تحالف جديد بين إيران وجبهة "البوليساريو" في الصحراء المغربية، كشفت عن ملامحه جلسة بالكونغرس، ويحمل بصمات نشر الفوضى، ما يهدد بخلق نموذج مشابه للحوثي بأفريقيا.
وفي مداخلة له خلال جلسة استماع عقدتها "اللجنة الفرعية المعنية بأفريقيا والسياسة الصحية العالمية"، جدد السيناتور الأمريكي، تيد كروز، الدعوة إلى تصنيف جبهة البوليساريو منظمة إرهابية، واصفا إياها بذراع إيران الجديدة في شمال أفريقيا.
وقال كروز: "من أكثر الحقائق قتامة في مكافحة الإرهاب وفي الجيوسياسة على نطاق أوسع، أن التهديدات تتجاوز الحدود الوطنية وتمتد لتشمل مناطق بأكملها".
وتابع: "في الصحراء المغربية تعمل إيران بشكل نشيط على تحويل جبهة البوليساريو إلى ما يشبه الحوثيين في غرب أفريقيا، وتتعاون الجبهة مع جماعات إرهابية إيرانية، وتتلقى طائرات مسيّرة من الحرس الثوري الإيراني (IRGC)، وتنقل الأسلحة والموارد عبر المنطقة، بما في ذلك لصالح جماعات متطرفة، وغير ذلك".
ومضى قائلا: "إن هدف إيران، كما هو الحال في أماكن أخرى، يكمن في زعزعة استقرار مناطق بأكملها، وغالبا ما نجحت في ذلك".
وفي وقت سابق، قدم 3 أعضاء جمهوريين في مجلس الشيوخ الأمريكي على رأسهم السيناتور تيد كروز، مشروع قانون في الكونغرس، لتصنيف جبهة البوليساريو منظمة إرهابية، ودعا مشروع القانون إلى فرض عقوبات على جبهة البوليساريو في حال ثبوت تعاونها مع منظمات إرهابية مرتبطة بإيران.
مسارات التغلغل
ويشير الباحث والمحلل السياسي اللبناني، طارق أبو زينب، في حديث لـ"العين الإخبارية"، إلى أن "إيران تتحرك وفق استراتيجية بعيدة المدى تهدف إلى توسيع نفوذها خارج حدودها عبر أدوات غير تقليدية، تقوم على بناء شبكات موازية للدولة داخل المجتمعات".
هذا النهج، وفق أبوزينب، لم يعد خافيًا، بل أصبح "واضح المعالم من خلال نماذج قائمة مثل الحوثيين في اليمن، وحزب الله في لبنان، حيث يتم الجمع بين العقيدة الأيديولوجية والدعم العسكري والتنظيمي لإنتاج قوى أمر واقع".
وفي أفريقيا، شدد المحلل السياسي اللبناني، على أن إيران لا تتحرك بطريقة صدامية مباشرة، بل تعتمد على التغلغل التدريجي عبر عدة مسارات متوازية. أولها المسار الديني-الثقافي، من خلال نشر خطاب مذهبي وبناء مؤسسات تعليمية ودينية تهدف إلى خلق بيئة حاضنة فكرية على المدى الطويل.
ثاني مسار هو الاقتصاد، عبر الدخول في شراكات واستثمارات محدودة بتعاون مع أفراد ينتمون إلى جماعة الإخوان، ما يمنحها موطئ قدم داخل بنى الدولة.
الثالث هو المسار الأمني غير المعلن، الذي يرتبط بمحاولات نسج علاقات مع مجموعات محلية ومليشيات عسكرية أو شبكات غير رسمية يمكن تفعيلها لاحقًا عند الحاجة.
وفي هذا الإطار، رأى أبوزينب، أن "الأخطر في هذا المشروع أنه لا يظهر دفعة واحدة، بل يتشكل ببطء، إذ يبدأ بنفوذ فكري، ثم يتحول إلى حضور اجتماعي، ثم إلى تأثير سياسي، وقد ينتهي، في حال توفرت الظروف، إلى نفوذ أمني. وهذا ما يجعل التعامل معه معقدًا".
