«غزل الخصوم».. تكتيك جديد في معركة الانتخابات بفرنسا
رغم العداء الأيديولوجي، فإن أقصى اليمين الفرنسي لا يخفي إعجابه باليسار الراديكالي في مفارقة تختزل تكتيكا انتخابيا من نوع مختلف.
مفارقة سياسية لافتة تعكس تعقيدات المشهد الفرنسي، حيث لا يخفي قادة حزب "التجمع الوطني" (أقصى اليمين) نوعًا من الإعجاب بأسلوب تنظيم وحشد حزب "فرنسا الأبية" (يسار راديكالي)، وذلك في سياق استعدادات مبكرة لمعركة الانتخابات الرئاسية لعام 2027.
ورغم العداء السياسي الحاد بينهما، يكشف المشهد السياسي الفرنسي عن مفارقة لافتة، في مؤشر على حسابات انتخابية معقدة تسبق انتخابات الرئاسة لعام 2027، بحسب صحيفة "لوموند" الفرنسية.
وبحسب معطيات المشهد السياسي، فإن زعيمة أقصى اليمين مارين لوبان لم تحسم بعد قرار ترشحها للانتخابات المقبلة، في ظل ترقب حكم محكمة الاستئناف بباريس المرتقب في 7 يوليو/تموز المقبل.
والحكم المرتقب سيأتي على خلفية قضية مساعدي البرلمان الأوروبي التابعة لحزب «الجبهة الوطنية» سابقًا (التجمع الوطني)، وهو ما قد يؤثر على إمكانية خوضها السباق الرئاسي للمرة الرابعة.
وتتعلق الاتهامات الموجهة إلى مارين لوبان وحزب التجمع الوطني وإلى عشرة من قياداته، بدفع رواتب موظفين في الحزب بين عامي 2004 و2016 بأموال البرلمان الأوروبي، في وقت كان فيه الحزب يواجه صعوبات مالية جراء نتائج انتخابية ضعيفة.
غموض يربك الحسابات
وأوضحت الصحيفة الفرنسية أن هذا القرار قد يكون حاسمًا في تحديد مستقبلها السياسي، إذ قد يمنعها من خوض الانتخابات للمرة الرابعة، ما يفتح الباب أمام سيناريوهات بديلة داخل معسكر أقصى اليمين.
وأشارت الصحيفة إلى أنه رغم هذا الغموض، تبدو لوبان واثقة من قدرتها على رسم ملامح المواجهة المقبلة، حيث أعربت عن تفضيلها مواجهة رئيس الوزراء السابق إدوار فيليب في الدور الثاني.
وترى أن الفوز عليه سيكون "فوز قناعة" يعكس دعمًا حقيقيًا لبرنامجها، على عكس مواجهة زعيم اليسار الراديكالي جان-لوك ميلانشون، التي قد تتحول إلى "تصويت رفض" ضده أكثر من كونه تأييدًا لها.
ميلانشون.. خصم ملهم؟
بعيدًا عن التصريحات العلنية، تكشف الكواليس عن نظرة مختلفة لميلانشون داخل أوساط أقصى اليمين، فقد أبدت لوبان في أحاديث خاصة إعجابًا بأسلوبه، بل وشبّهته بوالدها جان ماري لوبان، أحد أبرز رموز تيارها في فرنسا.
وهذا التشبيه لا يخلو من دلالات، إذ يعكس اعترافًا ضمنيًا بقدرات ميلانشون القيادية، رغم التباين الجذري في المواقف السياسية.
ويرى مقربون من لوبان أن القاسم المشترك بين ميلانشون ووالدها يتمثل في الكاريزما والقدرة على التأثير، إلى جانب الجرأة الفكرية.
لكنهم يشيرون أيضًا إلى جانب سلبي يتمثل في ميلهما إلى إطلاق تصريحات مثيرة للجدل قد تُربك قواعدهما السياسية، وتُضعف تماسك الحركات التي يقودانها.
"المرآة السياسية"
ولا يقتصر الأمر على الإعجاب، بل يتعداه إلى محاولة الاستفادة السياسية، إذ تسعى لوبان إلى عكس بعض صفات خصمها، مثل "الجرأة" و"الوضوح" و"الإخلاص" في خطابها السياسي، بهدف جذب فئات أوسع من الناخبين.
وهذه الاستراتيجية تقوم على بناء صورة "قائد قريب من الشعب"، وهو ما يشكل أحد عناصر قوة ميلانشون.
ومن خلال هذا التفاعل غير المباشر، تعمل لوبان على ترسيخ انقسام سياسي واضح بين "الشعب" و"النخب"، وهو الخطاب الذي تعتمد عليه منذ سنوات.
ويبدو أن هذا الاستقطاب سيشكل محور الحملة الانتخابية المقبلة، حيث يسعى كل طرف إلى تقديم نفسه كبديل للنظام التقليدي.
رهانات تتجاوز الأيديولوجيا
يرى محللون أن هذا "الإعجاب التكتيكي" يعكس تحولًا في طبيعة الصراع السياسي في فرنسا، حيث لم يعد قائمًا فقط على الاختلافات الأيديولوجية، بل أيضًا على تقنيات الحشد والتأثير.
فأقصى اليمين الذي كان يعتمد سابقًا على خطاب تقليدي، بات اليوم يستلهم من أساليب اليسار الراديكالي في التعبئة الشعبية واستخدام الخطاب المباشر.
ومع اقتراب موعد الانتخابات، تتجه الأنظار إلى كيفية تطور هذه العلاقة المعقدة بين الخصوم، خاصة في ظل احتمال إعادة تشكيل التحالفات السياسية.
ووفقاً للصحيفة الفرنسية، فإنه في كل الأحوال، يبدو أن انتخابات 2027 لن تكون مجرد مواجهة تقليدية، بل اختبارًا حقيقيًا لأساليب جديدة في الصراع السياسي داخل فرنسا.