منوعات

مهرجان "البون".. احتفال ياباني تقليدي يحيي ذكرى الموتى

الأربعاء 2018.8.15 12:09 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 150قراءة
  • 0 تعليق
مظاهر الاحتفال بمهرجان البون - أرشيفية

مظاهر الاحتفال بمهرجان البون - أرشيفية

الثقافة اليابانية من الثقافات الزاخرة بالأعياد والمناسبات الكثيرة والعديدة التي يشارك بها الشعب الياباني، وهو احتفال إحياء ذكرى الموتى والذي يطلق عليه "احتفال البون".

يعتبر احتفال البون من الاحتفالات التي يحرص اليابانيون على الاحتفال بها كل عام، ويقوم عدد كبير بزيارة القبور والأضرحة، ويوقدون المصابيح الورقية ويقومون بتزيين المنازل ببعض أنواع الخضراوات الخاصة بهذه الاحتفالية.

ومن المتعارف عليه أن زيارة القبور والأضرحة خلال هذه الفترة يحمل في طياته معاني كبيرة بالنسبة لليابانيين، ومن الغريب أن قليلاً من اليابانيين أنفسهم من يدرك المعاني الحقيقية والمقصود من هذه العادة التي يمارسونها منذ الصغر.

معنى البون في الأساس وفترة الاحتفال به

يقال إن البون هو الفترة التي تعود فيها أرواح الأسلاف والأجداد ممن تركوا الحياة ورحلوا عن العالم لزيارة محبيهم.

في الأصل كان يتم الاحتفال به في الفترة من 13 يوليو/تموز وحتى 16 من الشهر نفسه، وفقاً للتقويم القمري القديم، ولكن بداية من عصر "ميجي" وتحديداً منذ عام 1873، وبدء العمل بالتقويم الجريجوري الجديد، تغير الاحتفال به، وأصبحت معظم المقاطعات تحتفل به في الفترة من 13 أغسطس/آب وحتى 16 من الشهر نفسه.

فترة الاحتفال بالبون تستمر 4 أيام بداية من يوم 13 أغسطس/آب، ويعتبر يوم بداية الاحتفال واستقبال أرواح الأسلاف، مروراً بيومي 14، و15 أغسطس/آب، وهي الفترة التي يتم فيها زيارة القبور وإقامة الشعائر والطقوس الخاصة بالاحتفال، انتهاءً بيوم 16 أغسطس/آب، وهو يوم رحيل الأرواح ووداعها.

أصل البون ومعناه

يُشار إلى البون بأنه من الطقوس والشعائر البوذية، ولكن في حقيقة الأمر الاحتفال بالبون متأصل في اليابان قبل دخول البوذية لليابان. ومعروف منذ القدم، ومن مظاهر الاحتفال به أيضاً تأهيل البيوت والمنازل لاستقبال أرواح الأسلاف، باعتبارها تهبط إلى الأرض عند اكتمال القمر.

وجدير بالذكر أيضاً أن هذا الاحتفال يعجّ بالمعاني القيّمة وراء شعائره الدينية التي تُقام من أجل الزراعة والحصاد. كما يعود أصل الاسم إلى "أورابونئه" أو باليابانية (盂蘭盆会).

ممارسات لا تجوز عند زيارة القبور والأضرحة

1. سكب الساكي "الخمر الياباني" على القبر

يعتقد بعض الأشخاص أنه نظراً إلى أن المتوفى من الأسلاف كان مولعاً بشرب الساكي، فمن الأفضل سكب الساكي على قبره ليسعد به، لكن هذا يساعد على هشاشة القبر وسهولة تدميره.

2. إطفاء البخور أو الشموع عن طريق النفخ فيها

من آداب السلوك أن يتم إطفاء البخور أو الشموع باليد وليس عن طريق النفخ فيها. ويسود الاعتقاد أن هذه الشعلة نابعة من بوذا، فإطفاؤها بالنفخ فيها يعتبر تصرفاً خارج عن آداب السلوك.

3. التعامل مع الطعام والشراب

بعد أن يحل الظلام ويعم السكون أرجاء المكان، تحوم الحيوانات والطيور حول القبور، فإن تم ترك الأطعمة على حالها دون التصرف فيها سيؤدي ذلك إلى اتساخ المكان. لذا فإما أن يتم تناول الطعام والشراب، وإما العودة به إلى المنزل.

مظاهر الاحتفال

قديماً كان يتم إشعال النيران أمام البيوت أثناء الاحتفال، ويعود أصلها إلى الترحيب، للدلالة على مساعدة روح الأسلاف أثناء هبوطها إلى الأرض كي لا تضل طريقها.

اليوم بات من الصعب القيام بذلك، نظرا لأوضاع المنازل الحديثة وتقاربها وخطر إشعال تلك النيران، فتم الاستعاضة عنها بمصابيح ورقية يتم إطلاقها. وتتلخص زينة الاحتفال بالبون في قائم التزيين بأعشاب الخيزران المسمى "بون دانا".

وتتباين زينة الاحتفال بالبون حسب الإقليم والمذهب الديني، فلا يمكن الجزم بأن هذا صحيح وهذا خطأ.

في البداية يتم نصب قائم التزيين المسمى "بون دانا" وتثبيت أعشاب الخيزران على زواياه. بعد ذلك يتم ربط أعشاب الخيزران بحبل رفيع. ويتم تعليق المحمصات والمكرونة اليابانية الرفيعة "صومين" وغيرها.

في الإعلام يتم التنويه عن العطلة لمدة 4 أيام في شهر أغسطس/آب احتفالاً بالبون، ولكن الأمر في حقيقته يختلف وفق المقاطعات، حيث إن هناك مقاطعات ما زالت تحتفل بالبون في شهر يوليو/تموز أيضاً.

