فرنسا تدق أبواب توغو بزيارة رفيعة.. ترميم الصورة واستعادة النفوذ (خاص)
وسط تراجع نفوذها في عدة دول أفريقية، بينها توغو المستعمرة الفرنسية السابقة والحليف التقليدي لفرنسا، مقابل التقارب التدريجي مع روسيا، حاولت باريس استعادة بريقها في البلد الأفريقي، بزيارة رفيعة المستوى.
ويوم الخميس، أجرى وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، زيارة رسمية لتوغو، تُعد الأولى من نوعها لوزير خارجية فرنسي إلى هذه المستعمرة الفرنسية السابقة منذ عام 2002.
زيارة حاول من خلالها وزير الخارجية الفرنسي التقليل من تنامي النفوذ الروسي في أفريقيا، معتبرًا أن مساهمة موسكو في تنمية القارة «لا تقارن» بمساهمة فرنسا والاتحاد الأوروبي.
دلالات التوقيت
يقول الباحث الفرنسي، المتخصص في الشؤون الأفريقية، أنطوان غلازر في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن توقيت الزيارة ليس عشوائيًا، بل يأتي في سياق «محاولة فرنسية عاجلة لإعادة تموضعها في أفريقيا بعد سلسلة من الانتكاسات».
في السياق نفسه، اعتبر الباحث في العلاقات الدولية الفرنسي، فرانسوا هايسبورغ في حديث لـ«العين الإخبارية»، أن توقيت الزيارة يرتبط أيضًا بتصاعد التنافس الدولي، ليس فقط مع روسيا، بل مع قوى أخرى مثل الصين وتركيا، ما يفرض على فرنسا التحرك بسرعة للحفاظ على ما تبقى من نفوذها.
الدور الفرنسي بأفريقيا
بحسب أنطوان غلازر، فإن باريس فقدت جزءًا كبيرًا من نفوذها في منطقة الساحل، خاصة بعد انسحابها من مالي والنيجر وبوركينا فاسو، ما أتاح المجال لقوى أخرى مثل روسيا لتعزيز حضورها.
في ذلك السياق، تمثل توغو «حالة خاصة»، لأنها لا تزال تحتفظ بعلاقات مع فرنسا، لكنها في الوقت نفسه تنفتح على موسكو، ما يجعلها ساحة اختبار لاستراتيجية فرنسية جديدة تقوم على الحوار بدل المواجهة، يضيف الباحث الفرنسي.
ورأى أن تصريحات بارو التي تقلل من النفوذ الروسي تهدف بالأساس إلى «طمأنة الرأي العام الداخلي أكثر من كونها انعكاسا لواقع ميداني، حيث إن النفوذ الروسي، خصوصًا عبر الأدوات الأمنية، أصبح ملموسًا في عدة دول».
من جهته، اعتبر الباحث في العلاقات الدولية الفرنسي، فرانسوا هايسبورغ، أن الزيارة تحمل أبعادًا استراتيجية أعمق، مرتبطة بإعادة صياغة الدور الفرنسي في أفريقيا.
وأشار هايسبورغ إلى أن باريس انتقلت من نموذج «التدخل العسكري المباشر إلى الشراكة المرنة، الذي يركز على التعاون الاقتصادي والدبلوماسي».
كما رأى أن الإشارة إلى «مستقبل مشترك» تعكس محاولة لتجاوز الإرث الاستعماري وبناء علاقة جديدة تقوم على المصالح المتبادلة، لكنها تواجه تحديات كبيرة بسبب تراجع الثقة في الدور الفرنسي داخل القارة.
رسالة مزدوجة
ولفت إلى أن هذه الزيارة تمثل «رسالة مزدوجة»: موجهة إلى الدول الأفريقية للتأكيد على استعداد فرنسا للتعاون، وإلى القوى المنافسة بأن باريس لا تزال لاعبًا أساسيًا في القارة، رغم التحديات.
وتعد هذه الزيارة أول زيارة رسمية فرنسية بهذا المستوى إلى توغو منذ عشر سنوات، كما أن آخر زيارة لوزير خارجية فرنسي تعود إلى عام 2002، الأمر الذي دفع بارو لوصفه بـ«الوضع غير الطبيعي».
وفي إطار سعي باريس لإعادة صياغة استراتيجيتها في أفريقيا، شدد بارو في تصريحات لوسائل الإعلام الفرنسية من العاصمة لومي، على أهمية العلاقات مع القارة، مشيرًا إلى مجالات الاستثمار والتبادل التجاري، ودعم الاتحاد الأفريقي، إضافة إلى استقبال الطلبة الأفارقة في الجامعات الفرنسية، بحسب صحيفة «لوموند» الفرنسية.
ووصف العلاقات بين باريس ولومي بأنها «كثيفة للغاية»، مؤكدًا وجود تواصل منتظم بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ونظيره التوغولي فور غناسينغبي.
وأشار إلى أن تدهور الوضع الأمني في منطقة الساحل، وانتشار الإرهاب، يمثلان مصدر قلق مشترك بين فرنسا ودول المنطقة.
وخلال زيارته، التقى بارو بنظيره التوغولي روبرت دوسي، كما أجرى محادثات مع الرئيس غناسينغبي.
تأتي هذه التحركات في ظل تصاعد العنف الذي تمارسه جماعات مرتبطة بتنظيمي القاعدة و«داعش» في منطقة الساحل، والذي بدأ يمتد إلى شمال الدول الساحلية مثل توغو، بعد انسحاب القوات الفرنسية من مالي وبوركينا فاسو والنيجر بطلب من الأنظمة العسكرية الحاكمة هناك.
توتر العلاقات
وشهدت العلاقات بين فرنسا وتوغو توترًا في يونيو/حزيران 2025، عندما قررت لومي تعليق بث قناتي «فراس 24» وإذاعة «آر إف آي» الفرنسية، متهمة إياهما بنشر معلومات «غير دقيقة ومنحازة» بشأن احتجاجات داخل البلاد. ولا يزال الحظر قائمًا حتى الآن، حيث دعا بارو إلى رفعه «في أقرب وقت ممكن» لما فيه مصلحة جميع الأطراف.
وأشاد الوزير بالدور الوسيط الذي تلعبه توغو في أزمات إقليمية، سواء في منطقة الساحل أو في النزاع الدائر في جمهورية الكونغو الديمقراطية.
ومن المرتقب أن تستضيف نيروبي، قمة «أفريكا فورورد» في مايو/أيار، في حين دعت روسيا الرئيس التوغولي للمشاركة في قمتها الروسية-الأفريقية المقررة في أكتوبر/تشرين الأول.
موقف فرنسا من قضايا تاريخية
ودافع الوزير الفرنسي عن امتناع بلاده عن التصويت على قرار أممي يصف تجارة العبيد الأفارقة بأنها «أشد الجرائم ضد الإنسانية»، موضحًا أن فرنسا ترفض «تصنيف الجرائم ضد الإنسانية أو المفاضلة بينها».
وأكد في الوقت ذاته أهمية العمل على الذاكرة التاريخية قائلاً: «من الضروري، إذا أردنا بناء مستقبل مشترك، أن نواجه ماضينا بكل جوانبه، الإيجابية منها والسلبية».