من قبة الصخرة للجامع الأموي.. مبادرات إماراتية لصون التراث الإسلامي
من قبة الصخرة بفلسطين إلى الجامع الأموي بسوريا، مرورا بجامع النوري في العراق، تتواصل مبادرات الإمارات العابرة للحدود لصون تراث الإنسانية.
مبادرات ترسل من خلالها الإمارات رسائل أمل وتسامح، وهي تواصل جهودها الحثيثة للحفاظ على التراث الإنساني بشكل عام، والتراث العربي والإسلامي بشكل خاص.
ويعد التراث الإسلامي أحد أبرز روافد التراث الإنساني، بما يجسِّده من قيم الرحمة والتسامح والعدل والتعارف، حيث قَدَّم عبر تاريخه نموذجًا حضاريًّا قائمًا على العلم واحترام التنوع والتفاعل الإيجابي مع الثقافات، ومن شأن صونه أن يُسهِمَ في ترسيخ قيم الاعتدال والانفتاح، ومواجهة خطابات التطرف والكراهية، ومن هنا تكمن أهمية مبادرات الإمارات في صون التراث العربي والإسلامي.
ضمن أحدث تلك المبادرات، أعلنت دولة الإمارات، الجمعة، عن ترميم الجامع الأموي في سوريا، أحد أبرز المعالم التاريخية والرموز الثقافية الخالدة، بدعم كريم من الشيخة فاطمة بنت مبارك "أم الإمارات"، رئيسة الاتحاد النسائي العام، رئيسة المجلس الأعلى للأمومة والطفولة، الرئيسة الأعلى لمؤسسة التنمية الأسرية.
يأتي إطلاق تلك المبادرة، بعد 9 شهور من افتتاح جامع النوري التاريخي في العراق مطلع سبتمبر/ أيلول الماضي، وإعادته بناء منارته الحدباء، بعد عدة سنوات من قيام تنظيم داعش الإرهابي بهدمها، كهدية إماراتية للإنسانية تعبّر عن جهود دار زايد ورسالتها الحضارية في مواجهة الممارسات والأفكار المتطرفة التي أسهمت في تدمير المعالم الأثرية، وذلك في إطار الحفاظ على التراث الإنساني والثقافي على مستوى العالم.
ويعد المسجد الأموي وجامع النوري من بين عدة معالم إسلامية تاريخية تقف شاهدة على إسهامات دولة الإمارات في حفظ كنوز التراث العالمي، من بينها أيضا: قبة الصخرة في القدس، ومسجد عمر بن الخطاب في بيت لحم، ومتحف الفن الإسلامي في مصر.
الجامع الأموي
يعد الجامع الأموي، أحد أبرز المعالم التاريخية والرموز الثقافية الخالدة، وأحدث الرموز المنضمة إلى قائمة المعالم التاريخية الشاهدة على إسهامات دولة الإمارات في حفظ كنوز التراث العالمي، بعد إعلان الإمارات عن ترميمه.
بني الجامع الأموي في القرن الثامن الميلادي على يد الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك، ليصبح أيقونة في فن العمارة على مستوى العالم، لكونه من أكبر الجوامع وأكثرها زينة وزخرفاً في العالم الإسلامي.
ويقع الجامع الأموي في وسط مدينة دمشق القديمة، المدرجة على لائحة التراث العالمي لليونسكو.
تأثر الجامع الأموي بظروف الإهمال وتراجع أعمال الصيانة نتيجة الأزمات التي مرت بها سوريا، ما انعكس على أجزاء من بنيته المعمارية والزخارف التاريخية داخله، ومن هنا تكمن أهمية المبادرة الإماراتية.
وأعلنت دولة الإمارات عن ترميم الجامع الأموي، بدعم كريم من الشيخة فاطمة بنت مبارك "أم الإمارات"، رئيسة الاتحاد النسائي العام، رئيسة المجلس الأعلى للأمومة والطفولة، الرئيسة الأعلى لمؤسسة التنمية الأسرية.
وأكدت الشيخة فاطمة بنت مبارك "أم الإمارات"، أن تلك المبادرة، تأتي سيرا على النهج الإنساني الراسخ للمؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وقيمه الإنسانية النبيلة في البذل والعطاء والتنمية والبناء، والذي يسير عليه المجتمع الإماراتي الأصيل خدمةً للبشرية جمعاء، باهتمام بالغ من الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات ورؤيته المُلهمة في التنمية والتقدم والازدهار وصون التراث العالمي، انطلاقاً من الرسالة الحضارية والإنسانية للدولة، والتزامها الدولي بالحفاظ على التراث العربي المتعدد والثقافة الإسلامية المتنوعة.
