيز الثقة بالتحول الرقمي، خاصة أن الخدمات الإلكترونية ما تزال تواجه شكوكًا لدى شريحة واسعة من المواطنين.
شبكة حماية اجتماعية أم دعم شامل؟
ورغم مرور أكثر من ثلاثة عقود على إنشاء البطاقة التموينية، ما تزال تمثل إحدى أهم أدوات الحماية الاجتماعية في العراق، خصوصًا للعائلات محدودة الدخل، في ظل استمرار معدلات الفقر والبطالة وارتفاع أسعار المواد الغذائية.
إلا أن خبراء يرون أن النظام فقد جزءًا من فلسفته الأصلية بعد اتساع قاعدة المشمولين، إذ لم يعد يقتصر على الفئات الفقيرة، بل يشمل شرائح واسعة من المجتمع، الأمر الذي رفع حجم الإنفاق الحكومي وخفف من كفاءة الدعم.
ويشير أعضاء في لجنة الاقتصاد والتجارة النيابية إلى أن تحديث البيانات كشف وجود ما يقارب 13 مليون شخص لا يستحقون الاستفادة من البطاقة التموينية، مؤكدين ضرورة إعادة توجيه الدعم إلى الفئات الأكثر احتياجًا، وإنهاء المجاملات التي سمحت باستمرار شمول غير المستحقين.
مليارات سنويًا لدعم الغذاء
وقال عضو لجنة التجارة في مجلس النواب لـ"العين الإخبارية" إن البطاقة التموينية تكلف الحكومة سنويًا مليارات الدنانير ضمن الموازنة العامة، لتأمين شراء المواد الغذائية الأساسية وتوزيعها على المواطنين.
وأضاف: "ورغم عدم إعلان رقم ثابت للتخصيصات، بسبب اختلافها من موازنة إلى أخرى، فإن خبراء اقتصاديين يشيرون إلى أن الإنفاق التراكمي على البطاقة التموينية منذ عام 2003 تجاوز 82 مليار دولار".
وأوضح: "وفق الإحصائيات التي اطلعنا عليها في لجنة إعداد الموازنة في مجلس النواب، تكلف البطاقة التموينية (السلة الغذائية) سنويًا قرابة 4 مليارات دولار"، مبينًا: "رغم هذه المبالغ الكبيرة، ما تزال شكاوى المواطنين مستمرة بشأن تأخر توزيع المفردات، وعدم انتظام الحصص، وضعف نوعية بعض المواد الغذائية".
ماذا تتضمن البطاقة التموينية؟
وتضم البطاقة التموينية حاليًا عددًا من السلع الغذائية الأساسية، أبرزها "الطحين، والرز، والسكر، وزيت الطعام، ومعجون الطماطم، وفي بعض الأحيان البقوليات التي عادة ما توزع في مناسبات مثل حلول شهر رمضان"، بحسب التخصيصات والتعاقدات السنوية.
لكن تجهيز هذه المفردات لا يتم بصورة منتظمة في جميع المحافظات، إذ يشكو المواطنون من تأخر وصول بعض المواد أو استلام حصص غير مكتملة خلال أشهر عديدة.
التمويل والفساد.. أبرز التحديات
ويرى خبراء اقتصاد أن المشكلة لا تكمن في فكرة البطاقة التموينية، وإنما في آلية إدارتها. ويقول الخبير الاقتصادي أحمد عباس البطاط إن استمرار الحكومة في شراء المواد الغذائية واستيرادها وخزنها ونقلها وتوزيعها يفتح المجال أمام حلقات طويلة من البيروقراطية والهدر والفساد، مقترحًا تحويل قيمة الحصة التموينية إلى دعم نقدي مباشر يودع شهريًا في بطاقات مصرفية للمواطنين المستحقين.
وقال البطاط، وهو أستاذ الاقتصاد في جامعة ميسان، لـ"العين الإخبارية"، إن هذا الخيار يمنح المواطن حرية اختيار السلع التي يحتاجها، ويقضي على تكاليف النقل والخزن والاستيراد، فضلًا عن تقليل فرص الفساد الإداري.
في المقابل، يرى خبراء آخرون أن التحول إلى الدعم النقدي يحتاج إلى سوق مستقرة ورقابة فعالة، حتى لا يؤدي إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية أو تآكل قيمة الدعم بسبب التضخم.
