المستقبل النظيف.. دول «G7» تقود دفة التحول العالمي
في خضم تفاقم التغير المناخي حول العالم، تشهد أوروبا إرهاقاً حرارياً غير مسبوق بلغ حد تهديد الأرواح، وضع قادة المجموعات الكبرى ذات التأثير العالمي الواسع مثل مجموعة السبع أمام مسؤولية إيجاد خيارات وحلول ناجعة لتسريع الانتقال الطاقوي العادل والنظيف.
بحسب مخرجات اجتماع بون 2026؛ فقد شهدت قضية الانتقال العادل بعض التحديات في مناقشات الأطراف، لكن حدث بعض التقدم الملموس، وبالتزامن مع اجتماع بون الذي استضافته ألمانيا في يونيو/حزيران الجاري، استضافت فرنسا أيضًا قمة السبع (G7)، بين يومي 15 إلى 17 يونيو/حزيران في مدينة إيفيان ليه بان، ويُعد ذلك الاجتماع مساحة لأكبر قادة الدول الصناعية المتقدمة، وهم: فرنسا، ألمانيا، الولايات المتحدة الأمريكية، اليابان، إيطاليا، كندا، والمملكة المتحدة. هناك يناقش القادة العديد من القضايا المهمة، من بينها أسواق الطاقة العالمية والانتقال إلى مصادر الطاقة النظيفة.
في هذا الصدد، قال منسق مبادرة تيراميد، والمدير التنفيذي السابق للمركز الإقليمي للطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة (RCREEE)، ومدير شبكة خبراء المياه والطاقة والمناخ، الدكتور جواد الخراز، إنه في قلب التحولات الجيوسياسية والاقتصادية التي تشهدها أسواق الطاقة العالمية اليوم، تتمتع دول مجموعة السبع بقدرة وتأثير حاسمين في توجيه دفة التحوّل العالمي للطاقة النظيفة؛ نظرًا لثقلها الاقتصادي والتكنولوجي؛ فتلك الدول تُمثل نحو 40% من الاقتصاد العالمي، و30% من الطلب العالمي على الطاقة. ومع ذلك؛ فتلك القيادة ليست مطلقة، بل إنها تواجه اختبارًا حقيقيًا يوازن بين التقدم المحرز والتحديات الهيكلية الداخلية والتعقيدات الجيوسياسية.
أما بخصوص التحديات الهيكلية؛ يرى "خراز" أن دول المجموعة قد أظهرت التزامًا سياسيًا وعمليًا واضحًا بالانتقال إلى مصادر الطاقة النظيفة، ويتجلى ذلك من خلال تراجع الانبعاثات؛ إذ انخفضت حصة دول المجموعة من انبعاثات قطاع الطاقة العالمي إلى 18% في العام 2025 مقارنة بنسبة 26% في عام 2015. كما انخفض توليد الكهرباء من الفحم في دول المجموعة إلى النصف تقريبًا منذ العام 2015، بينما تضاعف توليد الطاقة من الرياح والشمس 3 مرات في نفس الفترة. إضافة إلى ذلك، تلتزم تلك الدول بإزالة الكربون بالكامل من أنظمة الطاقة لديها بحلول العام 2035 والوصول إلى صافي انبعاثات صفري بحلول 2050.
لكن، على الرغم من القفزات الكبيرة التي أنجزتها تلك الدول لدعم الوقود الأحفوري، إلا أنّ بعض أكبر اقتصادات المجموعة تعتمد بصورة كبيرة على الوقود التقليدي، ما يُضعف من قدرتها على تقديم نموذج مثالي يُحتذى به؛ فعلى سبيل المثال، في عام 2025، ولّدت الولايات المتحدة ما يزيد عن نصف احتياجاتها من الكهرباء من مصادر الطاقة غير المتجددة، بينما اعتمدت اليابان أيضًا على تلك المصادر غير المتجددة لتوليد ثُلثي طاقتها الكهربائية. كما تتأثر دول المجموعة بنحو 37% من توليد الكهرباء العالمي عبر الغاز الأحفوري، ويُضاف إلى ذلك الضغط المتزايد على شبكات الطاقة نتيجة الطفرة الحالية في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والصدمات الجيوسياسية الأخيرة المؤثرة على أسواق الطاقة.
وأكد أن التحوّل نحو الاقتصاد الأخضر يتطلب إمدادات هائلة من المعادن الحرجة، مثل العناصر الأرضية النادرة والمغناطيس الدائم، تلك المعادن تُستخدم في السيارات الكهربائية وتوربينات الرياح، وهنا تبرز عقبة ريادية كبرى، وهي أنّ الصين بالفعل تُهمين على نحو 70% من الإنتاج العالمي للأتربة النادرة، و95% من تصنيع المغناطيس الدائم. وتسعى مجموعة السبع لتقليل الاعتماد على مورد خارجي إلى ما دون 60% بحلول 2030، لكن فرض الصين لقيود على التصدير ردًا على السياسات التجارية الغربية يُهدد برفع تكلفة الانتقال العالمي وإبطاء سرعته.
وقال د. جواد خراز إنه لا يمكن لمجموعة السبع قيادة تحوّل عالمي حقيقي وملموس بدون مد يد العون للدول النامية والناشئة. في قمة "إيفيان"، يظهر بوضوح أنّ أمن الطاقة مرتبط بتمويل التنمية؛ إذ تواجه دول الجنوب بالفعل أزمات ديون خانقة، وتفتقر إلى رأس المال بأسعار معقولة للاستثمار في البنية التحتية الخضراء. لذلك؛ فإنّ دعوة بعض الدول للقمة، تعكس إدراكًا بأنّ القيادة تتطلب بناء شراكات تمويلية عادلة، وليس فقط فرض تدابير حماية تجارية. ومن ثمّ؛ فإنّ مجموعة السبع تستطيع صياغة السياسات ورسم المعالم التكنولوجية والمالية لسوق الطاقة، لكن قدرتها الفعلية على قيادة التحوّل العالمي ستظل رهينة بمدى نجاحها في فك ارتهانها الداخلي للغاز وتأمين سلاسل إمداد مرنة للمعادن الحرجة، ومدى جديتها في دعم التحوّل العادل في الدول النامية.