جاء الإعلان عن تلك المبادرة خلال زيارة نورة بنت محمد الكعبي، وزيرة الدولة الإماراتية، إلى العاصمة السورية دمشق، حيث قالت إن سوريا تحتل مكانة فريدة في قلب الحضارة العربية والإسلامية، ويُعد الجامع الأموي أحد أبرز المعالم التاريخية والرموز الثقافية الخالدة، وإعلان دولة الإمارات ترميم هذا الجامع بدعم كريم من الشيخة فاطمة بنت مبارك "أم الإمارات"، إنما يعكس مكانة تراثنا المشترك وثقافتنا الواحدة، ووقوف دولة الإمارات الثابت مع الشعب السوري الشقيق في كل الظروف والأوقات، وسوريا الشقيقة اليوم تُسطر فصلاً جديداً في تاريخها المعاصر.
وأكدت حرص دولة الإمارات على العناية بالتاريخ والتراث، وهو ما يتجلى في إطلاق المبادرات الثقافية الهادفة للحفاظ على الموروث العربي والإسلامي من جهة، وإعادة تأهيل التراث الثقافي في المنطقة العربية من جهة أخرى، في إطار الدور الإماراتي العالمي الرائد وسجلها المميز في مجال الدبلوماسية الثقافية والعمل الإنساني.
وأوضحت أن مبادرة ترميم الجامع الأموي في دمشق ستشمل :
- إعادة التأهيل الهيكلي والمعماري للجامع.
- إعادة تنشيط المنطقة التاريخية المحيطة بالجامع على نطاق أوسع.
وسيتم ذلك بما ينسجم مع الخصوصية السورية والنسيج الاقتصادي والثقافي والاجتماعي التي تتسم به الجمهورية العربية السورية.

جامع النوري
يأتي إطلاق تلك المبادرة، بعد 9 شهور من افتتاح جامع النوري التاريخي في العراق مطلع سبتمبر/ أيلول الماضي، بعد إعادة إعماره بتمويل من الإمارات.
فبعد 8 سنوات من قيام تنظيم داعش الإرهابي بهدمه، ارتفعت منارة جامع النوري التاريخية مجددا في سماء مدينة الموصل العراقية.
وشاركت دولة الإمارات في حفل افتتاح رسمي لعدد من المواقع الثقافية والتراثية التي أعيد إعمارها في مدينة الموصل العراقية بتمويل من الإمارات وبالشراكة مع منظمة اليونيسكو والاتحاد الأوروبي، وذلك بوفد رسمي ترأسته نورة بنت محمد الكعبي وزيرة الدولة وحضور الشيخ سالم القاسمي وزير الثقافة، وبمشاركة مسؤولين ووزراء وممثلي منظمة اليونيسكو.
يعد جامع النوري من مساجد العراق التاريخية بناه نور الدين زنكي عام 1172م وهو يقع في الساحل الغربي للموصل.
ويُعتبر ثاني جامع يُبنى في الموصل بعد الجامع الأموي، وأعيد إعماره عدة مرات كانت آخرها عام 1944م.
ولم يتوانَ تنظيم داعش الإرهابي عن رفع علمه على سطح الجامع في عام 2014، ليطل من على منبره في يونيو/حزيران من العام نفسه، زعيمه أبوبكر البغدادي معلنا خلافته المزعومة.
وأمضت الموصل ثلاثة أعوام عصيبة (2014-2017) تحت نيران التنظيم، قبل أن تتحرر من قيود التطرف، ودارت خلال هذه السنوات معارك خلفت وراءها مدينة مدمرة، حيث تحوّلت مواقعها التراثية إلى ركام من الأنقاض، وتعرّضت معالمها الدينية وآثارها الثقافية إلى التخريب.
من أبرز تلك المعالم التاريخية جامع النوري، الذي دمره التنظيم الإرهابي في 21 يونيو/حزيران من عام 2017، في الوقت التي كانت تتقدم فيه القوات العراقية للسيطرة على المسجد، خلال معاركها لطرد التنظيم الإرهابي وتحرير المدينة.
وتهدّم جامع النوري ومئذنته الشهيرة المائلة المعروفة باسم المنارة الحدباء التي يبلغ ارتفاعها 45 متراً ويزيد عمرها على 840 عاماً.
