سيادة اليورانيوم الروسي.. تجارة نووية «غامضة» بين باريس وموسكو
بعد أكثر من 4 سنوات على بدء العملية العسكرية الروسية على أوكرانيا، يواصل قطاع الطاقة النووية الفرنسي تجارة اليورانيوم مع روسيا، رغم الضغوط الدولية والعقوبات المفروضة على موسكو، وفق تقرير جديد أصدرته منظمة «غرينبيس» البيئية.
وأشار التقرير، الذي نشرته صحيفة "ليبراسيون" الفرنسية، إلى أن الشركة الفرنسية للطاقة الكهربائية إي دي إف وشركة أورانو العامة لا تزالان تعتمدان على العملاق الروسي "روساتوم" لتزويد مفاعلاتهما باليورانيوم المخصب، وكذلك للتخلص من الوقود النووي المستهلك، مما يثير تساؤلات حول استقلالية فرنسا في مجال الطاقة النووية وأمنها الإشعاعي.
وكشف التقرير أن نقل اليورانيوم المستعمل والمخصب من فرنسا إلى روسيا لم يتوقف منذ بداية العملية العسكرية الروسية على أوكرانيا في فبراير/شباط 2022، رغم العقوبات الأوروبية والأمريكية على موسكو.
وتصف المنظمة هذا النشاط بـ"التجارة المشعة"، محذرة من أن استمرار هذه العلاقة يعكس ضعف قدرة فرنسا على الاستغناء عن روسيا في سلسلة التوريد النووية، سواء في المواد الأولية أو معالجة الوقود النووي.
سلسلة التوريد النووية الفرنسية بين روسيا وبقية العالم
وتعتمد فرنسا، التي تمتلك 57 مفاعلا نوويا، على استيراد الوقود من عدة مصادر دولية. وتشير بيانات إي دي إف وأورانو إلى أنها تشتري نحو 14 ألف طن سنويا من اليورانيوم الطبيعي من مختلف دول العالم ليتم إثراؤه وتصنيعه كوقود للمفاعلات.
ورغم أن روسيا تمثل نحو 6% فقط من الإنتاج العالمي، فإن التبعية لها في مراحل المعالجة والتخصيب والتخلص من الوقود المستهلك تجعل باريس تواجه معضلة حقيقية في تنفيذ أي مقاطعة كاملة لموسكو.
وأوضح التقرير أن فرنسا تكافح على المستوى الأوروبي لتجنب وضع روساتوم تحت طائلة العقوبات، في وقت يصف الخبراء هذه السياسة بأنها "مخاطرة مزدوجة"، فهي تسمح باستمرار الاعتماد على مورد أجنبي له أبعاد سياسية وعسكرية، وفي الوقت ذاته تثير انتقادات قوية للشفافية والاستقلالية الوطنية في قطاع حيوي مثل الطاقة النووية.
الأبعاد السياسية والأمنية والتقنية
من جانبه، قال الباحث في شؤون الطاقة النووية والأمن الدولي، جان-كريستوف فيرود، إن استمرار العلاقات بين فرنسا وروسيا في مجال اليورانيوم يعكس "توازنات معقدة بين الاستقلالية الوطنية والاعتماد الدولي"، مشيرا إلى أن أي قرار بالانسحاب الكامل من المورد الروسي قد يؤدي إلى تعطيل بعض المفاعلات أو زيادة تكلفة الإنتاج بشكل ملحوظ، بحسب الصحيفة الفرنسية.
كما شدد التقرير على أن معالجة الوقود النووي المستهلك تمثل بدورها نقطة ضعف كبيرة، حيث يعتمد البرنامج الفرنسي على قدرات روساتوم في بعض مراحل إعادة التدوير والتخزين المؤقت، ما يطرح سؤالا أخلاقيا وسياسيا حول مدى مسؤولية فرنسا في دعم اقتصاد دولة تشن حربا على جارتها أوكرانيا.
انعكاسات اقتصادية على فرنسا وأوروبا
الاعتماد على روسيا، بحسب غرينبيس، لا يقتصر على الجانب التقني، بل يمتد إلى أبعاد اقتصادية، فتكاليف الطاقة النووية في فرنسا مرتبطة بعلاقات مع الموردين، واستمرار التعامل مع روسيا قد يجعل أي إصلاح أو تحديث في البنية التحتية النووية أكثر صعوبة، ويضع فرنسا في موقف ضعيف أمام شركائها الأوروبيين الذين يضغطون على باريس لتقليل الاعتماد على موسكو.
ولفت التقرير إلى أن استمرار تجارة اليورانيوم بين باريس وموسكو يشكل إشارة سلبية على مستوى السيادة الوطنية الفرنسية، ويثير قلق المستثمرين الأوروبيين والدوليين بشأن المخاطر البيئية والسياسية المحتملة، خاصة في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا وعدم وضوح المدى الذي ستصل إليه العقوبات الغربية ضد روسيا.
التقرير الجديد لـ"غرينبيس" يسلط الضوء على مفارقة كبيرة في السياسة النووية الفرنسية، ففرنسا التي تصف نفسها بالدولة السيادية ما زالت تعتمد على روسيا في قطاع حساس يمس الأمن القومي والقدرات الصناعية، رغم الحرب والأزمة السياسية الدولية.
ووفقا للصحيفة الفرنسية، فإن هذه العلاقة تكشف عن ضعف الاستقلالية الأوروبية في بعض الصناعات الحيوية، وتطرح تساؤلات حول قدرة باريس على ضمان أمن الطاقة النووية والمشاركة الفاعلة في العقوبات الدولية دون الإضرار بمفاعلاتها ومخزونها الاستراتيجي من الوقود النووي.