نهاية ليالي العزل.. «العين الإخبارية» تكشف عن بروتوكول جديد لعلاج كوفيد 19
في أروقة المستشفيات، حيث كان صرير أجهزة التنفس يعلو على كل شيء، وحيث لم يكن الوقت يسمح بكثير من التفكير، وُلدت فكرة دراسة مصرية.
لم تكن هذه الدراسة، التي تدور حول استخدام أدوية الالتهاب الكبدي للحد من وفيات كوفيد 19، وليدة رفاهية البحث الأكاديمي، بل خرجت من قلب المعاناة اليومية، من غرف عزل ممتلئة بمرضى "كوفيد-19"، الذين يقفون على حافة التدهور، فكان القرار هو البحث داخل ما نملكه، ومن هنا جاءات فكرة البحث، كما يقول الدكتور محمد عبدالسلام الجوهري، أستاذ طب المناطق الحارة بالأكاديمية الطبية العسكرية المصرية، والباحث الرئيسي بالدراسة للعين الإخبارية.

يتكئ د.الجوهري قليلاً إلى الخلف، وكأن ذاكرته تعود به إلى تلك الأيام الثقيلة، وبنبرة هادئة ، لكنها مشبعة بانفعال مكتوم، يؤكد أن هذه الدراسة لم تكن مجرد مشروع علمي، بل "واجب وطني وأخلاقي".
بحث مصري بروح الفريق
ويشدد الدكتور الجوهري منذ البداية على أن هذا العمل لم يكن جهداً فردياً بأي حال. ويقول بثة واضحة: " ما تحقق هنا هو نتاج منظومة كاملة".
وجمعت الدراسة بين الخبرة الإكلينيكية الميدانية في مستشفى حميات ألماظة، حيث تم التعامل المباشر مع مئات المرضى، وبين الدعم البحثي والمعملي من مركز مصر للبحوث الطبية والطب التجديدي، والمعامل المركزية بكوبري القبة، ومعامل متخصصة في الوقاية البيولوجية.
ويضيف أن هذا الجهد تعزز بخبرات أكاديمية من مستشفى صدر العباسية وجامعة طنطا، إلى جانب دعم إحصائي وبحثي دولي من" مؤسسة مارس جلوبال للأبحاث والدراسات".
ويتوقف لحظة، ثم يضيف بنبرة تحمل قدراً من الاعتزاز: "هذا التنوع لم يكن شكلياً، بل كان ضرورياً، كنا نريد دراسة تعكس الواقع الحقيقي للمريض المصري، لا نتائج معزولة عن أرض المعركة".

310 مريضاً في أخطر لحظة زمنية
وحين ينتقل الحديث إلى المرضى الذين شملتهم الدراسة، تصبح كلماته أكثر وضوحاً، وهو يقول: " الدراسة ضمت 310 حالة مرضية، جميعهم من المرضى الذين احتاجوا إلى الحجز بالمستشفى بسبب إصابتهم بـ"كوفيد-19" المتوسط المصحوب بالتهاب رئوي، وهؤلاء لم يكونوا حالات بسيطة، لكنهم لم يصلوا بعد إلى المرحلة الحرجة،وهنا تكمن المعركة الحقيقية".
ويشرح أن التركيز على هذه الفئة تحديداً كان قراراً استراتيجياً، لأن منع تدهورها يعني إنقاذ الأرواح قبل الوصول إلى الرعاية المركزة، حيث ترتفع نسب الوفاة عالمياً بشكل مخيف.
ثم يضيف، بنبرة لا تخلو من الفخر العلمي: "نحن وثّقنا داخل فريقنا البحثي نسبة وفاة داخل الرعاية المركزة بلغت 28% فقط، ونُشرت هذه النتائج في دورية عالمية مرموقة ، وهي أقل من نسب مسجلة في دول أوروبية غربية، وهذا إنجاز لا يمكن تجاهله".
دراسة في قلب الجائحة… لا بعدها
لم تُجرَ هذه الدراسة في وقت هدوء، بل في أصعب فترات الوباء، ويشرح الدكتور الجوهري أن البيانات جُمعت على مدار عامين كاملين من ديسمبر 2020 إلى ديسمبر 2022، وهي فترة شهدت موجات متتالية وسلالات شديدة العدوى مثل دلتا وأوميكرون.
ويقول : " كنا نعمل وسط ضغط يومي، قرارات سريعة، ونقص عالمي في الخيارات العلاجية. هذا ما يمنح النتائج قوتها، لأنها وُلدت من الواقع لا من الافتراض".
وعندما يتحدث عن نشر الدراسة، تظهر نبرة رضا واضحة في صوته، قائلا: " الدراسة نُشرت في دورية(ساينتفيك ريبورتيز) التابعة لمجموعة نيتشر العالمية، بعد مراجعات علمية دقيقة، وقُبلت في 8 أكتوبر 2025، ثم نُشرت إلكترونياً في 20 من الشهر نفسه".
ويضيف: " هذا النشر ليس تكريماً لأشخاص، بل اعتراف بقيمة ما تنتجه المستشفيات والفرق البحثية المصرية، وقدرتها على الإسهام في المعرفة الطبية العالمية".
لم يكن لدينا رفاهية الانتظار
وينتقل الحديث من الأرقام إلى الجوهر الإنساني للفكرة، ويقول الدكتور الجوهري بصراحة: "في ذروة الأزمة، لم يكن لدينا رفاهية انتظار أدوية جديدة أو حلول مستوردة باهظة الثمن، خاصة في ظل تحديات مثل تردد بعض الفئات تجاه اللقاحات".
ومن هذا الواقع، جاءت فكرة إعادة استخدام الأدوية، وبدلاً من البحث عن المجهول، اتجه الفريق إلى أدوية معروفة، آمنة، ومتوفرة في السوق المصري، وهي مضادات فيروس "سي" التي عالجت ملايين المصريين على مدار سنوات.
تم اختبار توليفات دوائية تضم سوفوسبوفير/داكلاتاسفير وسوفوسبوفير/ليديباسفير، مع أدوية أخرى مُعاد استخدامها، في محاولة للاستفادة من تشابه آلية تكاثر فيروس "سي" و"كوفيد-19" المعتمدين على الـ "آر إن إيه".

