فيلم واحد غيّر مصيرها.. جزر صينية معزولة تتحول إلى وجهة سياحية شهيرة
ما بدأ كموقع تصوير هادئ وسط البحر، تحول خلال سنوات قليلة إلى أحد أبرز المقاصد السياحية في الصين. ففي جزر دونغجي، لم تكتفِ السينما بجذب الزوار، بل ساهمت في إعادة تشكيل الاقتصاد المحلي والبنية التحتية وأنماط الحياة.
وألقى تقرير نشرته صحيفة تشاينا ديلي الضوء على فكرة "السياحة السينمائية" أو ما يُعرف بـ Set-jetting وهي تقوم على مفهوم بسيط: مشاهدة فيلم ثم زيارة موقع تصويره.
لكن في حالة جزر دونغجي في الصين، أصبح هذا المفهوم مدخلًا لتحول أوسع بكثير من مجرد سياحة مرتبطة بالسينما، إذ تكشف التطورات خلال أكثر من عقد عن تغيرات عميقة في المكان والبنية الاجتماعية والسياحية.
وتعكس جزر دونغجي مثالًا على قدرة السينما والسياحة على تشكيل المكان، ليس فقط من خلال زيادة أعداد الزوار، بل عبر تغيير البنية العمرانية والاقتصادية والاجتماعية، لتتحول من جزر هادئة معزولة إلى وجهة سياحية نشطة ومتجددة باستمرار.
ومن بين عدة أفلام تم تصويرها في الجزر، أشار التقرير إلى فيلم "القارة" وهو أول عمل سينمائي للمخرج هان هان عام 2014، ويُصنف كفيلم رحلة (Road Movie) ويتناول قصة ثلاثة شبان نشأوا في جزيرة دونغجي.
ومن الأفلام الأخرى، الفيلم الوثائقي الشهير "غرق السفينة لشبونة مارو" (The Sinking of the Lisbon Maru)، الذي أخرجه فانغ لي عام 2023، ويتناول حادثة غرق السفينة اليابانية "لشبونة مارو" خلال الحرب العالمية الثانية وإنقاذ سكان الجزر المحليين لأسرى حرب بريطانيين كانوا على متنها.
جزر دونغجي
تقع جزر دونغجي في مقاطعة تشجيانغ شرق الصين، وتُعد من أقصى الجزر المأهولة شرق البر الصيني الرئيسي. وتتكون من 4 جزر رئيسية مأهولة: مياوزيه، تشينغبانغ، دونغفوشان، وهوانغشينغ. وقد اكتسبت جزيرة دونغفوشان شهرة خاصة باعتبارها الموقع الذي يُروَّج له على أنه أول مكان تصل إليه أشعة الشمس في الصين مع بداية القرن الحادي والعشرين، ما منحها طابعًا رمزيًا وسياحيًا مميزًا.
وفي منتصف العقد الماضي، كانت الجزر تُعرف بطابعها الهادئ والمعزول نسبيًا. وكانت البنية التحتية محدودة، مع بيوت حجرية تقليدية مبنية على سفوح التلال، ونُزل صغيرة بسيطة، وخدمات أساسية فقط. كما كانت شبكات الإنترنت ضعيفة أو غير متوفرة في بعض المناطق، وكان الانقطاع الكهربائي أمرًا متكررًا. ورغم ذلك، جذبت الجزر فئة محدودة من الزوار الباحثين عن الطبيعة البكر والهدوء بعيدًا عن المدن.

لكن خلال السنوات الأخيرة، شهدت الجزر تحولًا جذريًا. فقد تم تطوير شبكة الكهرباء بشكل حديث، وتوسيع محطات العبارات التي تربط الجزر بالبر الرئيسي، إضافة إلى إنشاء مسارات مشي منظمة وممهدة حول التضاريس الجبلية. كما ظهرت مقاهي حديثة، ومتاجر للمأكولات البحرية، ودور ضيافة وفنادق صغيرة تحمل طابعا سياحيا متزايدًا في الاحترافية.
وانعكس هذا التطور بشكل مباشر على أعداد الزوار، إذ أصبحت الجزر تستقبل مئات الآلاف سنويًا، حيث بلغ عدد السياح نحو 419 ألف زائر في عام واحد، ما حولها إلى وجهة سياحية نشطة بعد أن كانت شبه نائية.
من الناحية الاقتصادية، أدى هذا النمو إلى إعادة تشكيل أنماط العمل المحلية. فقد توسعت مشاريع بيوت الضيافة بشكل كبير، وأصبح قطاع السياحة المصدر الرئيسي للدخل في بعض القرى. ومع ازدياد الطلب، ظهرت تحديات تتعلق بالمنافسة بين المشاريع السياحية، وضرورة تحسين جودة الخدمات للتميّز في سوق سريع النمو.
تغيير الاستراتيجيات الحياتية
وربما أهم هذه التحديات يتعلق بـ البنية التحتية واللوجستيات. فالجزر بطبيعتها معزولة جغرافيًا، وكل ما يُستخدم فيها تقريبًا يجب نقله من البر الرئيسي عبر البحر. مع ارتفاع أعداد السياح، أصبح توفير المواد الأساسية مثل الغذاء، ومواد البناء، والأثاث، وحتى خدمات التخلص من النفايات، أكثر صعوبة وتعقيدًا. هذا الواقع فرض قيودًا عملية على السكان وأصحاب المشاريع، ودفعهم للبحث عن حلول بديلة أكثر كفاءة وأقل تكلفة.وأهم هذه الحلول كان إعادة استخدام الموارد بدل استبدالها. فبدل شراء أثاث جديد أو مواد بناء ونقلها من البر الرئيسي بتكلفة عالية، يتم إصلاح الأثاث القديم، وإعادة طلائه أو تعديل استخدامه داخل بيوت الضيافة والمشاريع السياحية. هذا يقلل التكاليف ويخفف من الاعتماد على الشحن البحري المعقد.

حل آخر يتمثل في الاعتماد على الترميم الذاتي والبناء المحلي البسيط. كثير من أصحاب المشاريع لا يستعينون بشركات كبيرة أو مواد مستوردة، بل يقومون بأنفسهم بإعادة تأهيل المنازل القديمة باستخدام ما هو متاح محليًا، مثل إصلاح الأسطح، إعادة تركيب الأثاث، أو استخدام مواد بسيطة يمكن نقلها بسهولة.
كما برزت فكرة تقليل الهدر وإعادة تدوير المخلفات داخل الجزيرة. نظرًا لصعوبة التخلص من النفايات ونقلها إلى خارج الجزر، أصبح من الضروري إعادة استخدام بعض المواد أو تحويلها إلى استخدامات أخرى بدل التخلص منها. هذا يقلل من تكاليف النقل والتخلص البيئي في الوقت نفسه.
ومن الحلول أيضًا العمل التعاوني بين السكان. فبدل أن يعمل كل مشروع بشكل منفصل، هناك تبادل للخبرات والموارد، مثل مشاركة أدوات البناء أو تنسيق جلب الإمدادات بشكل جماعي لتقليل تكاليف النقل لكل فرد.
إضافة إلى ذلك، هناك الاعتماد على الاقتصاد المحلي الصغير، مثل المقاهي والمتاجر الصغيرة التي تستخدم منتجات محلية أو بسيطة بدل الاعتماد على سلاسل إمداد طويلة ومكلفة. وقد ساعد هذا على تقليل النفقات ويعزز الاستقلال الاقتصادي داخل الجزيرة.