بعد هزيمة التنظيم الإرهابي، وبدء جهود إعادة إعمار العراق على مختلف الأصعدة، كانت الإمارات في طليعة الدول المساندة لتلك الجهود، ولا سيما على الصعيد التراثي والثفافي.
وضمن تلك الجهود، أطلقت منظمة "يونسكو" المبادرة الرائدة "إحياء روح الموصل"، في شباط/فبراير 2018، لتكون بمثابة مشاركة المنظمة في إنعاش إحدى المدن العراقية العريقة.
وسرعان ما انضمت الإمارات للمبادرة، وفي 22 أبريل/نيسان 2018، اتفقت دولة الإمارات العربية المتحدة مع جمهورية العراق و منظمة الأمم المتحدة للتربية و العلوم والثقافة "يونيسكو" عبر مذكرة تفاهم على إطلاق مشروع إعادة بناء وترميم مسجد النوري الكبير ومئذنته الحدباء في مدينة الموصل العراقية.
وفي ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه 2018، تم وضع حجر الأساس لإعادة بناء المسجد الشهير بمنارته الحدباء وبتصميمه السابق نفسه، برعاية وتمويل من دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث خصصت دولة الإمارات 50.4 مليون دولار أمريكي لإعادة إعمار الموصل وإعادة بناء معالمها التراثية ونسيجها العمراني العريق.
وجاء قرار دولة الإمارات بتبني مبادرة اليونسكو بإعادة البناء، في رسالة أمل لمواجهة الأفكار المتطرفة التي تحاول جاهدة محو التراث الإنساني والثقافي وزرع الخوف في المجتمع.
وفي رسالة مهمة للعالم، أكدت الإمارات أن إعادة بناء معالم العراق الأثرية هي عملية بناء لمستقبل أجيال عربية تنبذ الحروب وتؤمن بالتعددية والاعتدال وإيجاد فرص اقتصادية وإمكانات داعمة للسياحة الثقافية بما تعكسه من استدامة للتنمية وتطور وازدهار لمستقبل العراق.
انطلق هذا المشروع بالشراكة مع الإمارات العربية المتحدة، غير أنه واجه عقبات تراوحت بين نزع فتيل متفجرات مخفية لم تنفجر تركها التنظيم الإرهابي وحفظ قاعات الصلاة التي تعود إلى القرن الثاني عشر والمكتشفة في أثناء أعمال التنقيب، إضافة إلى تحدٍّ معماري تمثَّل في إعادة بناء المئذنة الغالية على قلوب أهل هذه المدينة مائلة "كسابق عهدها" وباستخدام المواد الأصلية.
ومع مثابرة فرق العمل وبدعم من الإمارات، نجحت فرق العمل في إعادة المئذنة التاريخة إلى سابق عهده، باستخدام المواد الأصلية، لتحافظ على أصالتها وتاريخها ونفس نسبة ميلها.
وقد قادت منظمة اليونسكو مشروع إعادة البناء بالشراكة مع هيئة الآثار والتراث العراقية، وبتمويل من الإمارات، ضمن مبادرة "إحياء روح الموصل"، التي شملت أيضًا ترميم كنيستي الطاهرة والساعة.
وكان الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات، قد أبدى اهتماماً شديداً بهذا المشروع منذ إطلاقه، وهو المشروع الذي بدأ بالتزامن مع الإعلان عن إعادة إعمار مسجد النوري، ولم يُرد أن يكون تدمير هذا المسجد هو الذكرى الأخيرة التي تبقى لمدينة الموصل.

قبة الصخرة
وإضافة إلى الجامع الأموي وجامع النوري ومنارته الحدباء، يسجل تاريخ الإنسانية بأحرف من نور للإمارات جهودها في حفظ كنور تراثية وتاريخية ودينية، تحمل قيمة كبيرة، من أبرزها مسجد قبة الصخرة.
وقد تكفل المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان بترميم سقف مسجد قبة الصخرة في الحرم القدسي الشريف على نفقته الخاصة بعد أن تضرر جراء الهزة الأرضية التي ضربت مدينة القدس في عام 2004 فضلا عن تقادم سقف القبة الرخامي.

مسجد "عمر بن الخطاب"
وليس ببعيد عن القبة، فقد تكفل المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان بترميم مسجد عمر بن الخطاب.