وقال أبوزينب، إن الحديث عن حوثنة أفريقيا "قد يبدو توصيفًا دقيقاً، ويعكس خشية حقيقية من تكرار نموذج الوكلاء الذي تتبعه إيران".
وأوضح: "رغم أن القارة الأفريقية، بتنوعها العرقي والسياسي، تجعل من الصعب استنساخ نموذج الحوثي بشكل كامل، فإن التجربة الإيرانية تقوم أساسًا على التكيّف مع البيئات المختلفة، وليس نسخ نموذج واحد حرفيًا".
وهو ما يستدعي، وفقا لـ"أبوزينب"، قراءة دقيقة ويقظة مبكرة من الدول الأفريقية والمجتمع الدولي، لأن ترك هذه المسارات دون رقابة قد يؤدي إلى إعادة إنتاج أزمات الشرق الأوسط في بيئات جديدة.
موطئ قدم
بينما أكد الباحث المغربي في شؤون الجماعات المتطرفة، محمد عبدالوهاب رفيقي، في حديث خاص لـ"العين الإخبارية"، أن إيران تسعى إلى الاختراق والتغلغل في منطقة غرب الساحل الأفريقي، وإيجاد موطئ قدم، خاصة أن المنطقة تشهد نوعا من الفوضى، وتفشي الحركات المتطرفة والعصابات الإجرامية.
وأشار رفيقي إلى أن "تعامل إيران مع جبهة البوليساريو هو أمر قديم، وكان سببا في قطع العلاقات الدبلوماسية بين المغرب وإيران، حيث ذكرت وزارة الخارجية المغربية أنه ثبت لديها أن طهران تتعاون مع الجبهة، وأن عناصر من حزب الله قدمت خصيصا إلى معسكرات الجبهة من أجل تدريبها على القتال".
ولفت رفيقي إلى أن طهران تسعى لمد نفوذها وخلق ذراع ربما تحتاجها في فترة معينة، تستطيع من خلالها اختراق عدد من المناطق المحيطة، حتى على المستوى الأيديولوجي.
وفي مايو/أيار 2018، أعلن المغرب رسمياً قطع العلاقات الدبلوماسية مع إيران لدعم الأخيرة لجبهة البوليساريو.
وقالت وزارة الخارجية المغربية إنها طلبت من السفير الإيراني في الرباط مغادرة البلاد بسبب دعم النظام الإيراني وحزب الله اللبناني لجبهة البوليساريو في الصحراء المغربية، لافتة إلى أنها ستغلق سفارة المغرب في طهران.
سياق معقد
واستبعد الباحث المغربي، في الوقت ذاته، أن يصل الأمر إلى خلق نموذج مشابه تماما للحوثي وحزب الله في شمال أفريقيا خلال الفترة الحالية، قائلا إن "الوضع والسياق الجيوسياسي مختلف في هذه المنطقة، بحكم البعد الجغرافي واختلاف المعطيات السياسية".
وأضاف: "الظروف المحلية لا تساعد، ولا يوجد حاضنة كبيرة، إذ نتحدث عن منطقة شاسعة جدا ومنطقة خالية من السكان، وبالتالي يصعب تكرار نفس النموذج بها".
ويؤكد الكاتب والمحلل السياسي المصري، هشام النجار، في حديث لـ"العين الإخبارية"، أن إيران تسعى من خلال دعم وتمويل وتسليح جبهة البوليساريو، إلى توسيع أذرعها في شمال أفريقيا، عبر تكرار نموذج جماعة الحوثي.
وأكد النجار أن إيران تعتمد بشكل رئيسي على وسائل وأدوات غير مشروعة لمد نفوذها بالخارج، في مقدمتها دعم وتمويل وتسليح الجماعات والتنظيمات المسلحة.
وأوضح أن "الجماعة أو المنظمة التي تمولها إيران في أي مكان بالعالم، هي بمثابة حصان طروادة، ووكيل لها بهذه الساحة، تماما كنموذج الحوثي في اليمن، وحزب الله في لبنان".