خبير فرنسي: أوروبا فضّلت الاستقرار التجاري على مواجهة أمريكا
أكد الخبير في كلية لندن للاقتصاد والمتخصص في التجارة الحرة زافييه جارافيل، أن التسوية التي توصل إليها الاتحاد الأوروبي مع الولايات المتحدة بشأن الرسوم الجمركية تعكس "براغماتية أوروبية تحت الضغط" أكثر من كونها انتصارا تفاوضيا كاملا.
وقال جارافيل في تصريحات لـ"العين الإخبارية" إن ما جرى في ستراسبورغ هو مثال واضح على كيفية إدارة أوروبا لعلاقتها المعقدة مع واشنطن في عهد دونالد ترامب، حيث "لم يكن الهدف تحقيق مكاسب كبرى بقدر ما كان تجنب خسائر فادحة"، خاصة في ظل تهديدات أمريكية مباشرة بزيادة الرسوم على قطاع السيارات، الذي يمثل أحد أعمدة الاقتصاد الأوروبي.
وأضاف أستاذ الاقتصاد في كلية لندن للاقتصاد أن الاتحاد الأوروبي وجد نفسه أمام معادلة صعبة: "إما التصعيد والدخول في حرب تجارية مفتوحة مع الولايات المتحدة، وإ القبول بتنازلات محسوبة تضمن استقرار العلاقات التجارية".
وأوضح جارافيل أن "أوروبا اختارت الحل الأقل تكلفة سياسيًا واقتصاديًا، حتى لو بدا ذلك وكأنه تراجع جزئي".
اتفاق غير مثالي
وأكد الخبير الفرنسي أن أحد أهم أبعاد الاتفاق يتمثل في كونه يمنح الأسواق قدرًا من الاستقرار، وهو أمر بالغ الأهمية في ظل حالة عدم اليقين التي تهيمن على الاقتصاد العالمي. فالشركات الأوروبية، بحسب رأيه، “تفضل اتفاقًا غير مثالي على غموض كامل يهدد سلاسل الإمداد والاستثمارات”.
وأشار إلى أن إدراج بنود مرنة مثل تأجيل بعض الالتزامات أو تعديل شروط التنفيذ يعكس إدراكًا أوروبيًا لطبيعة الإدارة الأمريكية الحالية، التي تتسم بالتقلب. ويقول إن “الاتحاد الأوروبي حاول بناء شبكة أمان قانونية وزمنية تتيح له التكيف مع أي تغييرات مفاجئة في الموقف الأمريكي”.
وفيما يتعلق بالتوازن السياسي داخل أوروبا، يرى زافييه جارافيل أن التوصل إلى هذا الاتفاق يعكس أيضًا محاولة لتجنب انقسامات داخلية بين الدول الأعضاء، حيث كانت بعض الحكومات تخشى من ردود فعل اقتصادية مباشرة في حال فشل المفاوضات.
مرحلة انتقالية
ولفت إلى أن هذه التسوية لا ينبغي قراءتها كحل نهائي، بل كمرحلة انتقالية في علاقة تجارية ستظل عرضة للتوتر، معتبرًا أن “العلاقات الاقتصادية عبر الأطلسي دخلت بالفعل عصرًا جديدًا، تحكمه اعتبارات القوة والضغط أكثر من قواعد التجارة الحرة التقليدية”.
وقال موقع "توت ليروب" الأوروبي الفرنسي إن "هذا الاتفاق ليس انتصارًا أوروبيًا خالصًا، بل هو نتيجة توازن دقيق بين تجنب التصعيد مع الولايات المتحدة والحفاظ على الحد الأدنى من المصالح الاقتصادية".
وأضاف أن "الاتحاد الأوروبي لم يربح كل شيء، لكنه نجح في تفادي الأسوأ، وهذا في حد ذاته إنجاز في سياق سياسي واقتصادي شديد التعقيد".
ضغوط ترامب
تحت ضغط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، توصل الاتحاد الأوروبي، الأربعاء، إلى تسوية مؤقتة تهدف إلى تنفيذ الاتفاق التجاري الذي أُبرم العام الماضي مع الولايات المتحدة، في مسعى لإنهاء فصل متوتر من العلاقات عبر الأطلسي.
وجرى الإعلان عن هذه التسوية عقب ليلة من المفاوضات المكثفة في ستراسبورغ بين ممثلي البرلمان الأوروبي والدول الأعضاء.
ورحّبت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، بهذا الإعلان عبر منصة "إكس"، داعية إلى "استكمال العملية" في أسرع وقت ممكن، مضيفة: "معًا يمكننا ضمان تجارة عبر أطلسية مستقرة، وقابلة للتنبؤ، ومتوازنة، ومفيدة للطرفين".