من المقاطعات التي تحتفل بالبون في شهر يوليو/تموز مقاطعة يوكوهاما، وأوكيناوا، وجزء من الإقليم الشمالي توهوكو. وهذا يجعلنا نلتفت إلى أنه ما زال هناك من يتمسك بالتقليد القديم للاحتفال في شهر يوليو/تموز.

ومن ناحية أخرى، تعزي بعض المقاطعات التي تحتفل بالبون في شهر أغسطس/آب لأحد السببين التاليين:

إما أن الـ15 من يوليو/تموز في التقويم القمري القديم يوافق منتصف شهر أغسطس/آب في التقويم الجريجوري الجديد.

وإما أن يوافق الـ15 من يوليو/تموز في التقويم الجريجوري الجديد موسم جمع المحاصيل وكذلك انشغال كثير من العاملين بها في أمور الزراعة في كثير من المقاطعات، فيحتفلون به بعد موعده الأصلي بشهر ويسمونه "احتفال البون المتأخر".

ولكن مع تقدم الزمن تلاشى الاحتفال بالبون في شهر يوليو/تموز، وبات الاحتفال به في أغسطس من كل عام. والسبب وراء ذلك تغير أيام الاحتفال كل عام وفق حال القمر، فيصعب تحديد أيام الاحتفال بدقة.

وعليه نجد أن 70% من المقاطعات في اليابان تحتفل بالبون في موعده الرسمي من 13 أغسطس/آب وحتى 16 من الشهر نفسه، وليس هناك سوى أوكيناوا وجزء من جزر أمامي.

زينة الخيار والباذنجان للتعبير عن الخيل والأبقار

من عادات الاحتفال بالبون في اليابان غرز عصا الأكل اليابانية في الخيار والباذنجان لتشكّل صورة الخيل والبقرة كأحد أنواع التزيين. ويسمى "الوسيط الروحاني".

بالطبع هناك معنى ودلالة لاستخدام كل من الخيار والباذنجان في الزينة، فكلاهما يستخدمهما الأسلاف كوسائل للانتقال من العالم الآخر والهبوط إلى الأرض. فالخيار يشكّل صورة الخيل ويعبر عن الرجاء والرغبة في سرعة هبوط الأسلاف إلى الأرض بامتياطهم إياه، حيث قوائمه سريعة الركض.

بينما نجد الأمر مختلفاً في دلالة الباذنجان الذي يشكّل صورة البقرة ثقيلة الحركة، حيث تعبر عن العودة إلى العالم الآخر في سلام وتأنٍ أثناء الاستمتاع بالمشاهد الخلابة.

ولا يُعرَف السبب الحقيقي وراء استخدام "الخيار" و"الباذنجان" دون غيرهما من الخضراوات، ولكن ساد الاعتقاد بأنهما من الخضراوات التي يسهل الحصول عليهما في فصل الصيف، ويمكن الحصول عليهما من أي مكان. لذلك يتم استخدامهما على مستوى البلاد.

وبخلاف "الخيار" و"الباذنجان" هناك مقاطعات أخرى في اليابان تستخدم خضراوات وفاكهة أخرى، فعلى سبيل المثال نجد اليابانيون في أوكيناوا يتسخدمون قصب السكر عوضاً عن الباذنجان في وداع الأرواح.

لذا لا يقتصر الأمر على "الخيار" و"الباذنجان"، بل شاع استخدامهما في اليابان. وهذا لا يعني بالضرورة أنه لا يتم استخدام غيرهما.

رقصة البون:

تعتبر رقصة البون من أبرز مظاهر الاحتفال بالمهرجان في اليابان، ويتم أداؤها في نهاية الاحتفال بمشاركة جميع الحاضرين، حيث يمكن لأي شخص تعلمها بكل سهولة من خلال مشاهدة حركات الآخرين. ويكون لها لباسها الياباني التقليدي الذي يتم تأديتها به. كما أنها لا تخلو من معانٍ دينية أيضاً.

قديماً كان أساس تأدية الرقصة يعود لسبب ديني، حيث تعبر عن التضرّع والتوسّل والخشوع، ولكن منذ عصر موروماتشي *2 دخل عليها حركات من رقصات أخرى عصرية ومختلفة، وأصبحت متنوعة وتختلف حركاتها عما كانت عليه قديماً مما أضاف لها شيء من المتعة والإثارة.

وهناك أكثر من صورة وطريقة لأدائها، ولكنها تشترك في تشكيل دائرة كبيرة من المشاركين في الاحتفال والطواف حول المعابد والأضرحة بالميادين والساحات، وهناك من يقوم بأدائها بطرق تختلف عن ذلك بعض الشيء. وهناك بعض الأغاني التي يتم غناؤها أثناء الرقص، وكذلك استخدام الطبول والصافرات والشاميسين "العود التقليدي الياباني".


ويقال إنه في السنوات الأخيرة بدأت اليابان تفقد بعض من عاداتها المتوارثة منذ القدم مثل الاحتفال بالبون وغيره من الاحتفالات. فمن المهم التقدم والتطور بتقدم العصور ومواكبتها، ولكن على الجانب الآخر تقع مسؤولية توريث العادات والتقاليد المتوارثة منذ القدم للأجيال الجديدة على عاتقنا نحن؛ حيث إننا حلقة الوصل بين من رحلوا وتركوا لنا الموروثات، وبين من يولد ومن أبسط حقوقه معرفة تاريخه، وهويته، ومن يكون، وكيف كان أجداده. فلا تمثل مثل هذه العادات مجرد احتفالات عابرة أو عطلات فحسب، بل لابد من إمعان النظر في المعنى وراء أدائها وأصلها كموروثات تعبر عن هوية الفرد والبلد.

تعليقات