نتائج تُترجم إلى حياة
حين يتحدث عن النتائج، لا يكتفي بسردها، بل يربطها بصورة المريض، ويوضح أن البروتوكولات الجديدة نجحت في تقليل التدهور الرئوي بشكل كبير، وهو المؤشر الأخطر في مسار المرض.
فبينما شهد أكثر من ثلث مرضى البروتوكول القياسي تدهوراً ظهر في الأشعة المقطعية، انخفضت هذه النسب بشكل لافت في المجموعات التي تلقت مضادات فيروس «سي»، لتصل في إحدى المجموعات إلى أقل من 7%، ويقول " هذا يعني ببساطة أننا كنا نمنع المرض من تدمير الرئة".
كما ساهمت هذه البروتوكولات في تقليل مدة البقاء بالمستشفى، وهو ما يعني تعافياً أسرع للمريض، وضغطاً أقل على المنظومة الصحية.
الأمان… خط أحمر
ويشدد الدكتور الجوهري مراراً على أن الأمان كان المعيار الأول، فالدراسة ركزت على فئة محددة من المرضى البالغين المصابين بحالات متوسطة، واستبعدت الحالات الحرجة أو من يعانون من فشل كبدي أو كلوي حاد.
وفي هذه الفئة، أثبتت البروتوكولات أمانها، دون زيادات مقلقة في وظائف الكبد أو الكلى، ودون ارتفاع في معدلات الوفاة.
وحين يُسأل عن الصعوبات، يختصرها بكلمة واحدة" الضغط"، ثم يفسرها قائلا: " كنا نعمل تحت ضغط إنساني وطبي وبحثي هائل، ثم تحدٍ آخر لا يقل قسوة، وهو إقناع المجلات العلمية بأهمية نشر دراسة جديدة عن «كوفيد-19» في وقت كان فيه العالم يظن أن الملف أُغلق".

رسالة تتجاوز الجائحة
في ختام الحوار، يعود الدكتور الجوهري إلى الرسالة الأوسع.
يقول بهدوء: " هذه الدراسة لا تتحدث عن دواء فقط، بل عن فلسفة مضمونها هو كيف يمكن للدول ذات الدخل المتوسط والمنخفض أن تحمي شعوبها بمواردها المتاحة".
ويختم قائلاً: "حين نمنع تدهور المريض، نقلل الحاجة إلى الرعاية المركزة، ونخفف الضغط عن النظام الصحي، ونحمي الموارد، هذا هو الأمن الصحي الحقيقي، وهذه هي الرسالة التي أردنا أن تصل إلى العالم".
aXA6IDIxNi43My4yMTYuMjE0IA==
جزيرة ام اند امز