مكافحة الإرهاب في غرب أفريقيا.. فرنسا تعول على آخر قلاع الحلفاء
لا يبدو التقارب العسكري بين فرنسا وبنين وكوت ديفوار مجرد تنسيق ميداني عابر، بل هو مؤشر على إعادة تشكيل قواعد النفوذ والأمن غربي القارة.
فمع تراجع النموذج التقليدي للحضور الفرنسي، وصعود دور الدول الأفريقية في صياغة أولوياتها الأمنية، يتبلور نمط جديد من الشراكات يقوم على البراغماتية وتبادل المصالح، في مواجهة تهديد إرهابي آخذ في التمدد جنوبًا، بما يفرض معادلات أكثر تعقيدًا في توازنات المنطقة.
وفي هذا الإطار، اعتبر خبراء سياسيون متخصصون في الشأن الأفريقي في أحاديث منفصلة لـ«العين الإخبارية» أن تصاعد التهديدات الإرهابية في غرب أفريقيا يفرض واقعًا جديدًا قائمًا على توحيد الجهود الإقليمية والدولية. وأكدوا أن التنسيق العسكري بين الدول المعنية لم يعد خيارًا، بل ضرورة استراتيجية لضمان الاستقرار والأمن في المنطقة.
وقال الباحث السنغالي باكاري سامب، مدير معهد تمبكتو للدراسات الاستراتيجية، لـ«العين الإخبارية»، إن ما يحدث لا يمكن اعتباره عودة تقليدية للنفوذ الفرنسي، بل «إعادة تموضع اضطرارية» تفرضها التهديدات الأمنية المتنامية.
وأكد سامب أن دولًا مثل بنين وكوت ديفوار لم تعد تقبل بعلاقات غير متكافئة كما في السابق، بل تسعى إلى شراكات قائمة على المصالح المتبادلة، مشيرًا إلى أن «المبادرة هذه المرة تأتي من الدول الأفريقية نفسها التي تواجه خطرًا مباشرًا، وليس من باريس»، وهو ما يعكس تحولًا في ميزان القوة داخل القارة.
وحذر في الوقت ذاته من أن أي حضور عسكري أجنبي، حتى لو كان بطلب محلي، قد يُستغل من قبل الجماعات الإرهابية في الدعاية ضد الحكومات، ما يتطلب قدرًا عاليًا من الشفافية والتوازن في إدارة هذا التعاون.
تراجع النفوذ الفرنسي التقليدي
من جانبه، قال الباحث الفرنسي مارك أنطوان بيروس دو مونتكلوس لـ«العين الإخبارية» إن الحديث عن «عودة النفوذ الفرنسي» مبالغ فيه، خاصة بعد التراجعات الكبيرة التي شهدتها باريس في منطقة الساحل.
وأشار إلى أن فرنسا لم تعد تمتلك نفس القدرة أو الرغبة في فرض حضورها كما في السابق، موضحًا أن استراتيجيتها الحالية تقوم على «الدعم غير المباشر» عبر التدريب وتبادل المعلومات، بدلًا من الانتشار العسكري الواسع.
وأضاف أن هذا التعاون يعكس تحولًا نحو نموذج «الشراكة الخفيفة»، حيث تلعب فرنسا دورًا تقنيًا واستخباراتيًا أكثر منه ميدانيًا، مؤكدًا أن «زمن الهيمنة الأحادية قد انتهى، وما نراه اليوم هو تكيّف مع واقع أفريقي جديد أكثر استقلالية».
وأوضح أن التحالف العسكري الثلاثي لا يمثل عودة صريحة للنفوذ الفرنسي، بقدر ما يعكس إعادة صياغة للعلاقات الأمنية في غرب أفريقيا، حيث أصبحت الدول الأفريقية أكثر فاعلية في تحديد أولوياتها، بينما تسعى باريس للحفاظ على حضورها عبر أدوات أكثر مرونة.
تنسيق ميداني لمواجهة التهديدات
أعلنت فرنسا وبنين وكوت ديفوار عزمها مواصلة تعاونها في مكافحة الإرهاب، خلال اجتماع ثلاثي عُقد في مدينة كوتونو، حيث اتفق رؤساء أركان جيوش الدول الثلاث على الاستمرار في الشراكة التي انطلقت العام الماضي.
ويهدف هذا التعاون إلى التصدي للتهديدات الإرهابية، خاصة في شمال بنين، مع امتداد المخاطر إلى كوت ديفوار.
وانعقد الاجتماع داخل ثكنة توغبين، حيث ناقش القادة العسكريون تقييم الوضع الأمني، واستعرضوا تطورات الميدان، إذ سُجل شبه غياب للهجمات داخل الأراضي الإيفوارية، مقابل استمرار الهجمات في بنين، رغم تراجع نسبي في عدد الضحايا.
طبيعة التهديد وتحديات المواجهة
وفي توصيفه لطبيعة التهديد، قال العقيد أندريه فوفو دوكوي، قائد عملية «ميرادور» في شمال بنين، إن الجماعات الإرهابية تتميز بسرعة الحركة والقدرة على تنفيذ هجمات مفاجئة.
ودعا إلى تعزيز التعاون الإقليمي بشكل كامل لبناء رد فعال ومستدام، مؤكدًا أن النجاح يعتمد على تكامل الجهود، وهو ما لم يتحقق بعد بصورة كاملة.
وأشار إلى أن مشاركة كوت ديفوار تمثل عنصرًا مهمًا، لكن الحاجة ما تزال قائمة لتوسيع نطاق التنسيق بين الدول المعنية.
نحو توسيع مجالات التعاون
من جهته، شدد رئيس أركان القوات المسلحة في بنين، الجنرال فروكتيو غباغويدي، على أن الحرب ضد الإرهاب لا يمكن خوضها بشكل منفرد، وهو ما اتفق عليه نظراؤه في فرنسا وكوت ديفوار.
وأكد القادة الثلاثة عزمهم على تعزيز التعاون وتوسيعه، ليشمل مجالات متعددة، أبرزها تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتدريب الطيارين، وتأهيل القوات الخاصة، إلى جانب تطوير قدرات مواجهة حملات التضليل الإعلامي.
وفي هذا السياق، نفى العقيد أندريه فوفو دوكوي ما يُتداول بشأن مشاركة جنود فرنسيين في عملية «ميرادور»، مؤكدًا أن جميع العناصر المشاركة في العمليات القتالية هم من البنينيين بنسبة 100%.
واختُتم الاجتماع بلقاء مع رئيس بنين، باتريس تالون، أعقبه عشاء رسمي، قبل أن يغادر رئيسا أركان كوت ديفوار وفرنسا إلى بلديهما في وقت لاحق من المساء.
ويعكس هذا التعاون العسكري تحولًا تدريجيًا في بنية الأمن الإقليمي في غرب أفريقيا، حيث لم تعد الدول تعتمد على التدخلات الخارجية المباشرة، بل تتجه نحو بناء شراكات أكثر توازنًا.
وبينما تحاول فرنسا الحفاظ على دورها في المنطقة، تبدو الدول الأفريقية أكثر حرصًا على إدارة أمنها وفق أولوياتها، ما يشير إلى مرحلة جديدة عنوانها: شراكات براغماتية، لا نفوذ تقليدي.