من جهته، أعرب المستشار الألماني فريدريش ميرتس عن ارتياحه، مؤكدًا عبر المنصة نفسها أن "أوروبا تفي بالتزاماتها".
بدوره، رحّب السفير الأمريكي لدى الاتحاد الأوروبي، أندرو بوزدر، بهذا التقدم، مشيرًا إلى أنه "سيجري التدقيق بعناية في تفاصيله".
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد منح الاتحاد الأوروبي مهلة حتى 4 يوليو/تموز، الذي يوافق الذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة، للمصادقة على اتفاق الرسوم الجمركية الذي تم التفاوض عليه الصيف الماضي في تيرنبيري باسكتلندا.
رسوم جمركية
ولوح ترامب، معتبرًا أن بلاده أوفت سريعًا بالتزاماتها، برفع الرسوم الجمركية على السيارات والشاحنات الأوروبية من 15% إلى 25% في حال لم يلتزم الاتحاد الأوروبي بتعهداته.
وبموجب الاتفاق مع واشنطن، التزم الاتحاد الأوروبي بإلغاء الرسوم الجمركية المفروضة على معظم الواردات القادمة من الولايات المتحدة، مقابل تحديد سقف عند 15% للرسوم التي فرضها ترامب على المنتجات الأوروبية.
ويتطلب هذا الاتفاق موافقة مزدوجة من البرلمان الأوروبي ومن الدول الـ27 الأعضاء في الاتحاد.
وكان أعضاء البرلمان الأوروبي قد طالبوا الشهر الماضي بسلسلة من الضمانات التي يصعب على الدول الأعضاء قبولها، خشية إثارة غضب جديد من البيت الأبيض.
وفي النهاية، وافق النواب الأوروبيون على خفض سقف مطالبهم. ووفق بيان للبرلمان الأوروبي، يمنح النص النهائي الولايات المتحدة مهلة حتى نهاية العام لإلغاء الرسوم الإضافية على مكونات الصلب والألمنيوم، بدلًا من اشتراط ذلك مسبقًا.
بنود الخلاف
كما كان هناك خلاف بشأن ما يُعرف ببنود "شروق الشمس" و"غروب الشمس"، حيث كان يُفترض أن يدخل الجزء الأوروبي من الاتفاق حيز التنفيذ فقط بعد التزام الولايات المتحدة الكامل، وأن ينتهي العمل به ما لم يتم تجديده في 2028.
وقد تم إلغاء بند "شروق الشمس" بالكامل، في حين جرى تأجيل بند "غروب الشمس" إلى نهاية عام 2029، وهو موعد انتهاء ولاية دونالد ترامب.
من جانبه، قلل رئيس لجنة التجارة الدولية في البرلمان الأوروبي، الألماني الاشتراكي الديمقراطي بيرند لانغه، من أهمية التنازلات المقدمة للدول الأعضاء.
واستشهد خلال مؤتمر صحفي بعبارة من أغنيته المفضلة لفرقة "رولينغ ستونز": "لا يمكنك دائمًا الحصول على ما تريد"، موضحًا: "لكن إذا حاولت، فقد تحصل في النهاية على ما تحتاجه">
وأكد أن البرلمان لم يخضع لإنذار ترامب، بل أنشأ "شبكة أمان" في مواجهة سياسة جمركية أمريكية باتت "غير مستقرة وغير قابلة للتنبؤ بشكل كامل".
ولا يزال الاتفاق بحاجة إلى موافقة رسمية من البرلمان الأوروبي والدول الأعضاء خلال الأسابيع المقبلة، وهو إجراء يُتوقع أن يكون شكليًا في هذه المرحلة.
تجنب غضب أمريكا
وكان البرلمان الأوروبي قد أبدى منذ البداية ترددًا في المصادقة على الاتفاق مع الولايات المتحدة، معتبرًا إياه غير متوازن، كما تعرقلت العملية خلال الأشهر الماضية بسبب طموحات ترامب تجاه غرينلاند، وكذلك إثر حكم قضائي من المحكمة العليا الأمريكية ضد سياساته الجمركية.
كما أسهمت مواقف بعض الدول الأوروبية المعارضة أو المنتقدة للحرب في إيران في إثارة غضب الإدارة الأمريكية خلال الأسابيع الأخيرة.
ورغم ذلك، دافعت المفوضية الأوروبية باستمرار عن اتفاق تيرنبيري، انطلاقًا من أهمية الحفاظ على العلاقات مع الشريك التجاري الأول للاتحاد الأوروبي.
وشددت أورسولا فون دير لاين، الأربعاء، على أن "الاتفاق هو اتفاق، والاتحاد الأوروبي يفي بالتزاماته"