«ناتو» بلا أمريكا.. هل تصمد أوروبا؟
في خضم التوترات عبر الأطلسي، باتت أوروبا بمواجهة واقع كان يبدو مستحيلا، لكن اليوم يتعين عليها وضع خطة للبقاء بدون أمريكا.
ووفقا لصحيفة "تليغراف" البريطانية، فإنه حتى وقت قريب كان مجرد التساؤل حول فرضية تخلي الولايات المتحدة عن حلف شمال الأطلسي (ناتو) من المحرمات السياسية.
لكن تصرفات وتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال العام الأول من ولايته الثانية حولت هذا السيناريو من فرضية مستحيلة إلى خطر واقعي.
فمنذ عودته للبيت الأبيض العام الماضي، لم تتوقف هجمات ترامب على القارة العجوز عند التشكيك في التزام بلاده بالدفاع عن أوروبا.
لكنه ضرب أساس الثقة التي بني عليها الأمن الأوروبي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية خاصة بعد تهديده باستخدام القوة ضد دولة حليفة مثل الدنمارك بسبب غرينلاند.
وبحسب الصحيفة، فإن أوروبا تواجه اليوم أزمة وجودية حقيقية، فعلى مدار ثمانية عقود، اعتمدت القارة على الضمانة الأمنية الأمريكية، ما سمح للدول الأوروبية بتقليل إنفاقها العسكري والتركيز على الرفاه الاجتماعي.
لكن احتمال انسحاب واشنطن أو تقليص دورها يفرض على أوروبا تحمل عبء الدفاع عن نفسها في مواجهة روسيا وذلك للمرة الأولى منذ عام 1949.
ومن الناحية النظرية، تمتلك أوروبا الإمكانات اللازمة لذلك، فاقتصادها يفوق الاقتصاد الروسي بكثير، ويبلغ عدد سكانها نحو 500 مليون نسمة مقابل 140 مليوناً في روسيا.
كما أن القوات المسلحة الأوروبية مجتمعة تضم حوالي مليوني جندي نشط، مقارنة بـ1.3 مليون جندي روسي، وتمتلك أوروبا أيضا عدداً أكبر من الطائرات المقاتلة والسفن الحربية.
المعضلة
إلا أن هذه الأرقام تخفي مشكلة جوهرية وهي أن الجزء الأكبر من القوة الفعلية للناتو يعتمد على الولايات المتحدة، سواء في القيادة أو في القدرات العسكرية الحاسمة.
وتكمن المعضلة الأساسية في القدرات التي توفرها واشنطن على نطاق واسع مثل الاستطلاع بالأقمار الصناعية والنقل العسكري الثقيل والتزود بالوقود جواً والقيادة والسيطرة والردع النووي.
ومن دون هذه العناصر، سيكون من الصعب على الجيوش الأوروبية خوض حرب طويلة أو عالية الكثافة.
أزمة أخرى تواجه القارة العجوز وهي غياب الإرادة السياسية الأوروبية وهو ما أشار إليه تصريح الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الذي قال إن أوروبا تُكثر من النقاش حول المستقبل لكنها تتجنب اتخاذ قرارات حاسمة اليوم، ما يجعلها قوة مجزأة بدلاً من أن تكون لاعباً عالمياً حقيقياً.
ويرى عدد من الخبراء العسكريين أن الكثير من المسؤولين الأوروبيين ما زالوا في حالة إنكار، متمسكين بفكرة أن "الأمور ستبقى على ما يرام".
3 أسئلة
إذا اضطرت أوروبا للدفاع عن نفسها، فستواجه ثلاثة أسئلة كبرى، الأول كيف يمكن إعادة تنظيم الأمن الأوروبي؟ والثاني من يقود هذا الجهد؟ والثالث ما هي القدرات العسكرية التي يجب بناؤها؟
وبحسب "تليغراف"، فمن الممكن الإبقاء على هيكل الناتو لكن بقيادة أوروبية، مع استمرار مبدأ الدفاع الجماعي.
لكن التحدي الأصعب هو القيادة حيث لعبت الولايات المتحدة دور القائد بلا منازع، القادر على فرض الانضباط وحل الخلافات بين الحلفاء وفي غيابها، لن تستطيع دولة أوروبية واحدة ملء هذا الفراغ.
وقد يكون الحل نموذج "قيادة جماعية" تقوده عدة دول رئيسية في مقدمتها ألمانيا، التي تمتلك أكبر اقتصاد وأكبر ميزانية دفاعية في أوروبا حالياً، تليها فرنسا بقوتها النووية ورؤيتها المستقلة، ثم بريطانيا وذلك رغم تراجع نفوذها بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي واعتمادها الكبير على الولايات المتحدة.
وفي هذا الإطار تبرز أيضا بولندا كقوة عسكرية صاعدة بإنفاق دفاعي مرتفع، إضافة إلى فنلندا والسويد بخبرتهما في الدفاع الذاتي، وأخيراً أوكرانيا التي تمتلك اليوم أكثر الجيوش خبرة في القتال البري الحديث.
وفي ما يتعلق بالصناعات الدفاعية، تعاني أوروبا اليوم من تشتت خطير، فهي تشغل 174 نظاماً مختلفاً للأسلحة، مقابل 33 فقط لدى الولايات المتحدة، الأمر الذي سيؤدي إلى رفع التكاليف وضعف الكفاءة.
كما أن الإنفاق العسكري الأوروبي ورغم ضخامته الاسمية، إلا أنه لا تتم ترجمته إلى قوة حقيقية بسبب ارتفاع التكاليف وضعف الإنتاج الصناعي مقارنة بروسيا.
ولذلك، فإن الجيوش الأوروبية لن تصمد إلا لأيام أو أسابيع فقط في حرب كبرى قبل نفاد الذخائر، وبالتالي فإن إعادة بناء القدرات الدفاعية ستتطلب استثمارات هائلة تمتد لعقود، وقد تُجبر الحكومات على تقليص الإنفاق الاجتماعي أو حتى إعادة التجنيد الإجباري.
أما أخطر القضايا التي تواجه أوروبا فهي الردع النووي، فبعد انسحاب واشنطن ستبقى بريطانيا وفرنسا وحدهما بترسانتين نوويتين صغيرتين مقارنة بروسيا، وقد يضطر البلدان إلى توسيع ترسانتيهما وتطوير أسلحة نووية تكتيكية لتعويض غياب "المظلة النووية" الأمريكية.
ويبقى السؤال حول رد الفعل الروسي المحتمل بشأن تخلي الولايات المتحدة عن حلفائها، ويرى بعض الخبراء أن موسكو قد تفضّل الانتظار والاستفادة من الانقسام الأوروبي في الوقت الذي يحذر فيه آخرون من أن موسكو قد تغتنم الفرصة لمهاجمة دول البلطيق أو زعزعة الاستقرار داخل أوروبا نفسها.
وأيا كانت الاحتمالات فالأمر المؤكد هو أن أوروبا تقف بمفترق طرق تاريخي، فإما أن تتوحد وتتحمل مسؤولية الدفاع عن نفسها وتصبح قوة استراتيجية حقيقية، أو تستمر في التردد والانقسام، لتبقى ضعيفة، معرضة للتهديد.