ويقال إن المسجد أقيم في المكان الذي صلى فيه عمر بن الخطاب رابع الخلفاء الراشدين عندما زار مدينة بيت لحم في 637 م، وشيد المسجد عام 1860م لإحياء ذكرى زيارة الخليفة عمر بن الخطاب إلى بيت لحم، والأرض التي تم بناء المسجد عليها تم التبرع بها من قبل الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية.

متحف الفن الإسلامي
ومن فلسطين إلى مصر، حيث تكفلت الإمارات في عام 2014 بنفقات ترميم وصيانة متحف الفن الإسلامي بالقاهرة، بعد الأضرار التي لحقت به نتيجة عمل إرهابي.
ويعود المتحف إلى عام 1869، عندما بدأت فكرة إنشاء دار لجمع تحف الفنون من العمائر الإسلامية، ووضعت لبنته الأولى عام 1880، عندما قامت الحكومة المصرية بجمع التحف الفنية من المساجد والمبانى الأثرية لحفظها في الإيوان الشرقي لجامع الحاكم بأمر الله، وصدر مرسوم سنة 1881 بتشكيل لجنة حفظ الآثار الإسلامية والعربية، ومع تزايد التحف والقطع الفنية التي تم جمعها من مصر والهند والصين وإيران وتركيا والأندلس مروراً بفنون الجزيرة العربية والشام وشمال أفريقيا، ضاق الإيوان بها، فتم بناء مكان لها في صحن الجامع، واستمر الوضع على هذه الحال حتى بناء متحف كبير سمي بمتحف الفن الإسلامي الحالي.
وتم افتتاح المتحف للمرة الأولى في 28 ديسمبر/كانون الأول 1903 بميدان «باب الخلق»، أحد أشهر ميادين القاهرة الإسلامية، إذ يقترب من أهم نماذج العمارة الإسلامية التي تعكس جماليات عصورها المختلفة، التي تؤكد ازدهار الحضارة الإسلامية.
ويعد متحف الفن الإسلامي بالقاهرة أكبر متحف إسلامي في العالم، إذ يضم مئات المخطوطات النادرة وأكثر من 100 ألف قطعة أثرية تمثل 75% من التحف الأثرية الإسلامية بالعالم، والتي تعكس فنون العالم الإسلامي على مر العصور.

التراث الإنساني
ولا تميز دولة الإمارات في دعمها لمشاريع إعادة إحياء المعالم التراثية والتاريخية بين دين وآخر، منطلقة في ذلك من منظومة متكاملة من تقاليد وقيم التسامح والاعتدال الراسخة في مجتمعها المحلي والتي أسهمت في تحقيق التواصل والتفاعل بين جميع سكان الدولة بمختلف أديانهم وتقاليدهم وثقافتهم.
وتمد دولة الإمارات يد الرعاية والاهتمام للمعالم والكنوز التاريخية حول العالم انطلاقا من نهجها الراسخ في التسامح والتعايش الإنساني حيث لم تقف في يوم من الأيام عند مرجعية تلك المواقع وارتباطها الديني بل تأثيرها الإنساني العظيم.
وتضم قائمة أبرز المعالم التي أعادها الدعم الإماراتي للحياة أيضا : كنيستي الطاهرة والساعة بالموصل في العراق وكنسية المهد في بيت لحم.
أيضا تضم تلك القائمة معالم ثقافية تاريخية مهمة من قبيل مسرح قصر الشيخ خليفة بن زايد – قصر فونتينبلو الإمبراطوري سابقاً ومكتبة ماكميلان التاريخية في نيروبي، و"نُزُل السلام" في مدينة المحرّق البحرينية إضافة إلى العديد من المعالم والمواقع الأخرى.
وتعتبر دولة الإمارات في المحافظة على التراث الإنساني وحماية كنوزه التاريخية، أحد أبرز الخطوات العملية التي تتخذها في سبيل تعزيز ثقافة التسامح ونشر رسالة التعايش السلمي في العالم.
جهود توجت بانتخاب دولة الإمارات العربية المتحدة في يونيو/حزيران 2024 عضواً في اللجنة الحكومية الدولية لصون التراث الثقافي غير المادي التابعة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) للفترة 2024 -2028،- في إنجاز جديد يضاف إلى رصيد إنجازاتها .
وتعد هذه المرة الثانية التي تحصل فيها دولة الإمارات على عضوية اللجنة ويجسّد اختيارها لعضويتها اعترافاً بمساهماتها الكبيرة في دعم المجتمعات المحلية، والحفاظ على الموروثات التاريخية.