من يستحق الدعم ومن يُحرم منه؟
ويرى الباحث الاجتماعي تحسين البديري أن البطاقة التموينية ما تزال تمثل إحدى ركائز الحماية الاجتماعية في العراق، إلا أن أي قرارات تتعلق بتقليص أعداد المشمولين يجب أن تستند إلى معايير تعكس الواقع المعيشي، لا إلى سقوف رواتب لم تعد تعبر عن القدرة الشرائية للمواطن.
ويقول البديري لـ"العين الإخبارية" إن قرار حجب الحصة التموينية عن الموظفين الذين يتقاضون راتبًا يبلغ مليون دينار أو أكثر يثير الكثير من التساؤلات، لأن هذا الدخل لم يعد كافيًا لتغطية الاحتياجات الأساسية للعائلة العراقية في ظل ارتفاع تكاليف السكن والخدمات الصحية والتعليمية وأسعار المواد الغذائية.
ويضيف أن الأسرة التي يتقاضى معيلها مليون دينار تتحمل شهريًا أعباء كبيرة تشمل إيجارات المنازل، وأجور المولدات الأهلية، والإنترنت، والاتصالات، فضلًا عن نفقات العلاج والطبابة، وهو ما يجعل الجزء الأكبر من الراتب يستهلك قبل تلبية الاحتياجات الأساسية، الأمر الذي يضع الطبقة الوسطى تحت ضغوط اقتصادية متزايدة.
ويؤكد البديري أن الإصلاح الحقيقي لمنظومة البطاقة التموينية ينبغي أن يبدأ بتحديث قواعد البيانات واستبعاد غير المستحقين فعلًا، مثل أصحاب الدخول المرتفعة أو المستفيدين بطرق غير قانونية، بدلًا من اعتماد سقف راتب قد لا يعكس المستوى الحقيقي للمعيشة.
ويشير إلى أن معالجة الهدر المالي يجب أن تنطلق من مكافحة الفساد وترشيد الإنفاق العام واسترداد الأموال المهدرة، وليس من تقليص الدعم الموجه إلى شرائح تواجه أصلًا تراجعًا في قدرتها الشرائية نتيجة التضخم وارتفاع تكاليف الحياة.
ويحذر الباحث الاجتماعي من أن استمرار الضغط على الطبقة الوسطى قد ينعكس على الاستقرار الاجتماعي، لكونها تمثل الشريحة الأوسع في المجتمع، داعيًا إلى مراجعة سياسات الدعم الحكومي بما يحقق العدالة الاجتماعية ويحافظ على شبكة الأمان الغذائي للفئات التي تحتاج إليها فعلًا، مع الأخذ بنظر الاعتبار المتغيرات الاقتصادية ومستويات المعيشة الحالية.
إصلاح تدريجي أم تغيير شامل؟
وتقول عضو مجلس النواب زليخة إلياس، في حديث لـ"العين الإخبارية"، إن "الحكومة حاليًا تتجه إلى تطوير البطاقة التموينية رقميًا، دون إعلان أي خطة رسمية لإلغائها أو استبدالها بالدعم النقدي".
وأضافت: "أن مستقبل البطاقة التموينية سيتجه تدريجيًا نحو الدعم الذكي، عبر بناء قواعد بيانات دقيقة، واستبعاد غير المستحقين، وربط الدعم بالحالة الاقتصادية للعائلة، بدلًا من استمرار الدعم الشامل"، مشيرة إلى أن نجاح هذا التحول يتطلب تحديثًا مستمرًا للبيانات، وربطها بقواعد المعلومات الضريبية والمالية، لضمان وصول الدعم إلى مستحقيه الحقيقيين فقط.
مستقبل البطاقة
ويجمع خبراء الاقتصاد على أن إعادة إطلاق الخدمات الإلكترونية تمثل خطوة مهمة في تحديث الإدارة الحكومية، لكنها لا تكفي وحدها لمعالجة المشكلات المتراكمة التي تواجه البطاقة التموينية.
فبين استمرارها شبكة أمان غذائي لملايين العراقيين، والدعوات التي انطلقت مؤخرًا للتحول إلى الدعم النقدي أو أنظمة الدعم الذكي، يبقى مستقبل البطاقة التموينية مرهونًا بقدرة الحكومة على تحقيق معادلة صعبة تجمع بين حماية الفئات الفقيرة، وترشيد الإنفاق العام، وتعزيز الشفافية، وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه الحقيقيين، بما يعيد ثقة المواطنين بأحد أقدم برامج الرعاية الاجتماعية في العراق.